لو عدنا للقمة العربية في بيروت عام 2002 ومشروع الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز في اتفاق السلام مع إسرائيل والدول العربية، والتي كانت بنوده الانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة والرجوع إلى حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، وتأسيس دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية بالإضافة للانسحاب من الجولان السوري، وجنوب لبنان المحتلين، مقابل انفتاح دول القمة العربية مع إسرائيل وتطبيع العلاقات معها، لكن هذه المحاولة لم تنجح حينها بسبب بعض الخلافات بين دول القمة.

في العقود الخمسة الأخيرة لم تشهد الساحة العربية أي اتفاق عربي – إسرائيلي سوى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 26 مارس (أذار) عام 1979 في واشنطن والتي وقعها الرئيس المصري أنور السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن بحضور رئيس الولايات المتحدة آنذاك جيمي كارتر وكذلك اتفاقية أوسلو بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993 والتي نجم عنها الاعتراف المتبادل بين الطرفين، اتفاق السلام الأردني – الإسرائيلي عام 1994 والتي شملت احترام السيادة وترسيم الحدود والتمثيل الدبلوماسي وفتح القنصليات والعلاقات التجارية والاقتصادية، وقرار مجلس الأمن بحل النزاع الإسرائيلي اللبناني عام 2006، لكن كل هذا لم يفرز دولة فلسطينية مستقلة ولم يحقق السلام العربي – الإسرائيلي المزعوم.

خلال السنوات الثلاث الأخيرة كان هنالك تقارب عربي – إسرائيلي بشكل كبير شملت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لسلطنة عُمان، أما بقية الدول فكانت بصورة غير مباشرة، لكن سرعان ما تطورت الأحداث، خاصة بعد صعود الأمير محمد بن سلمان، وكذلك محمد بن زايد، وتصدرهم المشهد العربي والخليجي إلى أن أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم عن اتفاق أمريكي إسرائيلي إماراتي على «تجميد ضم أراضي فلسطينية جديدة لإسرائيل» مقابل التطبيع العلني مع إسرائيل.

كلنا نعلم بأن فتح أية دولة علاقاتها مع دولة ثانية يكون بشكل تدريجي وتمثيل دبلوماسي فقط، لكن ما سيحدث بين الإمارات وإسرائيل يشمل فتح العلاقات الثنائية، وفتح السفارات، والتمثيل الدبلوماسي، والطيران الجوي، والعلاقات التجارية والسياحية.

بعد هذا الإعلان تكون الإمارات قد اعترفت رسميًا بـ«دولة إسرائيل»، والكثير من الدول الموالية للتطبيق مع إسرائيل رحبت بهذه الخطوة، وكذلك رحب بها عرّاب الاتفاق كوشنر الذي وصفه «بالاتفاق التأريخي، والذي سيغير مجريات الشرق الأوسط»، بالإضافة إلى أنه سيصبح بالإمكان لأي مسلم في العالم المجيء والصلاة في المسجد الأقصى.

بينما رفضت بعض الدول هذا التطبيع واعتبرته خيانة للقضية الفلسطينية والاعتراف بدولة الاحتلال، كالحكومة الفلسطينية وتركيا.

فلو عدنا للتاريخ وتابعنا الوعود الإسرائيلية لشاهدنا بأن كل ما قالته إسرائيل لم يطبّق لصالح القضية الفلسطينية، بل لصالحها في توسيع الاحتلال، وضم أراض جديدة، والآن من الصعب أن تلتزم إسرائيل بتجميد ضم أراض جديدة لها، فلو تابعنا تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي من عام 1948، وإلى الآن فمتى التزمت إسرائيل بالوعود والاتفاقات!

أثناء متابعتي للإعلام الموالي للتطبيع بعد إعلان الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي رأيت بأن الإعلام يصوّر الإمارات على أنها صاحبة الفضل على القضية الفلسطينية، وأنها حالت دون ضم إسرائيل لأراض جديدة لصالحها، وكان هذا واضحًا على لسان وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، فمتى كانت الخيانة فضلًا!

وإذا ما جئنا لابعاد هذا الاتفاق فإنه سيكون بمثابة البوابة العربية للتطبيع العلني مع إسرائيل، لذلك ليس من الغريب أن نرى بعد سنوات قليلة أو أشهر دولًا عربية تحذو حذو الإمارات وتتعامل مع إسرائيل حالها كحال أية دولة في العالم، فمن ستكون الدولة العربية الثانية التي ستنظم للإمارات، وتُطبّع علاقتها رسميًا مع إسرائيل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد