يعتقد البعض أن الرواية البوليسية نشأت في إنجلترا، ولكن الحقيقة أن الرواية البوليسية بشكلها المعاصر ظهرت في فرنسا على يد كاتب أمريكي اسمه«إدجار آلان بو»، وهو يُعدّ المؤسس الحقيقي لفن التحري، تناولت رواياته أول ظهور لشكل المحقق بشكله المتبع في الروايات البوليسية، وكان المحقق الخاص ب«بو» اسمه«أوغست دوبن»، وكان مبدأه يقوم على الاستنتاج والملاحظات من أجل حل القضايا، كان لا يتحرك كثيرًا من مكانه، وكان له صديق هو من يقوم بدور الراوي، وظهر ذلك في ثلاث قصص قصيرة لـ«بو»، وهي جرائم شارع مورغ ومقتل ماري جيه والرسالة المسروقة، وكان ذلك تقريبًا في الفترة من 1841 إلى 1844.

لم تكن الأحداث والشخصيات كثيرة في قصص«بو» فكانت كلها عبارة عن قصص قصيرة، وتقريبًا معظم رواياته البوليسية التي كتبها هي وقائع حقيقة حدثت بالفعل ولكنه وضع استنتاجاته، ونستطيع أن نرى ذلك في قصة مقتل «ماري روجيه»، تقريبًا عام 1842 هزت تلك القضية أرجاء فرنسا لمقتل فتاة تُدعى«ماري روجيه»، وحتى هذا اليوم لم يتعرف على القاتل، حتى«بو» ترك المجال مفتوحًا للقارئ، فأورد أحداث القضية، وشهادات الشهود، ومقالات الجرائد في تلك الفترة، ثم وضع استنتاجاته على كل مقال على لسان بطله «أوغست دوبن».

نقطة مهمة جدًّا أيضًا يجب أن تُذكر في موضوع نشأة الرواية البوليسية أنه يوجد بعض من المهتمين بنشأة الرواية البوليسية يرجعون نشأتها إلي الكُتّاب العرب، وذلك من خلال رواية التفاحات الثلاثة بكتاب ألف ليلة وليلة، تلك القصة التى حكتها شهر زاد للملك شهر يار في الليلة التاسعة عشر والعشرين، وكان مختصرها أن صيادًا وجد صندوقًا به كنز في البحر، فاشتراه منه خليفة المسلمين هارون الرشيد، فأمر بفتحه فوجد فيه جثة امرأة مقتولة؛ فأمر وزيره جعفر البرمكي بالتحقيق في الأمر، وإيجاد القاتل في ثلاثة أيام وإلا سيُقتل، القصة حملت نوعًا من الغموض، وتتابع التحقيق على يد البرمكي بشكل مشابه لما هو موجود في الرواية البوليسية الحديثة، قد يكون اختلف دافع المحققين؛ فالبرمكي كان يحقق خوفًا من قتله على يد هارون الرشيد، أما المحقق في الرواية البوليسية يحقق من أجل تقديم الجاني إلى العدالة.

بعد«إدجار آلان بو» ساهم«تشارلز ديكنز» بشكل مميز في تطور الرواية البوليسية، وذلك من خلال رواية البيت المنعزل، والتي تناولت مقتل محام والتحقيق في قتله، وكان من تلامذة «ديكنز» الكاتب «ولكي كولينز» والذي يعد مؤسس الرواية البوليسية الخيالية، وذلك في روايته ذات الرداء الأبيض وكان ذلك تقريبًا عام 1889.

في نهايات القرن التاسع عشر كان ممثلو المسارح والكُتّاب والعلماء هم نجوم المجتمع في إنجلترا، ولكن في تلك الفترة ظهر نجم من نوع جديد متخصص في علم التشريح كان اسمه الدكتور«جوزيف بيل»، لم يكن علم الطب الشرعي معروفًا بشكله الحالي في تلك الفترة، ولكن الدكتور«جوزيف بيل» كانت له قدرة عجيبة سبقت ذلك العصر في الربط ما بين الجاني والمجني عليه ومسرح الجريمة، باستخدام أدوات الطب الشرعي.

فقد كان قادرًا على معرفة مهنة شخص ليس له به سابق معرفة من خلال رؤيته فقط!

وهو الأمر الذي أدى إلى استعانة الشرطة به في حل القضايا، الأمر الذي أدى إلى نجاح كبير في كشف الكثير من قضايا القتل الغامضة.

وأثناء عمل الدكتور جوزيف بيل في مستشفى«أنبرة» عَمل تحت يده مساعد اسمه «آرثر كونان دويل»، وفكر «آرثر» فعليًّا في عمل شخصية محقق لندني مُلمّ بعلوم الإجرام الحديثة، وله قدرة كبيرة على الاستنتاج من خلال الحقائق والملاحظات الموجودة أمامه، وعلى مدار أكثر من 40 عامًا ألف «آرثر كونان» 36 قصة قصيرة لـ«شارلوك هولمز»، وأربع روايات، واتبعه جيل جديد من مؤلفي الرواية البوليسية، وعشق الجمهور شخصية «شارلوك هولمز» لدرجة أن السير «آرثر» قتل «شارلوك هولمز» في رواية المشكلة الأخيرة، ولكن جمهوره هاجمه بشدة، فاضطره ذلك إلى إعادة إحياء الشخصية مرة أخرى في رواية مقتل كلب «آل باسكرفيل».

أرى أن روايات «شارلوك هولمز» قامت على وجود حبكة بوليسية متمثلة في كثير من الأدلة المادية الموجودة في مسرح الجريمة، أو في المشتبه بهم، وكان على «شارلوك» ملاحظة تلك الأدلة واستنتاج الحقائق من خلالها، لم يتعد الأمر سوى حبكة بوليسية بارعة وضعها «شارلوك هولمز»، ولكن القارئ في كثير من الأحيان كان يستطيع الوصول بسهولة إلى القاتل، كان في كثير من رواياته يعرف القاتل من البداية، ولكن «شارلوك» كان عليه إثبات التهمة بالأدلة، إلا أنه لم يتبع منهج اللغز في سرد أحداث الروايات.

إلى أن أتت السيدة «أجاثا كريستي».

كانت بداية «أجاثا» غير ناجحة؛ فقد صدر لها ثلاث روايات لم يحقق أي منها نجاحًا يُذكر، ففكرة وجود محقق- وأجنبي أيضًا ليس إنجليزيًا- يضاهى عبقرية «شارلوك هولمز» أعتقد كان أمرًا صعبًا على الجمهور الإنجليزي بلعه.

بل إن روايات «أجاثا» اختلفت في طريقة سردها وحبكتها عن طريقة «آرثر كونان»، فكانت «أجاثا» تدخل في البيئة المحيطة بالقاتل، وتعدد المشتبه بهم في رواياتها، ولم تكن قصصًا قصيرة على شاكلة «شارلوك هولمز»، إنما كانت روايات كبيرة، إلى أن أتت رواية قضية غامضة في عام 1920، وقد كانت الانطلاقة الحقيقية لـ«أجاثا كريستي».

زواج «أجاثا كريستي» من عالم آثار أتاح لها زيارة الكثير من المدن، وهو الأمر الذي استعانت به في رواياتها، فـ«آرثر كونان» عوّد الجمهور على أن«شارلوك هولمز» يبحث في قضاياه داخل إنجلترا، أما «أجاثا» فقد أخذت الجمهور إلى أماكن جديدة، ومغامرات في دول ثانية، كجريمة في مصر، وفي بلاد الرافدين، وجريمة في قطار الشرق السريع.

اعتمدت «أجاثا» في رواياتها على منهج الألغاز ليس فقط في الروايات البوليسية، ولكن أيضًا في المسرحيات التي ألفتها، والألغاز لم تقتصر على الحبكة البوليسية فقط؛ بل وضعتها في الحوار والشخصيات، وأحيانًا في اختيار مواقع الأحداث.

كانت تتعمد وضع تلك الألغاز لكي يكون هناك صراع بينها وبين القارئ، دائمًا ما يكون عنصر التشويق موجودًا بين سطور روايتها، حتى إن القارئ يشعر أنه يريد أن ينهي الرواية في جلسة واحدة لمعرفة إن كان استنتاجه صحيحًا أم خاطئًا.

كان لـ «أجاثا» أسلوب خاص في الكتابة، كانت لغتها سهلة وبسيطة، لم تعتمد على لغة صعبة، وهذا أيضًا سهّل ترجمة رواياتها وانتشارها في جميع أنحاء العالم، على مدى نصف قرن تربعت «أجاثا كريستي» على عرش روايات الجرائم، فلقد بيع من رواياتها أكثر من مليار نسخة، وترجمت إلى أكثر من 102 لغة حتى بعد وفاتها منذ 40 عامًا، لم يستطع أحد أن يصل إلى مكانتها في روايات الجرائم.

في الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية أطلق على هذا العصر عصر الفارسات الأربع، وهم «أجاثا كريستي، ودورثي سايرس، ونجايو مارش، ومارجري ألينغهام» وجمعيهن إنكليزيات عدا « نجايو» نيوزلندية.

وفي تلك الفترة ظهر أدب جديد مشتق من الأدب البوليسي، وهو أدب المخابرات وظهرت من خلاله الشخصية الأسطورية «جيمس بوند» ضابط الاستخبارات البريطاني على يد «أيان فلمنغ» من خلال رواية كازينو رويال، وكان العصر الذهبي لذلك النوع هو فترة الحرب الباردة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا.

غير أن النصف الثاني من القرن العشرين حدث نوع من الكبوة في كتابة الرواية البوليسية بسبب حرب فيتنام والحرب الباردة ما بين القوتين، أدى إلى الاهتمام بأنواع أخرى من الآداب، غالبًا ما كانت درامية واجتماعية، وتراجعت مكانة الرواية البوليسية في ظل الرواية السياسية والاجتماعية، ولكنها بالطبع لم تنقرض؛ بل ظلت هناك محاولات جيدة كان من أبرزها «سيدني شيلدون» الذي وُصف بأنه عرّاب الرواية البوليسية في تلك الفترة.

إلى التسعينات حين كان مؤلف الأغاني «دان براون» يقرأ رواية لـ«سيدني شيلدون» فقرر تغيير مجرى حياته، والاتجاه إلى كتابة الرواية البوليسية، فأصدر ثلاث روايات، وهم الحصن الرقمي، وملائكة وشياطين، وحقيقة الخديعة.

لم تحقق الثلاث روايات نجاحًا يُذكر في البداية، إذ إنه لم يبع منهم غير حوالي 10 آلاف نسخة إلى أن جاء عام 2003 موعد إصدار روايته المشهورة شفرة دافنشي، والتي غيرت من مجرى مسيرته المهنية، ووضعته في مكانة واحد من أهم الكُتّاب تأثيرًا في العالم، فقد بيع من تلك الرواية أكثر من 100 مليون نسخة.

ولكن هل تعد روايات «دان براون» روايات بوليسية؟ في البداية يجب أن نعرف ما هي أعمدة الرواية البوليسية:

1- جريمة. 2- لغز. 3- محقق. 4- قاتل.

وإذا نظرنا إلى روايات «دان براون» فسنجد أن جميعها يبدأ بجريمة قتل مصاحبة بلغز يجب على البطل أن يحله، وكان يوجد قاتل، لكن الاختلاف هنا في شخصية المحقق، فالمحقق في الروايات البوليسية دائمًا ما يكون شرطيًّا، أو هاويًا مُلمًّا بعلوم الإجرام والطب الشرعي، ولكن في روايات «دان براون» كان البطل عبارة عن عالم «البروفيسور روبرت لانغدون» أستاذ التاريخ والرموز بجامعة هارفارد، وكان ذلك لنوعية الألغاز التي تعمدها «براون» في رواياته.

أعتقد أن ما يميز «دان براون» أنه يجول بالقارئ في المؤسسات الكبرى كالفاتيكان، ومؤسسات الأمن القومي الأمريكي، والمنظمات السرية كالماسونية، والصهيونية، والطبقة المستنيرة، ويأخذ القارئ زمنيًا في أزمنة أخرى كفترة الحروب الصليبية وفرسان الهيكل، وحتى عصرنا الحاضر بما فيه من تقنيات ما زالت مجهولة، وكان ذلك واضحًا في رواية حقيقة الخديعة والرمز المفقود، وهذا ما جعل لرواياته نكهة خاصة لم يعهدها الجمهور من قبل، الأمر الذي أدي بدوره إلى تحول ذلك النوع إلى مدرسة جديدة في الأدب البوليسي.

مع ظهور الصراع العربي الإسرائيلي فرض المجتمع الأدبي على الكُتّاب كتابة نوع من الروايات البوليسية هو أدب المخابرات، فظهرت روايات رجل المستحيل، والمغامرون الخمسة، وملف المستقبل، ومعظمها شمل الصراع ما بين أجهزة المخابرات المصرية والموساد وغيرها من أجهزة الأمن المعادية في تلك الفترة.

ولكن مفهوم الرواية البوليسية نفسه قد يكون خاليًا من أدبنا العربي، مع أن البيئة العربية مليئة بالنماذج في مجال الجريمة، والتي تنمي خيال الكُتّاب لمزاولة هذا النوع من الأدب.

بعض الباحثين يرجحون ندرة ذلك النوع في أدبنا العربي بسبب نظرة النقاد للرواية البوليسية، إذ يعدونها نوعًا من أدب التسلية، ولم ترتق لمستوى الأدب.

الشيء نفسه تقريبًا قد حدث في روسيا في الوقت الذي ازدهرت فيه الكتابة في إنجلترا في ذلك النوع من الأدب، كان النقاد الروس ينظرون إلى الأدب البوليسي نظرة رثة، مما أدى تقريبًا إلى اختفاء ذلك النوع من الأدب في تلك الفترة، ولكنه أصبح ذا قوة عندهم في الفترة الأخيرة.

أعتقد أنه ليس مطلوبًا من كاتب الرواية البوليسية أن يكون مهتمًا بتركيب الجمل وصياغتها بقدر ما هو مطالب بإظهار عنصر التشويق والحبكة في رواياته، ولكن وجد عدد من المحاولات الناجحة في كتابة الرواية البوليسية بمفهومها الإنجليزي، ولكن للأسف كُتّابها لم يستمروا في كتابة ذلك النوع من الأدب، ففي مصر كتب الكاتب الكبير فتحي غانم رواية من أين؟ والتي تشمل الصراع ما بين مباحث الأموال العامة وإحدى المنظمات التي تعمل في تهريب الأموال إلى الخارج.

أيضًا كان هناك الكاتب الإماراتي عبد الله الناوري عام 1978 كتب رواية عنق يبحث عن عقد.

في الفترة الأخيرة نجح بعض الكُتّاب من الشباب في نقل وضع الرواية البوليسية بشكل ممتاز، من وجهة نظري أعتقد أن المغرب من أفضل الدول التي قدمت كُتّابًا في مجال الرواية البوليسية، فنجد الكاتب أحمد عبد السلام البقالي، والكاتب إدريس الشرايبي، ولكن للأسف كانوا يكتبون باللغة الفرنسية.

لكن يعد الكاتبان المغربيان ميلودي حمدوشي وعبد الإله حمدوشي من أبرز من كتبوا، فكتبوا بالمشاركة روايتين، وهما الحوت الأعمى، والقديسة«جانجاه»، ولكن برز ميلودي بعد ذلك من خلال رواية أم طارق، وتمتاز كتابات ميلودي بأنها مرجع ومعرفة للعلوم الجنائية، لأنه يملك تقنيات الكتابة في ذلك المجال، وذلك من خلال عمله، فدائمًا ما يقول لو لم أكن شرطيًّا لما كتبت الروايات البوليسية.

وفي مصر سيطر أدب المخابرات بشكل كبير، ولكن كان هناك نماذج لبعض كُتّاب الروايات البوليسية، وإن لم يستمروا في ذلك.. من أبرزهم رواية مقتل فخر الدين لعز الدين شكري، ورواية ميس إيجيبت لسهير مصادفة.

في الأردن برعت الروائية سهام أمجد في رواياتها سر الجريمة الغامضة، وفي الجريمة شخص مفقود، واستخدمت حبكة بوليسية ممتازة ولغة سهلة في سرد الوقائع والأحداث.

وهناك بعض الكُتّاب أخذوا من سرد التحقيقات الجنائية، وطريقة عمل رجال التحري طريقة لكتابة الرواية البوليسية، مثل إبراهيم المرزوقي في الإمارات، وقدم روايتين وهما: فاليوم وموت رحيم، وتبدأ رواياته بقتل أو اختفاء، ثم يتبع ذلك بسرد مجريات التحقيقات وطريقة عمل رجال المباحث.

أيضًا في السعودية كانت رواية اغتيال صحافية للكاتبة فاطمة آل عمرو، والتي ظهرت فيها الجريمة الكاملة، وأيضًا الكاتب عبد الله الوصالي في روايته بمقدار سمك قدم، وقدّم أيضًا رواية المتاهة الرمادية، ولكن للأسف وضع الصراع فيها بين المنظمات الإجرامية خارج نطاق المنطقة، ولا أعرف لماذا لا يعتقد بعض الكُتاب أن المنطقة العربية تحتوي على ذلك النوع من المنظمات، في الوقت الذي أصبحت فيه المنطقة العربية ملعبًا لعدد كبير من منظمات الجريمة المنظمة؛ فظهرت منظمات تجارة الأعضاء البشرية، وغسيل الأموال، والمخدرات وغيرها.

كتبت ذلك المقال لوضع تصور للقارئ عن تطور الرواية البوليسية من البداية إلى النهاية، ولمراقبة وضع الرواية البوليسية في عالمنا العربي، أعتقد أن الأمر بالنسبة للكُتّاب الشباب هو مسألة وقت لإبراز مواهبهم في كتابة الرواية البوليسية، مع التمنيات من دور النشر بوضعهم في عين الاعتبار، وعدم الاكتفاء بترجمة الروايات العالمية فقط ؛ بل إن لهم دورًا كبيرًا في إبراز مواهب الشباب في ذلك النوع من الأدب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد