إن المؤمنَ دائمًا وأبدًا، ينظرُ في هذه الحياة الدنيا القصيرة، التافهة، بنور الله تعالى، فيرى ما لا يراه الآخرون. فهو يرى الخيرَ في أعماق الشر، وفي تلافيف الباطل، وفي أغوار المحن والمصائب، وفي صيحات الردى، وفي هجماتِ الأشرارِ والفجارِ، وفي ضجيجِ الموتورين والحاقدين، وفي همجية العنصريين، والقوميين، والترابيين، واللادينيين، وفي هرج ومرج العلمانيين، ذوي النفوس المريضة، الدنيئة، الموصولة مع الشيطان بحبل سري لا ينقطع، والمترعة بالشر، وذوي الصدور المتغيظة زفيرًا ولهيبًا حارقًا، على كل من يقول لا إله إلا الله، والحانقة على عباد الله الصالحين، والمستضعفين، وكل شيء له صلة بالله رب العالمين، والخاوية قلوبهم من أي لمسة إنسانية، أو أي أثر يدل على أنهم أناس مكرمون.

مواصفات المؤمن

إن المؤمنَ دائمًا وأبدًا، يُبصر ببصيرته الثاقبة النافذة، أشياءً لا يراها المغفلون، والجامدون عقليًّا، وفكريًّا. ويرى بعينه الواسعةِ، آفاقًا بعيدةً جدًّا، لأنه يقف على قمة هرم البشرية، فينظر إلى الأسفل، فيرى البشرية – إلا قليلًا منها – كالذر، يتصايحون، ويتهارجون، ويتضاغطون، ويتشاحنون، ويتقاتلون، ويتلاهون، ويتلاعبون! فيمتلئُ قلبُه، أسىً وحزنًا، على هكذا مخلوقاتٍ خلقها الله تعالى في أحسن تقويم، لتكون خليفةً له في الأرض، ولتعبده حق العبادة، كي تفوز بجنة عرضها السماوات والأرض، ولكنها تأبى وتستكبر، علوًّا وظلمًا.

فما يكون من المؤمنِ، إلا أن ينظر إليها نظرةَ شفقةٍ، ورثاءٍ، وعطفٍ، وحنانٍ، فيدفعه حبه لهذه البشرية المنكوبة، الضائعة، التائهة، إلى أن يبذل كل جهده، لإنقاذها من المرتع الوخمِ، وإخراجها من المستنقع الآسن الذي تتمرغ فيه، ورفعها إلى المستوى اللائق بالإنسان.

قدر الله بإنزال البلاء على أهل الشام

وقد كان قدرُ الله عظيمًا وحكيمًا، أن أنزل الله تعالى ابتلاءً كبيرًا، وهائلًا، وعظيمًا، بأهل الشام، فقد اختارهم واصطفاهم من دون شعوب الأرض قاطبةً، ليصبَ عليهم البلاءَ صبًّا، ويقذفهم بالمحن والمصائب قذفًا، ويُعرضهم إلى امتحاناتٍ تتزلزل لها الجبالُ الراسياتُ زلزالًا.

وما ذلك إلا لأنه يحبهم، كما ورد في الحديث الصحيح عن محمود بن لبيد الأنصاري «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ إذا أحبَّ قَومًا ابْتلاهُم، فمَن صَبَرَ فله الصَّبْرُ، ومَن جَزَعَ فله الجَزَعُ».

وإنه سبحانه وتعالى، وهو الحكيم الخبير، يريدُ أن يغربِلَهم، ويصفيهم، وينقيهم، ويُخرج منهم الجواهرَ، والدررَ، والمرجان، ويسحقَ، ويمحقَ الحثالاتِ. كما ورد في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو «كيف بكم بزمانٍ يوشِكُ أن يأتيَ يُغرْبَلُ الناسُ، فيه غربلةً، ويبقَى حُثالةٌ من الناسِ، قد مرَجَتْ عهودُهم، وأماناتُهم، واختلفوا وكانوا هكذا (وشبَّك بين أصابعِه)».

وهو بهذا إنما يريد أن يُعِدَهم للأيام القادمة الحاسمة. أيام الملحمة الكبرى – وليس فقط لتحرير سوريا، وتطهيرها من الأوغاد والأشرار-. كما ورد في الحديث الصحيح عن أبي الدرداء «يومُ الملْحَمَةِ الكُبْرى فُسطاطُ المسلمين بأرضٍ يُقالُ لها الغُوطةُ فيها مدينةٌ يُقالُ لها دِمشقُ خيرُ منازلِ المسلمين يومئذٍ».

وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، لا مفرَ منه، ولا مهربَ، فمن رضي فله الرضى، ومن سَخِطَ فله السُخطُ. وهكذا توالت أحداث الثورة طوال عقد ونيف، والمآسي، والأحزانُ تترى، دون توقف، ولو لسويعات قليلة.

ومنذ الأيام الأولى لخروج المهجرين من ديارهم، وأموالهم، ومزارعهم، مشردين، ونازحين في ديار الجوار القريب والبعيد، والذي كان من مقتضيات حقوق الجوار الفطرية الطبيعية، التي زرعها الله تعالى في قلوب عباده منذ خِلقَتهم، أن يُحسنوا استقبالهم، ويُضمدوا جِراحهم، ويُخففوا آلامهم، ويُواسوهم، ويُعزوهم، ويُهدئوا من روعهم، ويُطَيِبوا نفوسهم – كما كانوا هم يفعلون من قبل، مع من كان يلجأ إليهم طوال القرن الماضي، فلم يصدوا مهاجرًا واحدًا، حتى ولو كان من غير دينهم.

ولكن الزمانَ تغيرَ، ونفوسُ البشر – وخاصة العلمانيين المارقين، والعنصريين الآبقين، والقبليين الجاهليين المتعصبين، واللادينيين الحاقدين – تحورت، وانتكست. وقلوبُهم تحجرت، وعقولُهم طاشت، وأفئدتُهم اسودت واكفهرت، وصدورُهم أُشربت تغيظًا وزفيرًا، وأصبحت تغلي كالمرجل، ينفث السموم والأبخرة الملوثة في كل مكان.

وهكذا تعرض هؤلاء المستضعفون، المشردون، النازحون، إلى التنكيل بهم، والتضييق عليهم في أرزاقهم، ومحاصرتهم، والاعتداء عليهم، وقتلهم، وسفك دمائهم، سواءً على الحدود، أو في داخل بلاد المهجر.

وتزداد في الأيام الأخيرة حملةٌ جهنميةٌ، شرسةٌ، عنصريةٌ، قوميةٌ، متطرفةٌ، هوجاء طاحنة، تريد أن تقتلع جذورهم، وتنسفهم في اليم نسفًا، ولا تُبقي منهم، ولا تَدعُ، ولا تَذَرُ على أرض المهجر منهم أحدًا.

فوائدُ ومنافعُ الهجمة الشرسة على المهجرين

فهل – يا ترى – لهذه الهجمةِ المسعورةِ، منْ فوائدَ ومنافعَ لبني قومي؟!

نعم – حسب النظرة الإيمانية العميقة – ثمةَ فوائدُ جليلةٌ وكبيرةٌ، يمكن أن نستشفها، ونراها بالعين البصيرة كما يلي:

1- تمزقُ وتضعضعُ صفوف العنصريين، والمتطرفين المطالبين بطرد المهجرين، وإيقاع الخُلف والتنازع بينهم، لأنهم ليسوا كلهم سواءً في الشرِ، فبعضهم أشرُ من بعض، وبعضُهم ينتقد البعض الآخر الأشد تطرفاً وعنصرية، فيوقع الله بينهم العداوة والبغضاء، ويشتت شملهم.

2- استثارة حمية، وشهامة الناس العاديين، الطيبين، الراضين بوجود المهجرين بين صفوفهم، وتأجج جذوة الإيمان في قلوبهم، وكراهيتهم وحنقهم على هذه التصرفات المقيتة لأبناء بلدهم المتعصبين، ووقوفهم إلى جانب المهجرين، ودعمهم وتأييدهم، والدفاع عنهم.

3- تمايز صفوف أهل بلاد المهجر، بين مؤمن وكافر، وبين إنسان كريم خلوق، وإنسان شرير، حقود، حسود. وترسيخ الحقيقة الثابتة في نفوس الطيبين، على أن هؤلاء العنصريين، لا يكيدون، ولا يكرهون المهجرين، لذواتهم، ولكنهم يكرهونهم، لأن لهم ارتباطًا بالإسلام – ولو كان شكليًّا – إذ لو كان المهجرون، على ملتهم، ودينهم، لما طالبوا بطردهم، وأن أهل المهجر أنفسهم، يمكن أن يتعرضوا للمصير نفسه، الذي يتعرض له المهجرون في يوم ما.

4- استدعاء المهجرين للقيام بمراجعة أوضاعهم، وأحوالهم، وليتبينوا أنه لا أمان لهم في بلاد المهجر، ولا ضمان، وإن قدم البعضُ تطميناتٍ، ووعودٍ، وعهودٍ، بالمحافظة عليهم، وعدم إخراجهم. فما لهذه – من خلال تجربة 10 سنوات – من أثر عملي، وواقعي، لأن هؤلاء ضعفاء، بالرغم من أنهم طيبون، ومتعاطفون مع المهجرين، ولكنهم لا يقوون على مقاومة الضغوط الثقيلة، الرهيبة، الصادرة من العنصريين. فهؤلاء أقوى، وأشد بأسًا، وأشد ضراوة، وهمجية، ولا يقدرون الآخرين ولا يُعبرونهم، ويستمدون قوتهم، من معلمهم الأكبر، الذي وإن مات منذ أمد بعيد، فإن تعليماته، وأفكاره، وخيالاته، وصوره، ترفرف في كل مكان، واسمه مقدس بالدستور، لا يتجرأ أي مخلوق على أن يمسه بسوء.

5- استدعاء التفكير، جديًّا، وعمليًّا لدى المهجرين، للبحث عن حلول عملية، وواقعية، للخروج من هذه الدوامة العصيبة، وهذه الأزمة المستعصية منذ ما يزيد على العقد من الزمان، وترسيخ فكرة حاسمة مقطوع بها، ومبتوت بها منذ مولد البشرية، أن لا أمان، ولا استقرار للإنسان، إلا في بلده الذي وُلدَ على أرضه، ونشأ وترعرع بين جنباته، إلا بلدًا له مقومات عقيدية، يحتضنه، ويدافع عنه، ويحميه، ويمنع عنه الأذى، بقوة العقيدة التي يتبناها، كما يفعل لأبناء بلده الأصليين. وهذا – مع كل أسف – غير موجود حاليًا على وجه الكرة الأرضية.

6- من المتوقع، أن يبدأ العاقلون، والواعون، والصالحون، والطيبون، والخيرون من المهجرين، للانخراط في صفوف تجمع السوريين الأحرار لبدء عملية تحرير سوريا.

الخلاصة المخلصة

يا بني قومي! والله إني لكم ناصح أمين، ولدي رؤية بعيدة، ونظرة ثاقبة تخترق السحب، والفضاء، وقدرة على تحليل الأحداث، وتشريح الوقائع، قد لا يُدانيه إلا القليل من المفكرين، وهذا ليس من شطارتي، ولا مهارتي، وإنما هو من فضل الله، يمن به على من يشاء.

ومن أجل ذلك، أقول: إن مُقامكم في بلاد المهجر، ولا أخص بلدًا معينًا، وإنما أتكلم عن جميع بلدان المهجر قاطبة، العربية منها، والأعجمية، وبلاد بني الأصفر، وبلاد رعاة البقر، أو بلاد عباد البقر. ليس لكم فيها أمان، ولا سلام، ولا استقرار، ولا راحة، ولا طمأنينة، ولا ضمان، أن تبقوا فيها مدى الحياة.

ولا يغرنكم قول المحبين لكم، والمتعاطفين معكم، من بعضها. فهم صادقون إلى حد كبير في وقوفهم إلى جانبكم، وتأييدكم، ولكنهم مثلكم ضعفاء، لا يملكون من أمرهم شيئًا، بل هم أنفسهم قد يتعرضون في المستقبل، إلى المصير نفسه، لأن شوكة العلمانيين، والمتطرفين، والعنصريين، تشتد يومًا بعد يوم في جميع بلدان المهجر، وما حوادث قتل بعض المهجرين، التي تحدث بشكل شبه يومي، عنكم ببعيدة، لمن كان له قلب، أو ألقى السمع، وهو شهيد.

الخلاص الوحيد

إن خلاصكم الوحيد، والأوحد من عجرفة، وغطرسة العنصريين، ومن الحقد الأسود للمتطرفين، ومن هيمنتهم عليكم في يوم ما، وطردكم بين عشية وضحاها، بالجرافات هو:

أن تبدأوا حالًا، وعاجلًا، بالعمل الجدي الفعلي، على تحرير أرضكم، أرض الشام المباركة، بأيديكم، وأسنانكم، وأظافركم، وما تملكونه من أسلحة – وليس بالتنظير، ولا الحوارات الفارغة، ولا الخطب الرنانة- فإن صدقتم الله في الجهاد، فسيصدقكم وعده، ويمن عليكم بالفرج، إن الله لا يخلفُ الميعاد.

ولكم الخيار، إما أن تعيشوا أحرارًا أسيادًا، وإما أن تموتوا أذلاء، صاغرين، مهانين، منسيين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد