ككل مسلمٍ ومسلمةٍ كانت «غايتي» واضحة، فالله، والرّسول والأمّةُ، والاستخلاف بالتي هي أحسن، والإتقان بالإيمان، وغيرها كانت واضحة المعالم، كنتُ وما زلتُ أعلمُ لما خلقتُ وما هو هدفي! بيد أن الصورةَ لم تكتمل، ما زلتُ ورغم وضوح الهدف أعاني عشوائية المسار، ضبابية المسعى، كنتُ أرى الغاية الكبرى، لكنني ما زلتُ أتعثَّرُ بالخطى، ما زلتُ ناقة عشواء لا تهتدي السبيل، وتتخبَّط كلّ حين!
من أنا؟ ما هويَّتي؟

الهويَّة كانت الحلقة الناقصة! في بداية المسير، كنتُ أظن أن سؤال من أولًا: الغايةُ أم الهوية؟ أشبه بسؤال من أتى أولًا الدجاجةُ أم البيضة؟ ثمَّ رأيتُ أن أجيبَ كما لُقِّنت، فهويتي – حسب أعرافنا- هي البطاقة التي أحملها وأخاف أن أفقِدها فأُسأَل على الحاجز، وأقف في الثكنة وأخضع للاستجواب المرهق. وقد تتَّسع قليلًا لتسَعَ الاختصاص والمهنة!

لكنني كنتُ دومًا البطةَ السوداء في المجتمع، لم أجد الإجابة كافية، ولم يزل سؤال التعارف والإجابات عنه تسبب الضِّيق في صدري. كان السّؤال من السطحية بحيث خشيتُ أن أبحث عنه. لكنه كان من العمق بحيث أرقني واقتات على تفكيري! كان العجز في الإجابة عنه الثَّغر في شخصيتي الذي سمح لكثيرٍ من الزَّلات بالانسياب إليها، الشّرخ في الجدار الذي كبُر حتّى كاد يهدِمُني! كان لابدّ إذًا من البحث، من الغوص أكثر!
لقد ثبَّتَ القرآن غايةَ آدم، فما خُلِقَ إلّا ليعبدَ الله ويستخلف الأرضَ بالبرّ والخير. لكنَّ الهويةَ – وإن أرسيَت بعض معالِمها – فأسرارُها ومجاهلها بقيَت أكثر. بقيت رقعةُ الهويةِ خاليةً إلَّا من بعض الأسس، لنبنيها كيفما شئنا. لننحتَها ونصقِلها. جعلَت من الماءِ لتتكيَّفَ مع أطوار النَّشأةِ والنُّضوج، ومن صلصالٍ من حمئ مسنون لتقوى على الابتلاء والأذى!
وأمام هذه المجاهل، كان لا بد من التساؤل «من أنا؟ وما هويتي؟» أنعرف أنفسنا حقًّا؟ كم منَّا تجرَّأ على أن يلتقيَ ذاته ويتعمَّق في بحرها، ويسبر غورها؟
إنّ حياة الإنسان متاهة عظيمة.
الهويّةُ خطُّ الانطلاق. نقطةُ البدءِ ومطلعُ الدّرب. وفي جوفِهِ الوسيلة والقدرة، تنتظِرُ أن ينبتَها! أما الغاية الكُبرى فنهايةُ المسار. ومتى ما وصلَ انتهَت رحلتُهُ، وحان الانتقال!
وما بين البداية والنّهاية أبوابٌ متفرِّقة، خلفَها مسالكٌ متشابهةٌ متشعِّبة، ولن يعلمَ مسلكَه إن لم يكتشف من «هو»! إنّه البوصلة والخريطة للرّحلة! ومن لا يحسَنُ قراءة الخريطة سيضلُّ كثيرًا، ويشطُّ عن السَّبيل، وقد يقضي حياتَه هائمًا على وجهه، متخبِّطًا في ليلٍ بلا قبس، حيرانَ أسِفًا، لا يدري كيف الخروج، وتنطفئ عيناه، فتزداد المتاهةُ سوادًا وضياعًا، فييأسَ، فيقعُدَ فيتخلَّف. ثمّ يُقبَضُ وقد ظلمَ نفسه. ظلمَها لمَّا لم يعرفها. لمّا يئس منها!
يا «أنت»، القابعُ في ظلمةِ الفكرِ، اليائسُ من نفسِك، الظّانّ أن لا مخرج إلى النور! يا من تتخبطُ تخبُّط صاحبِ الحوت وتحسبُ أنكَ لن تقذف، وتبكي بكاء يعقوب لمَّا أضعتَ وسيلتك حتى ابيضَّت عيناكَ وحسِبتَ أنها لا تعود، وظننتَ أنّكَ بضاعة الحياة المزجاة لم تُقْبَل، فاستسلمتَ واستكنت! وركنَتَ ويئست! فظلمتَ نفسكَ وبالاستضعافِ المذمومِ تعلَّلتَ وتعذَّرت!
لو أنكَ تدري أن كل بني آدم يعمون تارةً ويبصرون تارة أخرى لما ركنت! ولإن سألتَ أحدهم «من أنت؟» لضحِكَ من سُخفِ السّؤال في البداية، ثمّ سكت يتفكرُ فأجاب كما يجيب الأكثرون، بالإجابة السطحيةِ المتفق عليها، وولَّى منكَ فرارًا، فقد باغتَّه بالسؤال، وحرَّكتَ مستنقعات راكدة!

لو أنك سألت لعلمتَ الحقيقةُ، حقيقة أنّ أحدًا منَّا لا يعرفُ نفسه! نعم، نحنُ لا نعرف منها إلا سطحها. والحقيقةُ أن حياتنا كلها رحلةُ بحثٌ عن الذّات، مسيرةٌ للبناء والتّنقيب لنصنعَ النسخة الأفضل من آدم! رحلة صناعةٍ وبحث، لكننا لن نجدَنا دون ابتعاد، دون عزلة صوفيٍّ ونبيٍّ، غوصٌ بينَ الكتبِ والخبرات! لا بد من اعتزال البشرِ كاعتزال الخليل للتّفكّر! سقوطٌ كسقوط الصِّدِّيق في جبِّ النفس، لسبرها واكتشافِ سرَّها، ثمَّ الخروجُِ بها على الملأ كخروجِ مريمَ بروحِ الله على قومها! تخبِّرُ عن نفسها تحدِّثُ بعملها وإبداعها!

إنّنا نعيشُ لنبحثَ عن ذاتنا. فدونَ الهويةِ لن نضربَ بالوسيلة. لن نعرفَ المسلكَ ولن ندرِكَ الغاية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغاية, الهوية
عرض التعليقات
تحميل المزيد