مقطع قصير جدا على الفيس بوك للإعلامي أحمد الشيخ في مسرح أزرق وهو يقول: (أنا طيف حلمٍ يمسك بعنان بغلة عمر إذ يقترب من أسوار القدس فاتحًا) وأكمل بطلاقته التي عهدتها في «الجرح المفتوح» و«الشاهد»، انتهى المقطع ولم ينتهِ سؤالي عن اسم برنامج يجلس فيه الشيخ حكمًا.

وجدته على قناة لم أشاهدها من قبل، بدأتُ بالحلقة الثالثة – لأنها كانت أحدث الحلقات حين شاهدت ذلك المقطع –  أُخذت بالبرنامج اسما ومضمونا وحكاما ومشاركين، عدت إلى الحلقة الأولى في انبهار، صحيح أن برنامج أمير الشعراء له السبق في الفصحى إلا أن برنامج «فصاحة» يختلف عنه في عدة أمور: أولها أن فصاحة يُعنى بكل الفئات العمرية والعلمية، وثانيها أنه لا يشترط الشعر موهبة أو تذوقا، وثالثها أن البرنامج جاء بعد تسونامي برامج المواهب الغنائية والفنية للكبار والأطفال ليكشف لنا كل هذا الزبد ويُبقي لنا ما ينفع الناس.

بعد أن شاهدت الحلقات حتى انتهاء المرحلة الأولى من التصفيات آلمني جدا ألا أجد غير مصرية واحدة ضمن المشتركين من كل أنحاء الوطن العربي، صحيح أن كواليس البرنامج تنقلت ما بين تونس وسلطنة عُمان والسعودية وقطر، إلا أن عدد الجالية المصرية في السعودية وقطر يسمح لعدد أكبر من المصريين بالاشتراك في المسابقة، علما بأن تلك المتسابقة تعلمت في قطر وليست خريجة المدارس المصرية!

وعدت إلى تلك المقارنة القديمة البائسة بين نطق المصريين للعربية الفصحى والإنجليزية، ونطق أهل الشام والمتعلمين من البلاد الأخرى، وعادت تلك الوخزة التي تصيبك عند مشاهدة المسلسلات السورية وسماع سلاسل الذهب التي تُصاغ بألسنة الممثلين مقارنةً بتلك الكلمات التي تشبه كل شيء إلا الفصحى في الأعمال «الفنية» المصرية، وإن صدقنا أن حجم الإنتاج قد يكون سببا في هذا فما السبب إذا في الفرق بين المذيعين الناطقين بالفصحى من المصريين وبين غيرهم؟!

طوال دراستي المدرسية لم يدرس لي معلم للغة العربية متمكن من مادته سوى في الصف الثالث الثانوي بعد أن غُرست العربية مشوهة في عقلي، ثم التحقت بقسم اللغة العربية في الجامعة لأسباب لا تمت لحب العربية بِصلة، وهناك علمت كيف تفسد الأجيال وكيف ينهار التعليم، كانت دراستي تؤهلني لتدريس المرحلة الثانوية بعد تخرجي، تخرجت وفي يدي شهادة بتقدير عام جيد وفي عقلي كمٌ هائلٌ من القضايا الخلافية النحوية، وأبيات شعر لا أفقه معظمها، وبعضٌ من شظايا أدب وبلاغة لا علاقة لها بعصرنا وحياتنا، وكان حظي وافرا رغم ذلك؛ حيث إن جامعتي من الجامعات المعروفة عربيا والتي يعاني مدرسوها من عقد نقص لا مبرر لها، فما بالكم بخريجي جامعات الأقاليم أو الجامعات الخاصة أو غير المعترف بها؟ ولولا  نشأتي في عائلة لها باع في الثقافة أبًا عن جد لما احتفظت بثروة لغوية لا بأس بها ساعدتني على الاستمرار في التعلم وبدء صعود سلم الكتابة.
ورأيت زميلاتي وهن يتوافدن على المدارس للتقديم على الوظائف وأشفقت على أجيال لم يتأهل مدرسوهم بعد للنطق الصحيح للغة فضلا عن تدريسها وشرحها بأساليب محترمة.

لذا كان الإقبال من المصريين عجيبا على برامج الغناء وخصوصا للأطفال بعد أن دربهم آباؤهم وأحسنوا تعليمهم للفن والموسيقى، واحتفت بهم وسائل الإعلام احتفاء الفاتحين، وكان الإحجام مريبا عن برنامج «فصاحة»!

أُكمل متابعة حلقات البرنامج وغصة لا تفارقني حزنا على الفلاح الفصيح الذي غاب عن المشتركين ولجنة التحكيم، وأسفا على بساط يُسحب من تحت ريادة مصر لعقود طويلة في العلم والإعلام، التاريخ والجغرافيا ثم تأخذه بلاد كنا نُطيل التهكم عليها وظننا أن مساحة بلادنا وحدها ستكفل لنا الاستمرار في الصدارة، حتى هذه المساحة لم نُبق عليها وأهدينا منها للبلاد المجاورة!

وهنا لا أتحدث عن الفصحى وحدها بل عن العامية المصرية أيضا، التي لم نستطع الحفاظ على إنسيابها على ألسنة العرب ورأينا حين سُلبت منا (#ديزني_لازم_ترجع_مصري) بهيستريا على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالطبع ليست من قبيل المصادفة أن تكون نفس الدولة هي من أطلق قناة براعم الناطقة بالفصحى للأطفال، وأخذ حقوق دبلجة أفلام ديزني السابقة واللاحقة للفصحى، وأخيرا – ولا أعتقد أنه سيكون آخرا- برنامج فصاحة.

اللغة أو اللهجة لا تأتي بالاستجداء أو «الفهلوة» بل بقوة الحضور على الأرض، بعظم الإنجازات التي تتحدث عنك وقطعا سوف تحكي عنك بلغتك لا بلغات الآخرين أو لهجاتهم، ولرب أصدق ما قيل عن هذه المواقف:
«لا نلوم الآخرين إذا تمددوا بل نلوم أنفسنا إذا انكمشنا».

عودة إلى برنامج فصاحة وبعيدا عن الشأن المصري، البرنامج جدير بالمتابعة إذ يُعطي شغفا جديدا باللغة ويُلهم بالأفكار التي طال رقادها ويوقظ البديهة التي كادت أن تغفو.
رابط البرنامج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد