الشاب الذي يلبس بنطالًا ممزّقًا، لم يختر أن يلبس بنطالًا ممزّقًا، لا تسئ به الظن؛ فهو ليس أقل ذكاء منك، ويعرف جيّدًا مثلما تعرف أنت أن الشروخ والرقع ليست معيارًا لاختيار الملابس، ولذلك فهو لا يختار ما يلبس من أجل الشروخ والرقع بطبيعة الحال، كل ما في الأمر أنه اختار ما هو موجود في المحلات، أو ما هو مساير للموضة كما يقال، أو ما يلبسه الناس في هذه الأيام ببساطة، وهو ليس متمرّدًا أيضًا، لا تحسب أنه متمرّد لمجرد أنه يلبس ذلك النوع؛ لأنه على عكس ما يمكن أن تعتقد شخص اجتماعي جدًّا بالمعنى القهري للاجتماعية والخضوع لسلطة الجماعة، فهو يختار لباسه الذي يمشي به بين الناس، بحسب ما يلبسه الناس أو أقرانه من الناس على الأقل.

والفتاة التي ترتدي تنورة قصيرة لا تريد أن تظهر لك سيقانها، إنها أنثى ولا ينقصها الحدّ الأدنى من الحياء الذي يمنع أي أنثى، في الحالات الطبيعية، من أن تفكّر بهذه الطريقة، فلا تسئ بها الظن ولا تؤذها فهي تتأذى من النظرات، ومن التحرّش، والمعاكسات مثلما تتأذى أي فتاة، ولا ترحّب بها مثلما قد يعتقد البعض لمجرد أنها تلبس نوعًا ما من الثياب، لأنها لم تختر ما تلبسه من أجل أنه قصير أو ضيق، بل اختارت اللباس الذي وجدته في المحلات والذي تراه جميلًا أو مسايرًا للموضة، أو ببساطة لأن هذا ما تلبسه قريناتها من الناس في هذه الأيام.

ولنذهب أبعد من ذلك، فإننا جميعًا شبابًا وفتيات وكهولًا، لا نختار ما نلبس بالمعنى الحقيقي للاختيار، نعم إننا نذهب إلى المحلات التي نشاء بمحض إرادتنا، ونقضي الساعات الطوال في التجوّل بين الرفوف قبل اقتناء ما يعجبنا من الثياب، لكننا لسنا من نختار ما نلبس في الحقيقة، لأننا نلبس ما هو موجود في المحلات، وما يساير الموضة، وما يلبسه الناس في بلداننا أو في بلدان أخرى، وكل ما سبق يحدّده ويختاره أشخاص آخرون، وهؤلاء الآخرون ليسوا من نلبس ما يلبسونه بدافع من طبيعتنا الاجتماعية، التي تفرض علينا الامتثال لمعايير الجماعة التي ننتمي إليها؛ لأن الجماعة التي ننتمي إليها ما هي إلا مجموعة من الأفراد الذين هم مثلنا لا يختارون ما يلبسون، أما أصحاب القرار الحقيقيون عندما يتعلق الأمر بخزانة ملابسنا، فهي شركات الملابس العالمية التي تبتكر الموضة وتصمّم الألبسة، أو بعبارة أكثر صراحة: تختار لنا ما نلبس.

هل تذكرون تلك القصة الدنماركية التي تحوّلت إلى أعمال مسرحية وكرتونية، عن الملك الذي احتال عليه خيّاطون مزيّفون عندما أوهموه بأنهم سيصنعون له ثوبًا فائق الجمال، لكنه غير قابل للرؤية لجميع الناس بدعوى أن الحمقى لا يمكنهم أن يروا هذا الثوب الجميل، ولا أن يتمتعوا بجماله ليعبّروا عن افتتانهم به وبروعته، فيخرج الملك الذي دفع أموالًا طائلة مقابل الثوب الذي لا يراه الحمقى، في موكب احتفالي حاشد أمام شعبه وهو لا يرتدي شيئًا على بدنه، ولا يجرؤ أحد على مجرد التفكير بأن الملك يمشي بين الناس «عاريًا» بما في ذلك الملك «العاري» نفسه؛ لأن ذلك كان يعني أنه أحمق، حسب ما روّج له الخيّاطون المحتالون، إلا طفل صغير شقيّ، كان بين الجموع، فصرخ بالحقيقة كما يراها: «الملك يمشي عاريًا»، هذه القصة تشبه قصتنا مع شركات الملابس العالمية بعض الشبه، فهم مثل أولئك الخياطّون المحتالون، ونحن زبائنهم مثل ذلك الملك، ألا يقولون إن الزبون ملك؟! إنهم يعاملوننا مثل الملوك، ولكن بشكل مختلف، لا يشبه شكل الملك الذي يخدمونه ويسعون لنيل رضاه عن بضاعتهم، ولكن شكل الملك الذي يخرجونه «عاريًا» إلى الشارع وهو يظن أنه يرتدي لباسًا جميلًا وراقيًا يعجب الناس، وهم يفعلون ذلك بابتداعهم لمعايير جديدة للجمال، ليس من أجل الجمال ولا من أجل «الزبون الملك»، ولكن من أجل عوائدهم المالية في سوق ضخمة تتجاوز قيمته عشرات المليارات من الدولارات سنويًّا.

إن نوايانا حسنة، نحن معشر زبائن الموضة وآخر صيحات شركات الألبسة، فالملابس «الغريبة» التي نلبسها ونمشي بها بين الناس، بعد أن ندفع مقابلها ما ندفع على الرغم من مخالفتها لقناعاتنا ومبادئنا، ولمعايير الجمال الطبيعية غير المعدّلة صناعيًّا، لم نختر اقتناءها وارتداءها بنية سيئة، فما من أحد منا يحبّ أن يمشي بثياب ممزّقة، ولكن ذلك لا يمنع من أن يتحرر فينا ذلك الصوت المشاكس والبريء في الوقت نفسه لفطرتنا الآدمية، ليدوّي عاليًا وسط ضوضاء الموضة وصرعاتها بالحقيقة كما هي: «الملك يمشي عاريًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد