ملابس الإمبراطور الجديدة!

قصة في تراث الكثير من الشعوب وبعناوين وبعض التفاصيل المختلفة، إلا أن العبرة واحدة! تقول القصة إنه كان هناك إمبراطور مهووس بالملابس والألوان بحيث يقضي معظم يومه يلبس ويجول في المدينة ليُري جمال ملابسه وروعة ألوانها. وفي يوم من الأيام قرر محتالان استغلال حب الإمبراطور للملابس الغريبة والألوان الزاهية فدخلا مدينته على أنهما حائكان (نساجان). وأشاعا في مدينة الإمبراطور أنهما قادران على نسج أروع الملابس من أجمل الأقمشة وأزهى الألوان التي يمكن تخيلها، إضافة إلى ميزة جديدة لم يسمع بها أحد من قبل وهي أن قماشهم والملابس المصنوعة منه لا يراها من كان غبيًا أو غير كفؤ لوظيفته ومهمته!

سمع الإمبراطور بهذه الأخبار فذهب إلى النساجين وطلب منهما تفصيل ثوب إمبراطوري! وعندما طلب رؤية القماش – وكان يظن أنه سيرى القماش لأنه ذكي وكفؤ – زعم النساجان وكأنهما يمدان القماش ليراه الإمبراطور، ولكنه لم ير شيئًا، وظن أنه غبي وغير كفؤ وسيفقد منصبه إن قال إنه لم ير القماش. لذلك أثنى على القماش وألوانه وأعطاهم المجوهرات والذهب والمال. وأخذ يرسل بعض مستشاريه لتفقد صناعة الثوب، فيأتون ولا يشاهدون شيئًا سوى حركات أيادي النساجين بلا قماش، ولكن لا يجرؤون على قول الحقيقة كي لا يكونوا أغبياء فيطردون من مناصبهم. وكان المحتالان يطلبان المزيد من المال كلما زارهما أحد من طرف الإمبراطور.

ولما اقترب موعد لبس الإمبراطور للثوب في المهرجان الإمبراطوري الحاشد، حضر الإمبراطور وألقى كل ملابسه، وبدأ النساجان يلبسانه الثوب بحركات تمثيلية. ركب الإمبراطور عربته وسار في الموكب الإمبراطوري وأعرب كل الأعيان والشعب عن إعجابهم بهذا الثوب العظيم دون أن يروه ليستروا غباءهم – كما فهموا! – ولكن أحد الأطفال صرخ: «ولكن الإمبراطور لا يلبس شيئًا!» وهنا كرر الجميع: «إنه لا يلبس شيئًا!» وسمع الإمبراطور وعرف أنه وقع ضحية لمحتالين، إلا أن وقت التراجع قد فات ولا فائدة منه، فقرر المضي في الموكب وهو بلا ثياب تستره!

وما النساجان أو «الخياطان» المحتالان إلا الإعلام الحديث بكل أشكاله المقروءة والمرئية والمسموعة، إضافة للإنترنت، فإما أن نصدق ما يقول وإلا فنحن إما أعداء للوطن والديمقراطية أو إرهابيون أو شيوعيون أو… حسب كل دولة ومصلحة السلطة فيها! ولذلك فإن كانت الدعارة هي المهنة الأقدم في التاريخ، فإن الإعلام اليوم هو المهنة الأقذر في العالم وربما في التاريخ أيضًا! فلا إنجازات على أرض الواقع – مثل ملابس الإمبراطور الجديدة – ولكن الشعب يراها لدفع تهمة الإرهاب والتواطؤ مع أعداء الوطن ولتجنب الاضطهاد في كثير من الدول! وهذا النهج ليس في الوطن العربي بل حتى في الديمقراطيات الغربية «العريقة»!

الإعلام الغربي ودور النساجَيْن

يقول عالم السياسة الأمريكي السابق في جامعة هارفارد بول ويفر Paul H. Weaver: «وأصبح الصحفيون والسياسيون متورطين في شبكة تكافلية من الأكاذيب التي تضلل الجمهور». فدور الإعلاميين إذن هو التضليل لإقناع الناس في أمريكا أنهم يعيشون «الحلم الأمريكي» وفي المدينة الفاضلة «Utopia» في البلاد الغربية الأخرى، بالرغم من معدلات الفقر والبطالة العالية. إلا أن الإعلام لا يظهر إلا ما يوحي برفاهية الدولة وشعبها كعرض صور الناس وهم يتسوقون في «المولات» الفخمة ودور السينما وطوابيرهم لشراء أجهزة الهاتف الحديثة وطعام الحيوانات الأليفة كالكلاب والقطط ومقابلات الشخصيات العامة كالفنانين ونجوم الرياضة وعروض تلفزيون الواقع، وأوبرا وينفري المثال الحي! وينقل الإعلام كل هذه المظاهر على أنها إنجازات النظام الديمقراطي وجو الحرية ليغطي حقيقة معاناة الناس من التأمين الصحي والديون والبطالة! ونتيجة لهذه البروباغاندا فإن معظم الناس في العالم يمنون النفس بالحصول على إقامة في تلك الدول الغربية أو الحصول على جنسيتها!

وهذا جون سوينتون (John Swinton (1829-1901 الصحفي الأمريكي البارز ورئيس تحرير نيويورك تايمز من 1860 إلى 1869، يقول في مأدبة صحفية مع جمع من زملائه عام 1880: «نحن عاهرات فكرية». والمعنى واضح، فالصحفيون والإعلاميون على استعداد لبيع شرف المهنة! وهذه وسائل الإعلام تجود علينا بما لا يدع مجالًا للشك بأخبار شراء المستبدين من كل القارات لذمم الإعلام الغربي ومراكز الأبحاث Think Tanks في أمريكا وأوروبا التي من المفروض أن تكون في قمة المصداقية، لتبييض صفحة المستبدين في هذه الدولة وتلك ونشر أخبار «إنجازاتهم» التي تفوق كل التوقعات، وكأن سوينتون يتحدث عن هذه الأيام!

أما الطبيب العام والكاتب الذي كتب أكثر من مئة كتاب الدكتور فيرنون كولمان (Vernon Coleman (1946 فقد قال: «إن هدف وسائل الإعلام هو التضليل، والتلاعب وتخويف الناس». فلنتذكر وسائل الإعلام الأمريكية التي تلاعبت بخبث إعلامي رهيب بهجمات 11/9/2001، التي قامت بها الموساد والـCIA، بقصد تضليل الشعب الأمريكي وتخويفه من الإرهاب ليقبل بقانون «الباتريوت أكت» Patriot Act الذي سنته الإدارة الأمريكية بعد هجمات 11/9/2001 مباشرة، وبموجبه يحق للأجهزة الأمنية دخول بيت أي مواطن أمريكي وتفتيشه سواء كان مسكونًا أم غير مسكون، مثلهم مثل كل الطغاة في كل زمان ومكان!

لقد نجحوا بإقناع الناس أنهم مستهدفون من قبل الإرهاب ليمرروا أجندتهم، فمعظم الناس يرون أن المسلمين إرهابيون! مع أن فيرنون كولمان يقول إنه باستثناء التقارير الإخبارية المكتوبة newsletters وبعض الناشرين الصغار فلا توجد صحافة حرة في أمريكا وبريطانيا! وهذا الصحفي الأمريكي (Walter Lippmann (1889-1974 يقول: «الأخبار والحقيقة ليسوا سواء». كما لم يعد المستبدون بحاجة لقتل الصحفيين كما كانوا يفعلون في الماضي حسب فيرنون كولمان، بل أصبحوا «يشترونهم»! ويضيف كولمان: «سلم الصحفيون أنفسهم مقابل المال والشهرة والتكريم… صحفيو اليوم عبيد، ضعفاء وطماعون. ويرتشون بسهولة». صحفيو الغرب – الذين من المفروض أن يدافعوا عن حريتنا كما يقول كولمان – يجب أن يتحدثوا دائمًا عن الإرهاب وعن الحاجة للتقدم.

وللتأكيد على ممارسة «الدعارة» الإعلامية هذه شهادات كبار الكتاب وعلى رأسهم وليام بلوم William Blum الكاتب والمؤرخ الأمريكي حيث يقول: «هل يستطيع أي شخص أن يسمي صحيفة أمريكية يومية تعارض بلا لبس السياسة الخارجية الأمريكية؟» أما مارك توين الصحفي الشهير فيقول: «إن لم تقرأ الجريدة فليس لديك معلومات، وإن قرأتها فأنت مُضلّل». الإعلام الغربي يتحدث عن ملابس الإمبراطور بألوانها الرائعة غير الموجودة أصلًا وللتغطية على الوضع الحقيقي للبلد!

الإعلام العربي

أما في بلاد العرب فنخبة السلطة والمال تملك ما فوق الأرض وما تحتها، فكما تملك وسائل الإعلام الحكومية تملك أيضًا وسائل الإعلام الخاصة، والتي لا تملكها اشترت أصحابها من الصحفيين والإعلاميين! هل تريد نخبة السلطة والمال دينًا جديدًا؟ لا مانع أبدًا فالصحافيون والإعلاميون – النساجون – ومسوخ المشايخ، الذين تحولوا «بقدرة» الدولار إلى إعلاميين ماهرين، مستعدون لتفصيل دين جديد متسامح مع من اغتصبوا الأرض والعرض، وتلميعه كي يلائم «التطور» الحاصل والتصور الأمريكي للدين. كما أن الهجوم على الدين وتراث الوطن والأمة ونعتهما بالتشدد والتخلف مكافأته كبيرة جدًا، فما عليك سوى بضع كلمات مثل الإسلام في البلد الفلاني «زبالة»! وعندها سيمسك بذراعك المسؤول الأول في البلد والباقي يمكن تخمينه! والقول إن الإسلام قد أخّر التنمية والتقدم العلمي سيطلق لسانك في كل المواضيع حتى لو اتهمت حرائر بلدك بالرذيلة!

ويؤكد الصحافيون والإعلاميون العرب – الذين يقومون بدور النساجين – كلام جون سوينتون أن «عمل الصحفيين هو تدمير الحقيقة»، ويتابع «نحن الأدوات والخدم للأثرياء خلف الكواليس. نحن الدمى المتحركة، فقط يسحبون الخيوط ونحن نرقص!». فهو لم يتحدث عن الصحافة الأمريكية التي يدافع عن مصداقيتها وحيادها أوغاد العرب فحسب، بل عن الصحافة والإعلام في الوطن العربي عمومًا والخليج ومصر بشكل خاص! ومن يعمل بهذه المؤسسات الصحفية والإعلامية إلا «العاهرات الفكرية» كما قال سوينتون، فتراجع العملة أكثر من 200% يكون إنجازًا لصالح المواطن، وربما يكون ارتفاع أسعار الخدمات والمواد الأساسية بنسبة مماثلة عقوبة إلهية لا دخل للنظام بها! وإن كان في بلادنا العربية تجد رئيس التحرير وربما عميد الصحافة في بلده يكتب همزة على أل التعريف، ويكتب التاء المربوطة هاء! لا يهم، المهم أن يقوم بالتضليل ويرينا «ملابس الإمبراطور الجديدة» ليفوز بالملايين على حساب خداع الشعب والأمة!

الخاتمة

وللأمانة فإن خدعة «ملابس الإمبراطور الجديدة» لا تنطلي على الكثير من أفراد أمتنا، فلديهم فطنة وشجاعة الطفل الذي لم ير تلك الملابس على الإمبراطور في موكبه، إلا أن التصريح قد يكون صعبًا! عكس الغربيين الذين لا يترك لهم الإعلام فرصة التفكير نظرًا لضخ البروباغاندا الهائل على مدار الساعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد