فجر المقاول والفنان محمد علي، قنبلة حركت الماء الراكد في الحالة السياسية في مصر، بعد ظهوره على وسائل التواصل الاجتماعي متحدثًا عن فساد السيسي والمؤسسة العسكرية.

ورغم ما قيل من قبل عن ملفات الفساد، إلا أن تأثير كلام الفنان والمقاول الخارج من صف النظام والمؤسسة العسكرية كان له مفعول السحر.

ولكي نتصور مدى تأثير هذا الأمر على أفراد المؤسسة العسكرية وعلى الأفراد المؤيدين للسيسي وباقي الشعب نذكر هذا المثال عن الأستاذ سيد قطب رحمه الله عندما سئل عن من يرفض فكره من المجتمع المصري ألا يعتبر كافرًا؟ فانزعج بشدة وأجاب بأن التكفير أمر خطير له شروط يجب تحققها حتى يتم إصدار الحكم به على شخص ما، كما أن هناك موانع يجب انتفاؤها وكل هذا بعد أن يتم إقامة الحجة عليهم ويصلهم البلاغ بما جهلوه! فأعادوا عليه التساؤل ألم تقم الحجة على المجتمع بكتبك التي وزعت ونشرت وتكلمت عنها الصحف وقرأها القاصي والداني؟ ألم يصلهم البلاغ بذلك؟ فأجاب لا لم يصلهم لأنه بلاغ مسيء، فأنا بالنسبة لهم لست مصدر ثقة بل تم تشويه صورتي أمامهم ولا بد قبل أن يتم الحكم عليهم أن يصلهم البلاغ وتقام الحجة عليهم من العلماء الثقات الرسمين.

فالفنان ورجل الأعمال والمقاول محمد علي يمثل مصدر الثقة وهو نظير العلماء الرسميين لدى قطاعات كبيرة من الشعب، بما فيهم عبيد البيادة أنفسهم، فهو ليس إرهابي متطرف ولا ينتمي للإخوان! وإن تم اتهامه بذلك أو اتهامه بالفساد والانحلال فهو اتهام مردود على قائله بل قد يثير السخرية والاستهزاء! الم يكن هو شريك القوات المسلحة ومن تسند اليه الأعمال بالأمر المباشر على مدار 16 عامًا! هل يتعامل الجيش مع الفاسدين المنحلين الإرهابيين المتطرفين؟

أمام هذا التساؤل يقف أتباع السيسي حيارى تائهين؟

وأمام الاتهامات نفسها التي أثارها الرجل يصمتون ويخرسون؟

بل يقف النظام كله صامتًا عاجزًا عن الرد.

فكل محاولة إعلامية للتشويه ونفي الاتهامات تؤدي لتثبيت الاتهامات أكثر، ولا أحد يجرؤ إلى التطرق إلى الحديث عن فندق انتصار تريمف الذي تم إنشاؤه بـ2 مليار ولم يجرؤ أحد أن يتكلم عن تجديد فيلا الحلمية ولا قصر المنتزه ولا قصور وفلل الهايكستب ولا تكاليف مقبرة أم السيسي التي وضعها في الثلاجة بعد موتها للاحتفال بتفريعة قناة السويس ولا عن هذا الاحتفال الذي شارك في إعداده محمد علي بنفسه كما لا يستطيع أحد أن ينفي طريقة عمل هيئة الإدارة الهندسية للجيش التي تتولى جميع أعمال المقاولات في الدولة بالإسناد المباشر وبلا أي مناقصة ثم تقوم بإسنادها لشركات المقاولات بنسبة السمسرة التي تتراءى لها، بل امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بما يؤيد كلام محمد علي من صور وتواريخ الأماكن والإنشاءات التي أشار إليها والتي أصبح من السهولة الحصول عليها بأحد البرامج الذي يحوي صورًا أرشيفية مصورة بالأقمار الصناعية، بالإضافة للصور الميدانية التي نشرها محمد علي بنفسه مع قيادات الجيش في هذه المواقع.

اشتعل الشارع المصري بعد كل الفضائح التي أثارها محمد علي بأسلوب ساخر ولغة بسيطة فصيحة تصل إلى كل طبقات الشعب، لغة دارجة لم يتوان فيها عن إهانة السيسي ولا عن إهانة السيدة حرمه، ولا عن فضح قيادات وفساد بعض قيادات العسكر الذين تعامل معهم.

كما اشتعل الوضع كذلك لدى الضباط داخل المؤسسة العسكرية نفسها وإن لم يكن الأمر ظاهرًا لنا، ولكن بالتأكيد الجميع داخل المؤسسة متابعين لتلك الفيديوهات ولو من باب الفضول لمعرفة أسماء هذه القيادات التي يذكرها محمد علي، ولمتابعة حجم الفساد داخل مؤسستهم ومدى التمييز الحادث بين لواء وآخر وبين ضابط ونظيره، فالبعض لهم الفلل والقصور وغارقون في الملايين والمليارات.

وكذلك هو الحال مع فئات أخرى من الشعب كرجال الأعمال الفاسدين أو المتضررين من الفساد، وباقي طبقات الشعب المسحوقة تحت وطأة النظام.

وازداد الأمر تفاعلًا واشتعالًا بزيادة الفيديوهات وانتشارها انتشارًا واسعًا عجزت كل الأحداث المصاحبة عن التغطية عليه، فوفاة عبد الله مرسي ابن الرئيس المصري الراحل أججت وجددت مشاعر الحزن والسخط أكثر على النظام المتهم بقتلة فزاد لجوء الشعب للفيديوهات التي تفضح هذا النظام القاتل، وفيديوهات وائل غنيم وهجومه المريب على محمد علي زادت من مطالعة الشعب لفيديوهات محمد علي كما أثارت السخط على وائل غنيم واسترجع البعض تاريخه في 30 يونيو وصمته وانسحابه المريب بعد نشره لبيان الانقلاب وأثارت الشفقة والتعاطف عند البعض الآخر الذي بدا أمامه وائل بمظهر المريض النفسي المدمن البائس اليائس.

وعلى العكس منها كانت فيديوهات محمد علي تمثل الأمل لدى قطاع عريض من الشعب كما أن محمد علي نفسه يمثل القدوة التي يطمح كثير من الشعب للوصول إليها فهو يفعل ما يعجزون عنه من سب وإهانة السيسي ويكشف فساده المالي ويتكلم عن معاناة الشعب. وظهرت تحليلات كثيرة تسعى لتفسير ظهور الفنان المقاول وما أحدثه من تأثير

ومن بين هذه التحليلات خزعبلات لا يمكن تفسيرها إلا بنسبتها للجان مخابراتية أو عقول غير واعية فتجد من كل شغله الشاغل سب محمد علي لأنه فاسد وكان يعمل مع الجيش ولم ينقلب عليهم إلا بعدما اختلف معهم، والبعض يقول أن هذه الفيديوهات لعبة من النظام! أي نظام؟ هل يقوم السيسي بنفسه للعبة ينشر فيها فضائحه وفساده هو وزوجته ويتم فيها فضحه وسبه بأقذع الألفاظ؟ وما هو الهدف من هذه اللعبة؟ يقولون لإلهاء الشعب! إلهاء الشعب عن ماذا؟

وبطرح كل هذه الخزعبلات غير المنطقية يتبقى أمامنا تحليلان يلزم كل منهم مسارات ثورية خاصة

التحليل الأول

هو أن هذا الرجل محمد علي شاهد عيان على فساد كبير وتعرض لظلم قابل نفسًا أبية لم ترض الإهانة فانتهز الفرص التي أتيحت له وقرر فضح هذا الفساد من الخارج بعد أن قام بتأمين حياته وإقامته في إسبانيا، ربما كان هدفه في بداية ظهوره إرجاع بعض أمواله فلما يئس من ذلك تمادى في الأمر، وقد فعل ما فعل بمعاونة بعض أصدقائه له من ذوي النفوذ والسلطة ومن رجال الأعمال.

ويؤيد هذا التحليل الكاريزما التي ظهر بها الرجل وتقديمه لنفسه على أنه شخص عصامي وابن بلد بدأ من الطبقة المتوسطة وتلقى تعليمًا متوسطًا في المدارس الحكومية وبنى نفسه بنفسه حتى وصل إلى القمة في الثراء ووصل للعمل مع أكبر مؤسسات الدولة، ولا يتعارض ذلك مع كون هذه المسيرة يشوبها الفساد الذي عم البلاد وطم، وهذا بالطبع ليس مبررًا للفساد.

ويحسب للرجل أنه في رحلته الفنية قام بأداء عمل فني رائع يعبر عن معاناة الشعب والطبقات الفقيرة فيه، تناول فيلمه البر الثاني مشكلة الهجرة غير الشرعية التي تنبع من المعاناة والفقر الذي يعيش فيه الشعب المصري، والتي غالبًا ما تنتهي نهاية مأساوية بالموت غرقًا، عجز النقاد والوسط الفني والإعلامي عن تفهم الدوافع الإنسانية التي ذكرها محمد علي لتمويله هذا الفيلم بمبلغ 27 مليون جنيه بدون عائد مادي متوقع.

التحليل الثاني

هناك جهة ذات نفوذ تقف خلف الرجل وتخطط له، وهذا الظهور المفاجئ للرجل لم يكن ليتم إلا بوجود هذه الجهة، وهذه الجهة قد تكون دولة مبارك العميقة المتضررة من السيسي أو قيادات في القوات المسلحة تضررت من السيسي، هذه القيادات قد تكون تابعة لعنان أو لشفيق أو لأي من القيادات التي تم إقالتها وتنحيتها جانبًا لإفساح الطريق للسيسي وابنه وحاشيته، وهذه الجهة كذلك قد تملك تأييدًا إقليميًا أو دوليًا، وبذلك يكون السيناريو المطروح هو انقلاب على الانقلاب.

وقد يكون ما حدث مزيجًا من الأمرين معًا، فبدأ أولا ظهور الفنان تلقائيًا وبمعاونة من أصدقائه المقربين ثم ظهرت له جهات تسانده، وقد يكون العكس هو ما حدث وهناك جهة ما هي من بحثت عنه وساعدته.

ولعل هذا هو الأقرب للمنطق وخصوصًا بعد تصاعد نبرة الفنان المقاول، وتصريحه بأنه يسعى لتثوير الشعب على السيسي وطرحه لفعاليات ثورية.

ولعل توقيت الحدث بعد أسابيع قليلة من مقتل الرئيس الراحل الدكتور محمد مرسي وبعد مقتل ابنه عبدالله مرسي هو محض انتقام من الله من قاتله كما أن مقتل الرئيس قد يكون فتح الطريق أمام جهة ما للإطاحة بالسيسي دون خوف من عودة الدكتور مرسي، فسقوط السيسي في حياة الدكتور مرسي يجعل عودته للحكم هي أقرب الاحتمالات.

وأيًا كان الأمر فمن الواجب على من يسعى لإسقاط الانقلاب تأييد هذا الحدث إعلاميا والسعي لنشر هذه الفيديوهات في جميع القنوات المتاحة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، واستغلال الحدث والزخم الإعلامي بإعادة نشر ملفات الفساد التي تم طرحها من قبل ولم ينتبه إليها.

ما حدث ينبغي أن يلفت انتباهنا إلى أمر آخر وهو سهولة وأهمية الحصول على المعلومات ويتأتى ذلك بوجود جهاز لجمع المعلومات، أليس في مقدور جماعة الإخوان بما تملكه من تنظيم وأفراد إنشاء مثل هذا الجهاز؟ ألم تكن المعلومات التي ذكرها محمد علي متاحة لآلاف العمال الذين عملوا في هذه المشاريع؟ أليست ملفات الفساد في الجيش المصري متاحة لآلاف المجندين الذين يعملون في هذه المشاريع؟

قديمًا صدر تصريح للمرشد السابق للإخوان مهدي عاكف بأنه على استعداد لإرسال عشرة آلاف مقاتل مدربين الى لبنان لمحاربة إسرائيل وحلل البعض التصريح وقتها بأن جماعة الإخوان المسلمين سلمية ولم يعد لديها نظام خاص ولكن لديها أفراد مجندين في الجيش المصري ومدربين على الفنون القتالية.

ألم يكن في مقدور الجماعة بنفس الإمكانيات إنشاء جهاز لجمع المعلومات؟

أين ملفات الفساد التي كانت تحت أيدي الجماعة وقت تولي الدكتور مرسي رئاسة الجمهورية؟

أليس في مقدور المعارضين للانقلاب ووسائل الإعلام إنشاء كيانات تتولى جمع المعلومات وتحليلها ونشرها من فئات الشعب المصري؟

ما هو الواجب عمله مع الجهات المتضررة من السيسي في الوقت الحالي وفيما بعد سقوط السيسي؟ وهل هناك تصور لدى المعارضة لما هو المفروض عمله في حالة حدوث انقلاب عسكري على الانقلاب؟

نسأل الله أن يهيئ لثورة 25 يناير من يستكمل مسيرتها ويحقق أهدافها والله الموفق للصواب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد