نهاية هرة!

وصلنا إلى محطة النهاية، نهاية حكاية بريئة قام ببطولتها قطة أكثر براءة، نهاية تلخص لنا فرقًا هامًا بين القطة والإنسان، فارق العمر، الإنسان يعيش كثيرًا على وجه البسيطة، بينما الهرة تعيش أقل منه كثيرًا على نفس البسيطة، اختلاف زمني حسابي بين الاثنين وإن كنت أشك في أن الاختلاف جوهري؛ فالقط يعيش بحساباته أكثر مما يعيش الإنسان الجهول، الإنسان عنده من المشاغل ووسائل الترفه وسبل تدمير الوقت ما يجعل عمره قليلا – يا له من مسكين!- بينما القط الذي يعيش في حالة من الفراغ ومحيط من التأمل والتدبر يجعله يعيش أضعاف أعمار الإنسان المسكين الذي إن لم تضِع عليه ساعاته في أتون التكنولوجيا الطاحنة ضاعت عليه في مطحنة القلق والتوتر والاكتئاب، هو في أغلب الأحيان خاسر وشر الخاسرين من يخسر عمره الذي غُبن فيه، القط كائن يعيش في حال من البدائية يجعله يحاكي الإنسان الأول الذي لم يكن في يده من الدنيا سوى قطرات من بحر! فتجده يعمّر أعمارًا مديدة حقيقة وجوهرًا فتجد من شعراء الجاهلية مثلا النابغة الذبياني عاش كثيرًا فسئم الحياة حتى قال:

المرأ يأمل أن يعيــش …… وطول العيش قد يضـره

تفنى بشاشته ويبقـى ……. بعد حلو العيش مـــره

وتخونه الأيام حتــــى………….. لا يرى شيئًا يســــــره

كم شامتٍ بي إن هلكتُ………… وقائـــــــــلٍ لله دره

ترى لو أن هرًا عجوزًا نطق فهل سيكون أكثر فصاحة وتعبيرًا من ذلك العجوز الآدمي؟!!

أم إنه سينطق كما نطق أحمد الكاشف بقوله:

سئمتُ الحياة التي ما لقيـ……… تُ غير مرارتها والكــدرْ

وكنتُ قنوعًا بأشواكــها………… إذا فاتني زهرها والثـــمرْ

وما ناء بي حمله في الصبا ……أيمكنني حمله في الكــــبرْ

إذا دهم المرء ما لا يطيـق…….. فسيان تسليمه والحــــذرْ

وحسبيَ في محنــــتي أنني ……. تبينت من بَرَّ ممن فـــجرْ

إن آثار الدهر كما تنال الإنسان في شيخوخته تنال الهر العجوز في كبره، وليس بدعًا أن يحدث ذاك فتلك سُنّة عامة في جميع المخلوقات، ولكن الهرّ المعمّر له من الحظ السعيد ما ليس لغيره من بني الهررة، فقد تخطى الأمراض والأوبئة واستعلى عليها واستعصت عليه حتى وصل إلى هذا العمر قبل أن يفتك به فاتك، صحيح أنه قد أصابه الدهر بنوائبه من نقص طعام وشراب ومنغصات من أمراض خفيفة تؤذيه وتؤلمه دون أن يتكلم ويبوح بمكنون صدره المتأوه، ولكنه فاز في السباق ووصل إلى خط النهاية التي لم يوفق إليها كثير من أقرانه.

إن آثار الدهر تتجلى في وجه الكبير المعمّر سواء أكان بشرًا أم هرّا! ، تشعر أن ينابيع الحكمة تتفجر من بين حنايا وجهه فقد خبر الدنيا وعرف الحقيقة وألف الواقع المرير، تعرفه في أناته وهدوئه الطاغيين اللذين ينذران باقتراب النهاية المحتومة التي كلما اقتربت ازدادت حكمته وتجذّرت تأملاته واستنارته، هذا هو الأصل حين يحيى المخلوق على الفطرة التي فطر الله الناس عليها بغير مخالطات تعكر تلك الفطرة وأحسب أن الهر العجوز كذلك، فقد عاش على الفطرة ومات عليها.

ولكن نصيب الكائن من الدنيا يشبه نصيبه بعد الموت!؛ فكما عاش القط المدلل في رفاه ودلال يموت في رفاه أكثر ودلال أوفر فهو يموت بين يدي الطبيب البيطري الحنون الذي يمده بالدواء إلى آخر نَفس ثم يموت في أحضان أهله الشفوقين الذين يبكونه بعد موته ويرثونه وينوحون على أطلاله! ثم في النهاية يدفنونه في أرض طيبة نظيفة تشبه في نظافتها الحياة الرغدة التي كان يعيشها قبل موته ليتساوى الحال قبل الموت وبعد الموت!

أما القط المشرد المسكين فيتأوه من المرض بلا طبيب ولا مداو، بلا أنيس ولا شفيق لا حضن ولا ركن، وبقية القططة لا يشعرون به ولا يتأثرون له فكلٌ في حاله يقول نفسي نفسي! وكما عاش في الطرقات يأكل من المزابل يموت في طريق من الطرقات ليُلقى في مزبلة من المزابل لتكون مثواه كذلك فلا حيّ كريمًا ولا مات كريمًا!

ألا تنبئكم تلكم المقارنة بحال البشر الذين يسكنون أفخر القصور في حياتهم لينتقلوا إلى أفخر القبور الخاصة بعد مماتهم، كما أن هنالك من يسكنون الطرقات يتخبط بهم الناس ليموتوا في مقابر وضيعة عفنة مزدحمة يدوس عليها الناس فلا عاشوا كرماء في حياتهم ولا ماتوا كرماء في أجداثهم؟!!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات