تكتسي الانتخابات الرئاسية الأمريكية أهمية كبيرة وتغطية إعلامية غير مسبوقة كل أربع سنوات؛ لما لها دور كبير في التأثير على كثير من العلاقات الدولية واتفاقيات السلام، وحل النزاعات أو شن الحروب.

وإن انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الحالية ستشهد تحولات كبيرة في السياسة الأمريكية، خاصة في ظل تفشي فيروس كورونا والمخلفات الاقتصادية التي نجمت عنها، التي ستكون بلا شك سببًا في زيادة التنافس نحو السباق الرئاسي بين المرشح الديمقراطي، جو بايدن، والمرشح الجمهوري، دونالد ترامب.

وبالتالي فالتساؤل الذي يُثار حول دور هذين المرشحين في مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية وكيفية التعاطي مع الأزمات والتوترات الحالية، وما أهم هذه الملفات؟

1- الملف الأول: العلاقة مع الصين

تعد العلاقات الصينية الأمريكية واحدة من العلاقات الدولية الشائكة؛ فالصين أصبحت قوة صاعدة على الساحة الدولية وبوصول ترامب للسلطة اتّبع سياسة جديدة ضد الصين تقوم على المواجهة وخاصة مع تزايد نفوذ الصين مع مختلف مناطق العالم، وأن شخصية ترامب الذي ينقلب على الاتفاقيات والمواثيق.

فعلى المستوى التجاري أعلن ترامب في 22 مارس (آذار) 2020 وجود نية لفرض رسوم جمركية تبلغ 50 مليار دولار على السلع الصينية، وكرد فعل فرضت الصين رسومًا جمركية على 128 منتجًا أمريكيًّا ما قيمته 34 مليار دولار، أما على الصعيد السياسي فيتواصل التوتر في بحر الصين الجنوبي، وكذا قضيتا هونج كونج وتايوان.

بالإضافة إلى أن فيروس كورونا الذي اعتبر ترامب أن الصين هي مصدر هذا الوباء، وهي المتسبب في كل ما حصل في العالم.

أما بالنسبة لجو بايدن، فبرنامجه التجاري مع الملف الصيني يتجه نحو تخفيف التوتر، لكنه سيواصل المفاوضات معها في شأن الممارسة التجارية غير العادلة، وإزالة بعض العقوبات عليها، أما سياسيًّا فهي معالجة الملفات الجيوسياسية العدوانية من جانب بكين، وتحسين العلاقات بين الحكومتين.

2- الملف الثاني: العلاقة مع الحلفاء

بصعود ترامب للسلطة رفع شعار «أمريكا أولًا» فاعتقد البعض أنه مجرد شعار انتخابي فقط، لكنه تحوَّل إلى استراتيجية العزلة، فقد نقل ترامب الولايات المتحدة من حليفة للأوروبيين إلى خصم لها، ويمكن تقسيمه عبر مسارين:

أ‌- التشكيك في جدوى التحالفات: ففي مقابلة أجرتها صحيفة «واشنطن بوست» في أبريل (نيسان) 2016 أنه يرغب في تقليص القواعد العسكرية في الدول الأجنبية، وامتلاك بلاده لقواعد عسكرية في شرق آسيا، وقال بأن حلف الناتو أصبح قديمًا وغير فعال.

ب‌- عدم الجدوى الاقتصادية من تلك التحالفات: لأن الولايات المتحدة تتكبد تكاليف الدفاع عن حلفائها دون مردود حقيقي لذلك، يعتقد ترامب أن بلاده لا تحصل على مكاسب حقيقية، وكذا انسحابه من اتفاقية باريس للمناخ.

أما جو بايدن فيسعى إلى إعادة ترميم الجسور مع الأوروبيين والعودة إلى الاتفاقيات السابقة كاتفاق باريس للمناخ، وتمتين الوجود العسكري في أوروبا، والتشديد على روسيا، وتعزيز العلاقات بين أعضاء الحلف الأطلسي.

3- الملف الثالث: الشرق الأوسط والملف الإيراني والتركي

في هذا الملف فسياسات كل من بايدن وترامب متقاربة جدًّا ، فكلاهما يرغبان بتقليل الارتباط العسكري في المنطقة، والدور القيادي الذي تلعبه أمريكا نظرًا إلى انخفاض الأهمية الاستراتيجية للمنطقة في منظومة المصالح الأمريكية.

أ‌- الملف الفلسطيني: الرئيس ترامب سيؤيد خطط إسرائيل في ضم أجزاء من الضفة الغربية، أما جو بايدن فسيكون في موقف صعب، ولكي لا يُغضب الجناح اليساري في حزبه فسيختار الحل الدبلوماسي، وأن القرار سيُترك للإسرائليين والفلسطنيين ليقرروا بأنفسهم.

ب‌- الملف التركي: فالملف التركي قضية خلافية بين ترامب وبايدن، فدونالد ترامب عارض البيت الأبيض في فرض عقوبات على أنقرة خاصة بعد شرائها لمنظومة S400 الروسية، وأبدى تراجعًا نوعًا ما أمام الضغوطات التركية في الملف السوري ، أما جو بايدن فقد تعهد بأنه سيدعم قرار يعترف بالإبادة الجماعية للأرمن، وسيجدد انتقاده لقرار ترامب بالانسحاب من سوريا والذي سمح بالتوغل التركي.

ت‌- الملف الإيراني: لم يدخر دونالد ترامب أي جهد لانتقاد ومعارضة الاتفاق النووي الذي وقَّعته طهران في عهد إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، معتبرًا أنها تضع إيران في طريق الحصول على السلاح النووي، وبدوره اتخد قراره بالانسحاب منه والعودة إلى العقوبات فصرَّح بأنه خطأ تاريخي وسيوقفه بأي وسيلة ليتسنَّى له تصحيح هذا الخطأ.

أما جو بايدن فهو من مؤيدي الخيار الدبلوماسي في التعامل مع إيران مع استخدام العقوبات وسيدافع عن الاتفاق النووي الذي جرى توقيعه عندما كان نائبًا للرئيس أوباما بوصفه أحد الإنجازات السياسة الخارجية لرئيسه السابق، ويذكر أنه صوَّت ضد تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية عندما كان سيناتور.

في النهاية وعلى الرغم من اختلاف الرؤى بين بايدن وترامب، فإنها تشابهت في بعض الأمور، خاصة رفض استمرار الولايات المتحدة بالقيام بدور الشرطي للعالم والاهتمام أكثر بالسياسة الداخلية.

فالرئيس ترامب أحدث تغييرات ضخمة شهدتها بلاده وشهدها العالم، أما جو بايدن فسيكون فقط امتدادًا لإدارة أوباما وسياسته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد