نعرف جميعًا أن الإجهاد النفسي يُلحق أضرارًا بصحتنا، ويُقلّص ذكاءنا العاطفي، ويُخفض مستويات أدائنا لأعمالنا، كما يَحُدّ من إمكانيات نجاحنا. لكن الدراسات التي أُجريت تُظهر أن ما يزيد عن 80 بالمائة من الناس لا يفعلون أي شيء لحل هذه المشكلة. وإذا كنتَ من ضمن نسبة الثمانين بالمائة هذه، فلا شيء يمنعك من التأكد من خطورة الإجهاد النفسي الذي يؤدي إلى تقليص عمر الإنسان بمقدار 10 سنوات (إذا شاء الله). يعني ذلك أن الإجهاد النفسي ليس بالأمر الذي يمكنك معالجته لاحقًا، أي يجب عليكَ الإسراع في معالجته اليوم قبل الغد.

يتحدث البروفيسور دون جوزيف جيووي عن بعض الخطوات البسيطة، والتي يمكن تطبيقها بسهولة في حياتنا اليومية، وذلك بعد مضيّ سنوات من البحث والاختبار. وباستطاعة المرء بعد مرور شهر أو اثنين على استخدام هذه الوسائل أن يقول وداعًا للإجهاد النفسي.

الخطوة الأولى: بناء الوعي

عندما نحس بالكراهية أو الخوف، أو حتى حين نُهاجَم، تجاه شخص ما، وذلك لأن لوزة الدماغ (مركز الخوف في الدماغ) ربَطت ميزة من ميزات هذا الشخص مع شخص قام بإيذائنا في ما مضى. وهو الأمر الذي يدفعنا إلى الاستجابة بدرجة الغضب نفسها التي قد تكون مُبررة بسبب التهديد الأصلي الذي تعرضنا له، لكنها غير مناسبة أبدًا في الموقف أو الوضع الحالي. إنه الماضي الذي يتغلب على الحاضر، وهو الأمر الذي يدفع علماء النفس إلى القول بأن المرء نادرًا ما يعرف الأسباب التي تجعله منزعجًا.

** إذا تمكَّنتَ من تغيير عقلك فسوف تتمكن من تغيير حياتك.(عالم النفس الأمريكي وليام جايمس).

الخطوة الثانية: مرحلة الاختيار

ماذا يحدث إذا فقدنا السيطرة على وضع ما تؤثر نتائجه علينا. إننا نفكر في هذه الحالة فيما يمكن أن يحدث، ولا نعرف ما يجب علينا فعله لاستعادة التحكم في ذلك الظرف. لكن عامل الموقف الذهني الذي يُعزز فقدان السيطرة هو أسوأ من ذلك. يُحتمل أن يأخذ هذا الموقف شكل هزيمة الذات التي تنبع من التشاؤم المخيف.

كتبَ إيكهارت تول في كتابهThe Power Of Now  بأن الناس تمتلك ثلاثة خيارات فقط عند مواجهتهم موقفًا لا يُحتمل.

الخيار رقم 1: يمكنك أن تقرر تغيير الموقف: ويتطلّب هذا الأمر استعدادًا للنظر في المشكلة بعيون منفتحة على المعلومات الجديدة. يُحتمل أن يتضمن ذلك الاستعداد للنظر في ما يحتاج إلى التغيير في داخلك فيما يتعلق بموقفك ونهجك لتأمين حصولك على ما تريده.

الخيار رقم 2: يمكنك أن تُقرر تجنّب مواجهة الموقف: الخيار الثاني هو تجنب مواجهة الموقف الذي وصل إلى طريق مسدود أو لا رجعة منه، وذلك من أجل استرداد وضوح الرؤية عندك وتوازنك العاطفي.

الخيار رقم 3: قبول الموقف تمامًا كما هو: يُحتمل أن الإذعان يعني أنك لا تملك حلًا أفضل للمشكلة، أو أن الموقف ليس سيئًا إلي هذه الدرجة، أو بأنك على استعداد للاعتراف بما هو الأفضل بالنسبة إلى الشخص الآخر.

الطمأنينة والبهجة والسعادة تأتي كلها من داخل الذات وليس من العالم

الأبحاث أثبتت أن نسبة 10% فقط من سعادتنا تأتي من تغيرات في ظروف حياتنا، يعني أننا نحصل على دَفعة بمقدار 10% إذا ما انتقلنا من حالة الفقر إلى حالة الغِنى، أو إذا انتقلنا من منزل صغير إلى منزل أكبر، أو إذا حصلنا على ترقية، أو حتى إذا ما حصلنا على الشريك المناسب لحياتنا.

الذين ينشغلون في مهمات متعددة يستغرقون وقتًا أطول بنسبة 40% لإنجاز أمر ما

توصّلَت دراسة أخرى إلى أن السائقين الذين يتحدثون في هواتفهم الخلوية يستغرقون وقتًا أطول للوصول إلى الأماكن التي يقصدونها.

معوقات السرعة

معوقات السرعة هي تلك الأشياء المزعجة التي تحدث عندما تحتاج إلى التركيز. إنها كذلك ذلك الشخص الذي يقف عند بابك ويقاطعك بمشكلة ما بينما تعمل على إنجاز عمل ما في الوقت المحدد. إنها كذلك تلك الطابعة التي تتوقف عن الطبع، وكذلك ضوء الإنذار في لوحة القيادة في سيارتك، والتي تقول لك بأن الوقود على وشك النفاد في حين أنك تسابق الزمن للوصول إلى اجتماع في وقت محدد، وكذلك ملاحظة وجود بقعة في ثيابك قبل وقت قصير من تقديمك عرضًا من تحضيرك

الخطوة الثالثة: التوسع فيما يتجاوز الإجهاد النفسي

«الفكرة الإبداعية هي ثمرة الوقت الضائع»

كانت إحدى أولى الشركات التي أدرَكت كيفية تسهيل الأفكار الإبداعية هي شركة 3M التي تمتلك قائمة طويلة وأسطورية من الابتكارات. لقي موظفو الشركة ولعقود من الزمن تشجيعًا لاستخدام نحو 15% من ساعات العمل لتحقيق أفكار من صنعهم، وذلك حتى لو كانت تلك الأفكار خارج نطاق اختصاصات3M  الإستراتيجية.

تُدعَى هذه العملية قاعدة 15%، يعني ذلك أن الموظفين حصلوا على حرية القيام بعمل ما يريدونه في فترة 15% من أوقاتهم. وهكذا وصلت3M  في العام 2012 إلى عتبة 30 مليارًا وقدّمت في المحصلة النهائية 23000 براءة اختراع معظمها أتى نتيجة قاعدة 15 بالمائة. وكذلك شركة «غوغل» عملت بقاعدة 20 بالمائة وقدّمت نتائج مذهلة وهو الأمر الذي أنتج Gmail  وGoogle Earth.

لا أفكار مبتكَرة من دون الهدوء والشعور بالبهجة

إنها الحالة الذهنية التي تظهر بصورة طبيعية وأنت تتنزه بمحاذاة شاطئ المحيط، وحيث تكون بالقرب من مكان تكسُّر الأمواج، وحيث ما تتنشق الهواء المشبَّع بالملح، وكذلك حتى إذا توقفتَ في غابة بهدف الاستماع إلى صوت الريح، وشم رائحة الأشجار، أو عندما تسير وسط مرج جبلي حيث تمرر يديك على أعالي الأعشاب الطويلة. تحس في هذه الأجواء بأنك أكثر هدوءًا.

التوقُّف بسكون بهدف ملاحظة البصيرة الخلّاقة التي تنهض من أعماق الدماغ

لا يتمكن معظم الناس من تخيُّل الابتعاد عن العمل. تدفع الاستراحات بالناس إلى الشعور بالتهرُّب من الواجب. يدفعهم ذلك إلى الشعور بالقلق؛ لأنهم يعتقدون بأن هذه الاستراحة سوف تسبب تخلفهم. إننا بحاجة إلى تغيير تلك العقلية كي تتماشى مع البحوث العلمية. إن أخْذَ استراحة يعني أن تُصبح أكثر إنتاجية، ومع تبَصُّر إبداعي وبراعة أعظم، وليس أقل من ذلك.

لا يعني كل ذلك بأنك مضطر لأخذ استراحة عندما تكون في ذروة عملك (أو موظفًا). لكن الأمر الهام هنا هو أن تراقب طاقتك الذهنية قبل انخفاضها إلى الحضيض.

أنصحك بأخذ استراحة غداء حقيقية بعيدًا عن طاولَتك

توصَّلت إحدى الدراسات التي أُجريَتْ في ألمانيا إلى أن تناوُل طعام الغداء في أحد المطاعم مع الزملاء والأصدقاء يُعطي استرخاءً أكبر من تناول وجبة الطعام وحيدًا على طاولة مكتبك.

إذا أعياك حلّ مسألة فاتركها

توصّل الباحثون إلى أن الأفكار المُلهمة تَحدث قبل التوجُّه إلى النوم مباشرة، أو في الصباح الباكر، وبعد وقت قصير من الاستيقاظ.

الضحك

إذا كنتَ تشعر بأن قوتك الإبداعية آخذة بالتناقص، يمكنك زيادة شعورك بالسعادة عن طريق القيام بشيء يدفعُك إلى الضحك. يمكنك أن تحقق ذلك عن طريق اللجوء إلى يوتيوب لمشاهدة حلْقة من مسلسلك الكوميدي المفضَّل، أو الاستماع إلى الممثل الكوميدي المفضل لديك.

صدّقني عندما أقول بأن هذه المقاطع سوف تدفعُك إلى الضحك بصوت عال، إنها تقوي القلب، وذلك لأنها ستجعلك تشعر بأنك أكثر إشراقًا وسعادة وهو الأمر الذي يُعطي ذكاءك الإبداعي قوة دفع فورية.

طلاء الجدران باللون الأزرق

طلاء جدران مكتبك أو غرفتك باللون الأزرق الفاتح، من شأنه تحفيز دماغك الأيمن لزيادة الإلهام الخلّاق الذي ينبثق منه.

الضغط على كرة

صدّق أو لا تصدّق بأن الضغط على كرة في يدك اليُسرى يؤدي إلى تفعيل الدماغ الأيمن.

**يمكنك أن تجرب هذه الطريقة عندما تشتري كرة مطاطية صلبة بقُطْر بوصتين، وهي من النوع الذي يُستخدم لعبةً للكلاب. أمسك الكرة في يدك اليسرى، واضغط عليها بقوة لفترتين بحيث يكون طول كل فترة خمسًا وأربعين ثانية، مع أخذ استراحة لمدة 15 ثانية بين فترتي الضغط.

شعورك بالخجل يؤدي إلى زيادة ضربات قلبك

توصَّلت الأبحاث التي أجرتْها برينيه براون من جامعة هيوستن إلى أنّ الخجل: هو عبارة عن خوف المرء من أن يُعتبر على خطأ، وغير جدير بالقَبول أو الانتماء. وقد كتَبَت الدكتورة مارجريت كينيدي من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: يعتقد الناس أن جميع أنواع الإجهاد النفسي تمتلك التأثير ذاته على جسدنا. لكن الإجهاد النفسي الناتج عن نظرة الناس إلينا هو تأثير قوي جدًا، وهو الذي يصل إلى أو يفوق العمل الشاق.

**كلما كنتَ أكثر وعيًا بمسبِّبات الخجل، تمكَّنتَ أكثر من تغييره.

الحب والبنية العائلية المتينة

يُهدئ الخوف، وهو كذلك ترياق هرمونات الإجهاد النفسي السامة التي يمكن أن تقتلنا.

الميل لإصدار الأحكام على الآخرين

تقوم تعبيرات وجوهنا، ولغة جسدنا، وطاقتنا الجسدية، والشعور العاطفي، والتلعثم، والفأفأة، والتقلُّص اللاإرادي لعضلات الوجه؛ بالانتقال إلى دماغ الشخص الآخر، وهو الأمر الذي يفضح محاولاتنا إخفاء الأحكام التي أطلقناها على الآخرين. هذا هو ما يُفسّر كيفَ أنّ ابتسامة حبيبك تُترجم إلى سعادة، وعبوسه يُترجم إلى حزن.

إن شعار «الموقف الذهني هو كل شيء» ليس مجرد شعار يوضَع في ملصق تحفيزي، بل هو وصفة طبيّة لحياة أفضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد