أسطورة كثيرًا ما أثارت بحلقاتها التلفزيونية ضجات واسعة وفي الوقت ذاته غريبة ومثيرة للجدل وللكثير من التساؤلات التي لا زالت تحوي العديد من علامات الاستفهام الغامضة التي لم تُكشف علانية حتى الآن حقيقتها.

 

 

 

لن أحدثك عن استدعاء برلماني بشكل غريب ومفاجئ أصبح معالجًا روحانيًا مُخلصًا للبشرية من الجان وأعباءه بعد أن فشل الكثيرون قبله في إنجاز هذه “المهمة المستحيلة” مع تلك البنات اللائي اشتهر أمرهن إذ ظللن ينتظرن في عناء حتى هبط لهم الـ”super Parliamentary”  من السماء ليراقبه الملايين علي الشاشات “ليلًا” مُغلقين أضواء منازلهم، مُحضرين المقرمشات المسلية التي تخفف عليهم لحظات الهلع وسط هذه الأجواء السينيمائية.

 

 

 

فيُخرجهم من أجسادهن واحدًا تلو الآخر مع “موسيقى تصويرية” لا أعلم فائدتها إذا ما كان الأمر حقًا جديًا وليس لمجرد حصد مشاهدات، إلى جانب تكرار هوليوودي لأفزع اللقطات مع إضفاء توابل المؤثرات الصوتية وذلك بإيعاز من الإعلامية، في ظل ترقب وحذر المُندمجين مع هذه المشاهد “العصيبة” مُنتظرين النهاية السعيدة التي ينتصر فيها البطل على هؤلاء الجن الأشرار الذي استمر “مُعانيًا” معهم قرابة 3 ساعات على مرأى من الناس حتى قبل مطلع الفجر.

 

 

 

 

 

 

لن أحدثك عن جلسات التحقيق التي يبدو أنها كانت في صرامتها أشد وطئًا علي نفس الجاني من جهات التحقيق الرسمية حتى أصدرت إحدى القنوات الشهيرة الكوميدية علي يوتيوب مقطعًا فكاهيًا كاريكاتوريًا ساخرًا يرسم الإعلامية وهي تحقق مع جانٍ في تهمة سرقة حتى انتهى به الأمر للاعتراف بجريمة “القتل” التي لم يرتكبها نظرًا لاختلال موازين قواه العقلية عقب صواعق اللوم التي واجهها من المحكمة الريهامية الشديدة التي أنسته جريمته الأصلية.

 

 

 

 

 

 

رؤية مغايرة

 

 

وآخرها تلك الواقعة الشهيرة التي بدا فيها أن الإعلامية قد انتهكت خصوصية الآخر بكل ما تحمله كلمة الانتهاك من معنى. تترك الضيفة المجني عليها حسب ما كانت تنوي إظهار ذلك في حلقتها، هاتفها لدى إعداد البرنامج قبل الدخول لتكتشف أنها أصبحت الجانية بعد الخروج وتُفاجأ بأن صورها الخاصة وراء شاشة هاتفها قد أصبحت عامة يراها كل من لديه شاشة في منزله.

 

 

 

 

 

لكن إذا ما نظرنا للأمر بعين “إعلامية” أو بمعنى أدق بحس إعلامي تنافسي، قد يكون للأمر رؤية أخرى يُنظر لها من خلاله .. هل حملت الإعلامية الضغينة تجاه “فتاة المول” حقًا؟ هل أرادت بالفعل أن تكشف حقيقتها وخباياها “الخبيثة” – في نظرها –؟! قد يظن البعض أني مُبرر موقفها رغم ما أبرزته في المقدمة، لكني في الواقع لست مُبررًا بل بالأحرى محاولًا لإبداء نظرة أخرى في الأمر.

 

 

 

 

 

من مارَس الإعلام برهة وتعايش مع هذا الجو التنافسي المشحون بين أصحاب المهنة، يدرك كثيرًا أن محاولة تحقيق “السبق” كثيرًا ما قد يطغى على سيكولوجية الإعلامي فيعميها غالبًا عن التفكير في أية تحركات غير أخلاقية من الممكن اتخاذها فينتج عنها أضرار وعواقب وخيمة في حياة المذكورين داخل المادة الإعلامية،

 

 

 

 

اللهم إلا إن تدخَّل الضمير سريعًا ليوقظ تلك النفس المتأججة المتلهفة لجذب أكبر عدد من المشاهدات فيسحب البساط من تحت أرجلها إن اجتازت حدود اللامسموح والمحظور أخلاقيًّا واجتماعيًّا.

 

 

 

 

لكن الفكرة أن الجمهور يهوى ذلك، يحب ذلك، بصرف النظر عن تلك الأخلاقيات المهنية التي يبدو أن قد أصبح مكانها تحت التراب فلم يعد لها مكان إلا بين السطور النظرية لهذه الكتب الأكاديمية، فالإعلامي سواء أكان صحفيًا أو مذيعًا غالبًا لا يسعى لتطبيق هذه القواعد النظرية المجردة الراكدة في الكتب التي ترسّب عليها غبار الزمان ولا حتى يفكّر فيها، فمن الناحية المنطقية ليس ثمة جهة رقابية تنفيذية على سبيل المثال تحاسب على مدى تطبيق قواعد المهنية فضلًا عن رضا الجمهور إلى جانب رضا الفاعل، فعلام “وجع الدماغ”!

 

 

 

 

بل يسعى بوجه عام وراء ما يرغبه القارئ أو المشاهد ولا يخفى علينا أن الجريمة والجنس والفضائح المنتهكة لخصوصية الآخرين خاصة إذا ما كانت مقترنة بالصور والفيديوهات تعد من أكثر المحاور التي تجذب الجمهور بدافع انجذاب ميوله الغريزية لهذه الأشياء “المستور” عنها التي يصورها الإعلام في عرضه لها على أنها من الحصريات.

 

 

 

 

 

لم تندفع الإعلامية في هذه الفعلة الأخيرة بوازع إصلاحي اجتماعي بغية كشف “حقيقة الفتاة” و”زيف ادعاءاتها” – كما تحاول أن تظهر ذلك لجمهورها – بيد أنها كانت تنوي الكشف عما لم يكشف عنه الآخرون في مجالها اتباعًا لسياسة “الحصرية الإعلامية”،

 

 

 

 

 

 

 

فهي لا يهمها أمر الفتاة من الناحية الشخصية في تقديري للأمر بقدر ما يهمها الصدى الذي يُمكن أن تحققه من وراء الاستغلال الإعلامي “الانفرادي” لتلك الفتاة، إذ يعلم العاملون في المجال أنه إذا ما جاء نُظراؤك في المهنة بخبر فعليك أن تأتي لا بمثل ما أتوا به بل بما لم يأتوا به من قبل من نفس جنس الخبر حتى تحرز نقطة”point”  عليهم فتعوض عدم استباقيتك في الكشف عن الموضوع من بادئه.

 

 

 

إنها سياسة “السير عكس مسار الريح” فإن كان الجميع يتجه نحو إدانة المتحرش الظاهر في المقطع الشهير والتعاطف مع الفتاة والتسليم بأنها المجني عليها، فأنا كإعلامية حتى أثبت لكم أني “مميزة” عن الآخرين فسآتيكم بما لم يأتِ به غيري،

 

 

 

 

 

سأحقق السبق وأكشف عما لم يكن يعلم حقيقته الآخرون، سأُظهر للجميع عكس ما ظنوه في هذه القضية خلال متابعهتهم لها إعلاميًا، لكن يبدو أن الولع بمبدأ “الحصريات” قد أغفلها عن جريمة التعدي الفادح علي الحياة الخصوصية للآخرين،

 

 

 

 

 

 

فاختارت أن تقدم بالفعل الأدلة والوثائق ولكن هذه المرة، التي دقت المسمار الأخير في نعش هذه الأسطورة لتنهي مسيرتها بقولها “وداعًا يا مجتمع الحق والفضيلة” تهكمًا منها على الرأي العام ليصبح الشعب في النهاية الذي لطالما كانت تشيد به مِرارا، في نظرها هو الجاني والظالم لأنه لم يُقدّر حقًا مجهودها “المستحق التقدير”!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد