لم يعد مجالا للشك أو حتى التفكير بأن ما يسمى باتفاقية أوسلو للسلام والتي وقعت في تسعينات القرن المنصرم، سوى أنها أداة لتحجيم القضية الفلسطينية، وزرع سلطة تخدم مصالح الاحتلال وتعمل على بتر العمل المقاوم، فبعد مضي أكثر من عقدين أصبح الفلسطيني يشعر فيهما أنه أكثر غربة في وطنه، وحالته الاجتماعية والمادية تتدحرج نحو الأسوأ، في ظل وجود سلطة يستفيد من وجودها عدد محدود من المسؤولين والقائمين عليها.

عباس الوجه البارز للسلطة منذ  أكثر من عشر سنوات والأكثر غرابة في قراراته السياسية، ففي عصره حدث الانقسام الفلسطيني، والذي عمل على استغلاله وتعميقه وزيادة حدة المناكفات كي يتخلص من الشراكة السياسية مع حركة حماس، فراهن عباس على الضفة الغربية وعلى بسط السلطة السيطرة التامة عليها، ومنع كافة أشكال المقاومة فيها، فقام في أعقاب أحداث 2007 باعتقال عناصر حماس والجهاد الإسلامي في الضفة الغربية، وعمل على إقفال كافة الجمعيات والصحف والمكاتب التابعة لهما، كان عباس يراهن بتصرفاته وأعماله والثقافة التي كان يزرعها بين أوساط الفلسطينيين على خلق جيل فلسطيني جديد خاضع للسلطة ومؤمن بوهم السلام مع الإسرائيليين وفكرة حل الدولتين، ولكن على الرغم من كل المحاولات فشل عباس وفشلت السلطة معه في القضاء على المقاومة، والتي انفجرت في وجه الكيان الإسرائيلي عبر شباب الضفة والقدس، فكانوا يسطرون عناوين جديدة للصراع من أجل الحرية، وبرزت الأعمال الفردية والتي تعبر عن إيمان عميق لكل الفلسطنيين بأن الاحتلال لا يعرف سوى لغة القوة والرد عليه، أما الخطابات الناعمة في الأمم المتحدة كانت تقوم على الويلات التي يتعرض لها أهل الضفة من نهب الأراضي لصالح الاستيطان، والحواجز وقتل أبناء الضفة، وتهويد القدس.

السلطة والانهيار الوشيك

تعاني السلطة من ضعف شديد في الوسط السياسي، فهي لا تملك أي سيادة حقيقية، فقطاع غزة تحت حكم حماس، والضفة الغربية يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي، وتصريح كبير المفاوضين للسلطة صائب عريقات لم يأت بالجديد عندما قال بأن الرئيس هو وزير الدفاع الصهيوني ليبرمان وأن مردخاي – المنسق – هو رئيس الحكومة، وأن عباس لا يستطيع التحرك وبإمكان أي ضابط في الجيش الاسرائيلي منعه من التنقل، ولكن الجديد أن يكون هذا التصريح من داخل بيت السلطة ذاتها وعلى لسان من يقوم بتدشين السلام مع الإسرائيليين.

كما جاء إعلان ترامب كالصاعقة على السلطة والتي لطالما تغنت بالطرف الأمريكي كوسيط لعلمية السلام، كما أن الشعب الفلسطيني بات أكثر وعيًا بأن هذه السلطة لا يستفيد منها سوى أصحاب المناصب ممن ينهبون دعم الدول المانحة، ويثقلون كاهل المواطنيين بالضرائب، ناهيك أيضًا عن الصراع بين قيادات السلطة في الضفة على كرسي الرئاسة، ولا سيما أن كل المؤشرات تصب في نهاية حقبة عباس كما أعلنها حتى الإسرئيليين ذاتهم في مؤتمر هرتسيليا قبل شهر، وأن هذا العصر الذهبي لإسرائيل الكبرى على حد وصفهم.

كما جاءت عقوبات السلطة على غزة بغضب شعبي واسع، وكأن السلطة باتت تمارس دور الاحتلال، وتصدر فشلها السياسي في المحافل الدولية والعربية باتجاه غزة، حتى تفاقم الوضع الانساني في غزة وبات وشيكا على الانهيار نحو أزمة إنسانية غير مسبوقة، مما صعد من الرفض الشعبي للسلطة ووجودها.

عباس وحب الخطابة في الأمم المتحدة والتوسل الذي لا يليق بكرامة الشعب الفلسطيني وتضحياته، مما يعبر عن يأس تام وعميق يختلج الرجل الأول للسلطة، حيث دعا خلال خطابه أمام مجلس الأمن، لعقد مؤتمر دولي للسلام منتصف 2018 يستند لقرارات الشرعية الدولية، وبمشاركة واسعة تشمل الطرفين المعنيين، والأطراف الإقليمية والدولية، وفيما يرد عليه نتنياهو بأنه لم يأت بجديد، وصدق الأخير.

المصالحة والكتل الوطنية سبيل للحل

أثبتت قضية ترامب باعترافه بالقدس عاصمة لاسرائيل أن هناك ثمة شيئًا واحدًا قادرًا على توحيد صفوف الأمة على المستوى الشعبي، ألا وهي القضية الفلسطينية، وكذلك على المستوى الداخلي الفلسطيني لا يوجد اختلاف على قضية القدس وربما الفرصة الآن للعودة إلى اللحمة على مستوى كافة القوى السياسية لمواجهة كل المؤامرات التي تحاك حيالنا من أمريكا وإسرائيل، وعلى منظمة التحرير أن تخلع عنها ثوب التبعية وتتخذ قرارًا بالعودة إلى الشعب الفلسطيني ووقف كافة أشكال التعاون والتنسيق الأمني مع الاحتلال، وحماس مندفعة بشكل أكثر جدية نحو المصالحة مع فتح وتحت غطاء فصائلي وإجماع وطني، وفي وقت نحن بأمس الحاجة للوحدة الفلسطينية، ووحدة القرار والتوجهات، بما سيعطي قوة إضافية لقضيتنا، ويعمل على تسويقها في المجتمع الدولي والعربي بصورة صحيحة.

كما أن محاولات تصفية القضية الفلسطينية والتي تسعى إليها اسرائيل ستبوء بالفشل إذا ما اتحدت كافة القوى ووجدت مقاومة شعبية موحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ مما سيعمل على تسريع إسقاط صفقة القرن.

الأمة العربية والإسلامية محور القضية الفلسطينية

كما لا بد من العمل على إحياء قضية فلسطين في أوساط الأمة من خلال كافة القنوات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل أكثر إنتظاما، والعمل على وصل الأمة المستمر بالمستجدات التي تطرأ على الفلسطينيين بسبب ممارسات الاحتلال الصهيوني، وربط ثقافة الأمة بكل مكونات فلسطين الجغرافية والتاريخية والأثرية، ودفع مفكري الأمة لوضع خطط شاملة لمثل هذه التحركات بما يسهم في رفع القضية الفلسطينية.

التطبيع وهو من أخطر ما تردد خلال الأشهر القليلة الماضية، ويجب أن يحارب بطريقة ذكية لا هوادة فيها، واعتبار أي تعامل مع الاحتلال السرائيلي خيانة للأمة ولقضية فلسطين، والعمل على الضغط الشعبي باتجاه الدول والحكومات لمنع أي تواصل سياسي أو اقتصادي أو سياحي بين الدول الإسلامية والكيان الاسرائيلي، ومحاربة أية استضافة إعلامية عبر أي منبر عربي أو إسلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد