النصف قرن الأخير ظهر فيه إنسان الأجهزة، إنسان ما بعد الطبيعة، الإنسان غير القادر على التعرف إلى النباتات التي يأكلها إذا رآها وهي مزروعة في الحقل قبل أن تثمر، غير القادر على تمييز الاتجاهات الأصلية، الذي نادرًا ما ينظر في النجوم ويتأملها، الذي لا يعرف أسماء الزهور في بيئته ولا يميز بين روائحها.

غير القادر على المهارات الأساسية التي تمتع بها أجداده عبر آلاف السنين، كأن يشعل نارًا. أو أن يصطاد حيوانًا، أو يسوس حصانًا، أو يحلب بقرة، أو يقدد لحمًا. أو يعرف الوقت دون آلة، أو يسير خارج العمران دون طرق إسفلتية.

إنسان الدولة المركزية، المعتمد كليًّا على الأجهزة والآلات والأنظمة التي وضعتها الحكومات، إنسان هش غثائي، مفتقد لأدنى مهارات النجاة أو البقاء في الظروف الصعبة، مغترب، يفتقد لطرق التواصل السليمة مع البشر، يتواصل مع الآلاف عبر شاشة جواله أو حاسوبه ويعجز عن التواصل مع جاره الذي يسكن لأعوام معه في البناية نفسها، لا يعرف حتى شكله أو اسمه وهو يقطن في الشقة المجاورة ولا يفصله عنه إلا حائط.

إنسان العلاقات السطحية أو النفعية او العابرة، قد يحيا ويموت دون أن يحظى بعلاقة عميقة حقيقية أو يبادل أحدًا مشاعر صادقة.

إنسان الأضواء الكهربائية، الذي لم يتسامر قط تحت ضوء القمر، ولا احتسى شايًا مصنوعًا على الحطب، ولا استنشق عبير تحميص حبوب القهوة وطحنها في المنزل، لم يتذوق قط أدب الأسلاف، ولا أنشد أشعار الأقدمين، ولا صدح عاشق فيه بقصيدة غزلية قط، ولا تأوه فيه مكلوم بقصيدة رثاء، ولا خرج فيه أديب بارز ولا شاعر ذو وزن ولا عالم بالشريعة يشار إليه بالبنان، كل آدابه مصطنعة، وغالب علومه دعاوى.

ربما هو أول جيل في تاريخ البشرية يعاني شبابه العشريني، سن الفتوة والجموح، من أمراض القلب والمفاصل، والسمنة، وتقوس الظهر، والاكتئاب ظاهرة عامة، جيل اللبن المبستر، والسمن الصناعي، والفراخ البيضاء، واللحوم المحقونة بالهرمونات والخضراوات المسممة بالكيماوي، والفاكهة المعدلة وراثيًّا، ومياه الشرب المسببة للفشل الكلوي.

جيل يقضي جل حياته في الضوضاء والغبار والزحام والقبح والهواء الملوث بأكاسيد الرصاص.

ضائع، يلهث دومًا وراء المنفعة واللذة، وحزين، رغم كل هذه الصور السعيدة، مفتقد كليًّا للقيمة أ الهدف أو المعنى في حياته، اكتئابه شبه مزمن لأسباب غير معروفة، حنينه دائم لأشياء غير معروفة، تصنعه شبه دائم، منجرف دائمًا مع التيار، يضحك على أمور لا تضحكه، لأن الآخرين ضحكوا، يفعل أشياء لا تناسبه لأن الآخرين يفعلونها، مقموع دومًا، ويظن مع الوقت أنها اختياراته وقناعاته!

لكن دعني أخبرك كيف تبدأ اللعبة.

في البدء تهفو النفس إلى بعض الترفيه المباح، لا بأس من ترويح النفس الفينة بعد الفينة،

تفتح هاتفك وتلقي نظرة على ما يتسامر به الرفاق، هذا ينشر منشورًا هادفًا، شيء جميل، ثم هذا ينشر خبرًا عن مباراة اليوم، هل كانت هناك مباراة؟! ما النتيجة؟ ضغطة هنا وتنتقل إلى أحد المواقع الرياضية. تحليل المباراة، أهداف المباراة، توقعات اللقاءات القادمة، التعليق من المتابعين، «التحفيل» من المشجعين، صور «الأبطال» الذين حققوا النصر المبين.

حسنًا دعنا نعود إلى الرفاق، هذا يشارك منشورًا طريفًا من صفحة كوميدية، نعم الجو قاتم من حولك، هلم نغترف بعض اللحظات الطريفة، نروِّح قليلًا عن النفس المثقلة، ما هذه الصفحة الجديدة؟! صفحة ظريفة جدًّا، هممم دعونا ننظر ما لديها، سحبة واحدة فوق الشاشة، ها هاها، سحبة أخرى، هاها ها، وتتوالى السحبات.

غريبة التعليقات أظرف من الكوميكس نفسها! افتح التعليقات، ها ها ها، ولماذا لا تعلق كما يعلقون؟ تعليق هنا، تعليق هناك، ما هذا؟! هناك من رد على تعليقك، اقرأ الرد على التعليق، رد على الرد، حسنًا هناك إشعار بأن هناك من رد على تعليقك على المنشور السابق، حسنًا أجِّل الرد هنا واذهب تفقد الأمر هناك «اللهم اجعله خير»، يبدو أن وراءك عملًا كثيرًا هذه الليلة، أعانك الله!

ولكن لحظة ما هذا الخبر العجيب: القبض على الفنانة (..) ما الذي حدث، اذهب وتفقد الأمر، يا الله ما هذه الفضيحة.

هكذا يضيع أكثر من نصف اليوم في اللاشيء، وإذا ضاعت أنصاف أيامنا فهذا يعني أننا نضيع أنصاف أعمارنا وهكذا، في سوء ذائقة وقلة وعي بتنقية غذاء أرواحنا من الشوائب والتفاهات، كان من المفروض حين نرفض لأجسادنا أن تتغذى غذاء فاسدًا، فعلينا أن نحمي أرواحنا من الغذاء الفاسد كذلك.

التفاهة أو الهيافة:

موجودة منذ القدم، اقرأ في كتب التاريخ، والأدب العربي ستجد أمثلة كثيرة لأصحاب السفه، ومحترفي تضييع أعمارهم، الذين كانوا يطلق عليهم «أهل البطالة».

لكن رغم كل هذا كانت السفاهة والتفاهة مجرد عرض عابر، ظاهرة شاذة خارجة عن النمط العام الذي كان يقدر الاحترام والجد، ويجعل لأهل المروءة مكانتهم، حتى إنك تجد من أوصاف المدح لأهل الصدارة والمكانة العالية، الذين خلدت لنا أسماءهم أن فلانًا كان: «محتشمًا نبيلًا».

الذي جد علينا حاليًا، خاصة مع عصر مواقع التواصل، أن الهيافة اتسعت رقعتها، وتغولت حتى صارت ليست مجرد نمط، بل صارت قيمة!

قيمة لها من يلتزمها، ويفخر بها، ويدافع عنها، ويهاجم أهل الجد الذين يأنفون منها.

هؤلاء ثقيلو الظل، الذين أتوا إلى المكان الخطأ والزمان الخطأ!

تفاهة أهل التفاهة لم تعد تقتصر على الاستعلاء بتلك التفاهة فيما يكتبون وينشرون، بل بلغ بهم حد السفه إلى تعمد الهزل والتساخف في تعليقاتهم حتى على أشد المنشورات جدية.

بل حتى على المنشورات التي تتكلم عن شيء من الأحكام الشرعية، أو القضايا العقدية، أو فائدة تدبرية ونحو ذلك.

نعم التفاهة كانت موجودة من قبل، لكننا لم نر «التتفيه» أبدًا من قبل ووجود الخلل ليس بمشكلة كبيرة طالما أن الأصل هو وجود الصواب قيمة حاكمة، لكن إذا تزحزح الصواب عن المركز، وتربع الخلل في الصدارة فهذه هي الطامة!

انشغل أنت بتخصيب اليورانيوم

هكذا يقولون في تهكم وسخرية مشوبة بالازدراء كلما أنكر عليهم أحد انشغالهم العميق بكل تافه.

ولكن أليس هناك أمر آخر يمكن للمرء أن ينشغل به؟

هل القسمة في عقولكم ثنائية القطب فقط: إما التفاهة أو الانشغال العلمي المادي الدنيوي؟

أليس من الممكن مثلًا أن يكون من ينكر عليكم تفاهتكم مشغولاً بعبادة ربه؟

أليس من المقبول أن يكون ممن ينفق عمره في تعلم ما وجب عليه ولا يكون ممن يعيش عمره كأنه قد رفع عنه التكليف فلا يدري شيئًا عما أمره به ربه، ولا ما نهاه عنه؟

أليس من المستساغ في دنياكم أن يكون هناك من يحمل هم عمره ويعلم أنه سيسأل عن كل لحظة في حياته؟

أليس من الممكن أن يكون يستمع لخطاب الشرع فيعظمه، ويكون ممن يقولون سمعنا وأطعنا.

فيسمع قول رسول الله: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ»

و(مَغْبُونٌ) من الغبن وهو النقص وقيل الغبن وهو ضعف الرأي، فلا يكونن من المغبونين.

صدقني هناك الكثير من الأشياء التي يمكن للعبد أن ينشغل بها بخلاف تخصيب اليورانيوم.

هناك من يعلم أن التفاهة في الحياة أمر غير محمود فلا يفعله:

«إِنَّ اللهَ يحبُّ مَعالِيَ الأُمُورِ وأَشْرَافَها، ويَكْرَهُ سَفْسافَها» صححه الألباني.

ليس من المطلوب منك أن تكون على منوال واحد من الجد لا يتزحزح، ولا مانع من الترفيه عن النفس الفينة بعد الأخرى، لكن المهم أن تنضبط لديك المعادلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد