ما زال الليل يخيّم على الشعوب العربية والإسلامية، وما زالت تغطّ في سبات عميق، أمّا بوادر الفجر ومحاولات الخلاص، فلا تعدو كونها نورَ نجمٍ شاحبًا متسللًا، لا يصنع مجدًا ولا كرامة، ولا يسطّر تاريخًا مشرقًا، إذّ إنّ من يسهر على صناعة الظلام الهادئ، والأجواء المناسبة لاستمرارية حالة النوم العام، ما يلبث أنْ يرى خيط النور الشاحب هذا، حتّى يطفئه بسياطه سريعًا، خشية أنْ يكون مقدمة لانبلاج فجرٍ جديد، يقدح شرارة التجديد، ويرسم ملامح مرحلةٍ جديدة، ورسالة تاريخية مشرّفة.

وقد تتأثر هذه الشعوب النائمة بحالة من الثوران الموسميّ، الذي يرسي قواعده الهشّة على أرضيّة من العواطف، والتي سرعان ما تهدأ وتعود لوضع الاستقرار العام، إذّ إنّ حالة الثوران التي لا تنبني على أرضيّة صلبة من الأفكار والعقائد، ذات الهدف الواضح المؤسس لمعالم الطريق، مكتوبٌ عليها – بحكم سنّة التاريخ – أن تموت سريعًا.

لا تحتاج هذه الأمّة لعددٍ من الشعارات الجوفاء، ولا إلى صيحات فردية هنا وهناك، لا تستقر في الضمائر أو العقول، فإنّ هذا جزءٌ من المشكلة وليس جزءًا من الحلّ، وإنّما تحتاج هذه الأمّة إلى نهضةٍ فكرية وأخلاقية شاملة، تستقر على أرضيّة صلبة ودعائم متينة، تمتلك عناصر الاستمرار والبقاء، تشقّ بمحراثها القلوب فتحييها بعد موات، وتخلق حالة اجتماعية جديدة.

إنّ المشكلة الكبرى لا تكمن في حكومات ديكتاتوريّة أو استبدادية – وإن كانت جزءًا من المشكلة -، لكنّ الحكومات، كمّا عبّر مالك بن نبي، ليست إلّا آلة تتبع الوسط الاجتماعيّ العام، وتتكيف معه، وتدور في فلكه، إذّ إنّ الوسط إنْ كان حرًّا نظيفًا، فما تستطيع الحكومة أنْ تواجهه بما ليس فيه، أمّا إذا كان الوسط متسمًا بالقابلية للاستعباد والتسلّط، فإنّه لا بدّ أنْ تكون الحكومات كذلك.

والفكرة ذاتها عبّر عنها المفكر الشهيد سيّد قطب عندما قال: (وما الطاغية إلّا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطانًا. إنما هي الجماهير الغافلة الذلول، تمطي له ظهرها فيركب! وتمد له أعناقها فيجر! وتحني له رؤوسها فيستعلي، وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى.

والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة، وخائفة من جهة أخرى، وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم، فالطاغية – وهو فرد – لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين، لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها).

ولذلك؛ فإننا لسنا بحاجة للشعارات الهلامية، والخطابات الرنانة، التي لا تلقى في النفوس أثرًا ولا صدى، ولسنا بحاجة إلى حالة ثوران موسمية تحت تأثير حقنة عواطف سرعان ما تخفّ وطأتها، وإنما نحن بحاجة إلى الوقوف طويلًا أمام هذه الظاهرة الاجتماعية التي تربط بين تغيير النفوس، ومن ثمّ التغيير الحتمي للظاهرة السياسية بأسرها، والتي عبّر عنّها الكاتب الاجتماعي بورك بقوله: (إنّ الدولة التي لا تملك الوسائل لمسايرة التغيرات الاجتماعية، لا تستطيع أن تحتفظ ببقائها).

إننا بحاجة إلى تغيير نفسيّ شامل، يؤهل الفرد ويربيه على أنْ لا يخضع لذلّ مستذل، وينفض عن روحه غبار القابلية للتسلط. تغيير نفسيّ يسمو بكرامة الفرد وإنسانيته، ويصبح الفرد معه قادرًا على القيام بوظيفة اجتماعية، ورسالة تاريخية.

إنّ هذا التغيير النفسي الشامل، وهذه النهضة الفكرية والأخلاقية التي تسمو بالروح الإنسانية وتربيها، وتعرّفها قدرها، قد تحتاج مدّة زمنية ليست بالقصيرة، ولكنّها عند مهبّ الريح، تمتلك مقوّمات البقاء في الميدان حتّى تحقيق المراد، إذّ إنّ الهدف واضح، ومعالم الطريق معروفة، وليست حالة عاطفية تخبط في التيه بلا دليل، لا تؤتي أُكلًا ولا ثمارًا، سرعان ما تهدأ وطأتها.

أرجو أن لا يُفهم مما سبق أنّه مجرّد إلقاء لومٍ في رقابِ الخلائق، وغضّ طرفٍ عن جرائم الطغاة، كما كان – وما زال – يفعل زمرة المتملّقين والمتسلقين، كلّا، وإنّما هي لمحة من ملامح النهوض، وشارةٌ من شارات الخلاص، يجب أنّ تتوجه الأنظار إليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تغيير, ثورة, ظلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد