من بين سلسلة من الكلمات المتضاربة التي تجتمع معًا لتكوّن مزيجًا من الجمل المترابطة، كانت هناك كلمة ضائعة بين حقول الحياة، تسأل عن المفر! منذ بزوغ وجهي على هذا الكون، كان قلبي مفعمًا بالبراءة والكبرياء ترعرت بين أحضان والديَّ الحنونين، لم أعرف شيئًا من الحياة سوى السعادة، لم أكن أعرف حينها ما كان ينتظرني من ألم ولوعة!

كنا نخرج معًا – أنا وأمي وأبي – إلى بستاننا في آخر القرية، كنت ألهو طوال اليوم مع أصدقائي، وكان البستان أجمل مكان عندنا، فكان فيه مخبأنا السري، كنا نجمع الأغصان والحجارة الجميلة لنضعها في صندوق، في مخبئنا السري كبرنا، وكبرت أحلامنا معنا.

أبي كان يريد مني أن أصبح قائدًا شجاعًا، فغرس بي هذا الحلم كشجرة في الأرض، وظل المسجد الأقصى حكاية جرح لا يلتئم… لهوٌ ولعبٌ… سعادة ما بعدها سعادة… إلى أن جاءت تلك السنة 1948… حين داهم أنجس سكان الأرض أطهر بقاعها، وهو الأقصى المبارك.

دخلت كائنات غريبة لبلدنا تمحق وتسحق، فبدأ رجال حيّنا يدافعون بكل بسالة بالحجارة والرصاص، لكن المدرعات كانت صلبة جدًا كأقوى كائن على وجه الأرض… واشتعلت الانتفاضة لحماية قلب فلسطين هناك في تلك الرقعة شامخًا، الأقصى أسير الظلم.

سألت والدي يومًا، وبستاننا قد عشش في مخيلتي، وضرب جذوره في قلبي: لماذا وطننا؟ لماذا فلسطين؟ وضاع السؤال بين عتمات الظلم والاستبداد.

بلدتنا أخذوها، بيوتنا هدموها، جعلوها حجارة كالرميم… لم أستطع أن أحتمل… أم يأخذون طفلها بدون إنسانية، ويقتلونها، أمام عينيه… أخذونا مسيرة أيام إلى مكان غريب،في خيام وضعونا… أصبحنا ننتظر اللقمة لنسد رمقنا، لاجئين سمونا.

وفي ليلة من ليالي أبريل (نيسان) داهموا خيمتنا، أخذوا أبي تاركين أمي في سلسلةٍ من الدموع، أما أنا فذهبت لاحقًا إياه… إلى أين تأخذونه! وضعوه على حائط مع رجال مخيمنا… أطلقوا عليه الرصاص؛ لتستقر في قلبه… أبي… أبي… حدثني يا أبي، قتلوه وهجرونا… دمرونا، أمسكت حجرًا رميته عليهم؛ ليأخذوني مع مجموعة من الأطفال ممن قُتل أهلهم أمام أعينهم… إني أكرهكم… أكرهكم.

خرجت من المعتقل، ذهبت إلى أمي بعد ثلاث سنوات من ألوان العذاب والجلد القاسي… خرجت لأرى أمي، ونور الشمس من جديد… لأكون في السادسة عشر. خرجت مع أصدقائي عازمين على الانتقام، وبينما نحن في خضم التحضير، سمعنا إطلاقًا للنار، على امرأة في الستين من عمرها، أخذوا ابنها فصرخت فيهم، فإذا بهم يطلقون رصاصة تستقر في قلبها فتخرُّ أرضا… يالقساوة المشهد!

ضربناهم بالحجارة والسكاكين، أطلقوا الرصاصة وفروا خائفين، اجتمعنا مع جميع شبان الحي لتنفيذ خطة عسكرية، لنساعد المرابطين الشجعان في ساحات الأقصى، وبينما نحن كذلك اجتمع أربعة رجال من العدو المتغطرس، نحوَ فتاةٍ عفيفة يريدونها، فذهب لهم محمد بكل شجاعة حتى خرَّ شهيدًا.

دخلنا المسجد من الداخل، بعد لحظاتٍ من الخوف… وبينما كان سامي يراقب بعينيه الثاقبتين، وقلبه يتراقص بين جوانحه، انطلقت رصاصة من يد جندي حقود لتستقر بقلبه الشجاع ليزَّف شهيدًا.

شيَعنا محمدًا وسامي، وفي اليوم التالي دبرنا العديد من الخطط لنبيدهم أجمعين، ومن ديارنا نخرجهم وقتل العديد من شبان فلسطين، لترتوي أرضها الطاهرة بهم. دعانا خالد للغداء، وفي أثناء تناولنا للطعام، داهمتنا مجموعة من العدو الغاشم، دافعنا لآخر رمق… استشهد أنس ثم…

قتل أحمد، هذا الفتى الشجاع؛ لترتوي أرض فلسطين من دمه الشريف… من سنة 1948 إلى يومنا هذا ومئات، بل آلاف الشهداء يسقطون على هذه الأرض حاملين الأمل بالتحرير، فلا زال على هذه الأرض ما يستحق الحياة، وأولى القبلتين تنتظر الجيوش متأملة بجيل ينقذ الأمة.

وبالحق أنزلناه وبالحق نزل، فتعالى الله الحق عما يؤمنون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد