في ربيع عام ١٩١٩، اندلعت حرب بين اليونان ودولة الخلافة العثمانية كانت الأولى بقيادة ليوناسى باراسكي فوبولوس والثانية على رأسها “مصطفى كمال أتاتورك”، تبعًا لما تقوله الوثائق فقد انتهت تلك الحرب بتقسيم الدولة العثمانية، تلقت اليونان أمرًا باجتياح سميرنا (إزمير) من قبل الحلف الثلاثي كجزء من التقسيم. خلال هذه الحرب، انهارت الدولة العثمانية تمامًا، وقسمت أراضيها بين تحالف القوى المنتصرة وانتهت بالتوقيع على معاهدة سيفر في 10 آب سنة 1920.

بعد تلك الحرب صدحت وسائل إعلام الأناضول آنذاك بالنصر المؤزر الذي جلبه أتاتورك للبلاد في المعركة، بالرغم من عدم سقوط أي قتلى من الطرفين في حرب صورية أدت مبتغاها ببزوغ نجم أتاتورك.

بعدها اعتلى أتاتورك – وتعني أبو الأتراك-، عرش الدولة العثمانية معلنًا انتهاء الخلافة الإسلامية بشكل نهائي. لم يكن ذلك قراره الوحيد، إذ إنه وفي فترة وجيزة محي كل مظهر إسلامي بالبلاد، بداية من حذف ما يقر في الدستور التركي أنها دولة “دينها الإسلام” لتصبح دولة علمانية لا دين لها – حتى الآن-، كما ألغي العمل بالشريعة الإسلامية وطبق القانون الإيطالي والسويسري، ومُنعت النساء من ارتداء الحجاب، وألغيت لعدة سنوات رحلات الحج والعمرة.

في عهده أغلقت العديد من المساجد وتحول مسجد أيا صوفيا لكنيسة ثم مخزن وآل به الأمر في النهاية لمتحف، كما تحدى أتاتورك مبادئ الإسلام بشكل صريح بتحريم تعدد الزوجات وإباحة زواج المسلمة من غير المسلم وأقر المساواة بين المرأة والرجل في الميراث، بالإضافة لجعل إجازة المسلمين يوم الأحد مع المسيحيين بدلًا من الجمعة، كما ألغى التقويم الهجري ومنع المسلمين من ارتداء العمامة الإسلامية وأمر باستبدالها بالقبعة المسيحية.

أراد أتاتورك محو الثقافة الإسلامية نهائيًّا من البلاد فقام باستبدال الحروف العربية بأخرى لاتينية ومنع الآذان باللغة العربية كما ألغى منصب شيخ الإسلام – أو المفتي- وأعدم الكثير من علماء المسلمين آنذاك.

امتدت الإجراءات الأتاتوركية حتى طالت فلسطين نفسها، فقد سمح بتهجير أعداد كبيرة من يهود الأناضول لأرض فلسطين حتى وصلت نسبة اليهود من ٨٪ إلى ٣٢ ٪ من إجمالي سكان فلسطين بعد أن كانوا حوالي ٥ آلاف يهودي أيام السلطان عبد الحميد الثاني، تجاوزت أعدادهم ٥٠ ألف يهودي في عهد أتاتورك، بعض الوثائق تشير إلى أن في عام 1٩٢٥ فقط هاجر حوالي ٣٤ ألف يهودي.

جدير بالذكر أن أتاتورك ينتمي لفئة يهود الدونمة الذين قدموا من الأندلس ووافق السلطان سليمان القانوني على بقائهم بأرض الخلافة، كانوا يسرون اليهودية ويعلنون الإسلام، وقد أوصى أتاتورك بألا يدفن بمقابر المسلمين وألا يصلى عليه، جاء ذلك بعد أن أسقط منه اسمه “مصطفى” وأبقى على لقب “كمال أتاتورك”.

بإسقاط تلك الأحداث على الواقع المعاصر نجد تشابهًا كبيرًا يكاد يصل للتطابق بين ما فعله أتاتورك وما يفعله قائد الانقلاب بمصر، بداية مما أسموها “ثورة” يوليو التي قامت لتلميع الجنرال مرورًا بأعمال القتل والتنكيل بمن يحملون الفكر الإسلامي، ثم التعدي على حرمة المقدسات، وانتشار دعاوى خلع الحجاب وتأييدها من شيوخ السلطان، ووصولًا لإباحة البعض لإقامة العلاقات المحرمة للجنسين بدون زواج، وإغلاق المساجد بدعاوى الإرهاب الوهمية، وفتح الباب على مصراعيه أمام الحملات التبشيرية.

كل الممارسات تؤكد على تحولات جذرية في هوية مصر الثقافية والدينية، وكما كانت الخلافة هي حامية أراضيها ولم يستطع اليهود النيل من فلسطين إلا بعد إسقاطها، فإن موقع مصر الچيوبوليتيكي يجعل الأيادي العابثة تنال منها حتى تسقطها نهائيًّا من خريطة العالم السياسية ليتمكنوا تمامًا من فلسطين بعد القضاء على أي مقاومة قد تعترضهم.

أنا هنا لست لأثبت أن السيسي يهوديًّا من عدمه فهذا الأمر ليس بالأهمية، إنما أردت إثبات أن اللوبي الصهيوني العالمي يستخدم نفس السيناريو في صناعة الأباطرة لتمهيد السبل وتسهيل مرورهم لأهدافهم، لكن للأسف نحن أمة لا تتقن قراءة تاريخها لنتعلم من ماضيها فليس لنا أن نتوقع تبدل مستقبلنا للأفضل ولا سبيل للخروج من مأزقنا التاريخي إلا برسم استراتيجية معرفية تنقذ حاضرنا وتحمي مستقبلنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد