صرخة من الأعماق

«ألْعَدَاو أَعِبَاد اللَّه»! صرخة من الأعماق

كما هو الحال في جميع أقطار العالم تتشكل بعض العبارات الشعبية المأثورة التي ينحتها الواقع بتقلباته المريرة وحمولته الثقيلة المثقلة لأظهر الشعوب المكلومة، وخصوصًا في العالم الثالث حيث الشعوب المقهورة المغيبة التي تغرق في محيط الهشاشة الاجتماعية والفقر والبطالة… أو قل الشعوب الغارقة في نسب الاستبداد الذي شخصه الكواكبي بدقة حينما قال: «لو كان الاستبداد رجالًا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: أنا الشر وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضر، وخالي الذل، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي وحياتي فالمال المال المال»(1)، فأينما حضر هذا الشبح – الاستبداد – إلا وخيم الظلم الاجتماعي على الناس وانصرفت الحرية إلى حال سبيلها كأن لم تكن، وهذا الواقع الشديد هو الذي يدفع الشعوب للهروب إلى التورية والتنكيت والسخرية المقنعة، التي تعبر عن واقعهم المرير البئيس، فينحتون عبارات مركزة دقيقة وذات حمولة دلالية واسعة، ومن ذلك ما سطرته أعلاه عنوانًًا: «ألعداو أعباد الله» قطعة عبارية مغربية النحت، فما المقصود بها؟ وما عملها؟

بداية أحدد سياق الكلام والسبب الذي لفت انتباهي إلى هذه العبارة المتداولة في اللسان العامي المغربي، وهو أنني شاهدت شريط (فيديو) قصير على مواقع التواصل الاجتماعي لمواطن مغربي من سكان الهامش أو المغرب العميق، وهو على سطح منزله المتواضع بإحدى القرى أو البوادي المغربية، ونظرًا للأحوال الجوية الشديدة التي عرفها البلد في الأيام الماضية القليلة، فقد غطت الثلوج سطح منزله البسط ليرتفع سمك الطبقة الثليجة على سطحه إلى متر وزيادة، كما غطى كل حجرات بيته وفناء المنزل، فشُلَّت الحركة والحياة عندهم، وكما هو الحال عند المعذبين في الأرض جميعًا في مثل هذه الأوضاع القاسية، شمر الرجل عن ساعديه وصعد إلى السطح وبمجرفته اليدوية البسيطة استهل العمل في إزاحة طبقة الثلج السميكة المستقرة على سطح منزله، لكن الأمر أعقد من أن تحله مجرفة يدوية ويد واحدة!

وفي مسعاه النبيل هذا في فك العزلة عن نفسه وأسرته يتمتم ويغمغم بكلمات ويفصح بأخرى مستنكرًا الوضع ولا مسؤولية المسؤولين، ويشجب تلاعباتهم بمصالح الناس الذين صوتوا لهم في الانتخابات ووثقوا فيهم، ويذكرهم بوعودهم الفارغة وأنهم يبيعون الوهم للناس فقط! ومتعجبًا مستغربًا كيف أن المنتخبين غدًا أو بعده سيحضرون هنا وهم في كامل أناقتهم للترغيب في التصويت لهم بلا خجل ولا حياء! وفي خضم هذا المشهد الذي يجمع العمل والاستنكار، تنطلق صرخة «ألعداو أعباد الله» المنبعثة من أعماق الرجل لتمزق هدوء الطبيعة ويتردد صداها في الأرجاء، صرخة وأي صرخة؟ يحس كل من طرقت سمعه بعمق جراح مُرسلها وحجم الألم والمعاناة التي يتخبط فيها، فهي صرخة كلِّ إنسان مهضوم الحقوق وفاقد لكل الضمانات الاجتماعية الواجبة لكل إنسان في هذه الحياة، أو كما قال الشاعر المصري علي محمود طه في قصيدته «عاصفة في جمجمجة» :صرخة في الكون دوَّت! يا لها // خلعت أصداؤها قلب الزَّمن.(2)

نعم هي كذلك، صرخة مدوية تهز كل حي يحس بآلام البؤساء المحرومين من أبسط ما يلزم لكل كائن موجود، صرخة تلخص كل شيء كتقرير شامل عن الوضع والحال في جميع المجالات، صرخة محملة بكل معاني ومرادفات الاستنكار والشجب والاستياء والتبرم والانزعاج.

فهل من مدرك لهذا الحال؟ هيهات هيهات فالواقع يُفصح عن غير ما ينبغي أن تسير وفقه كل إرادة سياسية حقيقية للتغيير! الإرادة السياسية غائبة ومعها يغيب كل أمل في غد أفضل ومستقبل مشرق، فليسُد التشاؤم ممتص الصدمات، ولتتزاحم غيومه السوداء في سمائنا، ليتشكل الجو المناسب لنصرخ نحن بدورنا «ألعداو أعباد الله».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد