الانقلاب العسكري في 3 يوليو (تموز) لم يكن محض صدفة، ولم يكن تلبية لنداء الشعب، ولم يكن تصحيحًا لمسار الثورة، ولم يكن اندفاعًا تلقائيا للقوات المسلحة لحماية مصر، ولم يكن وليد يوم 30 يونيو (حزيران)، بل كان مدبرًا ومُحاكًا من قِبَل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهذا ما ثبت بعد مرور ثلاثة أعوام على هذه الواقعة، ولم يكن يملك أحدٌ شكًّا بأن هذا لن يثبت؛ وذلك ببساطة لأن الحقيقة لا يمكن أن يخفيها أحد – مهما فعل – للأبد، هذه سنّة الحياة، وهذا ما يؤكده لنا التاريخ.

ومن الأشياء التي ثَبُتت بعد مرور هذه الأعوام هي الغباء غير المتناهي للقوى السياسية برمتها؛ فمرسي والإخوان لم يكونوا القوى السياسية الوحيدة التي حظيت بنصيب من اللوم على الغباء السياسي المتمثل في الانعزال عن الشارع في أثناء فترة حكمهم، وعدم إصغائهم لمطالب البسطاء والاستهانة بهم؛ فكثير من الإخوان – أي الرئيس وقيادات حزبه – كانوا يظنون أن من يعارضهم هم قلة قليلة، وأن من وقعوا «استمارة تمرد» أعداد واهية، وأن يوم 30 يونيو (حزيران) سيمر مرور الكرام، دون حدوث أي شىء، ولكن ذلك لم يكن صحيحًا، وحدث ما حدث.

كذلك كانت القوى السياسية المعارضة المتمثلة في «حزب الوفد» و«جبهة الإنقاذ» وغيرهم من الكتاب والسياسيين، كباسم يوسف، وإبراهيم عيسى، وعلاء الأسواني، ووائل غنيم، وعمرو حمزاوي، فهؤلاء فاق غباؤهم السياسي كل شىء، وتعدى كل الحدود، وأفضى بنا إلى واقع مزرٍ يعاني منه الكل الآن، حتى هم أنفسهم، فمعظمهم الآن إما طريد، وإما معتقل، أو نادم، أو معارض.

صدع هؤلاء رؤسنا بالحرية والليبرالية والديمقراطية عقودًا طويلة، وعندما أتاح لهم مرسي مساحة يمارسون فيها ما بدا لهم من نقد وهجوم يصل أحيانًا إلى حد التطاول والبذاءة، انقلبوا عليه وعلى مبادئهم نفسها التي يزعمون في كل مناسبة، أنهم سيطبقونها إذا وصلوا للحكم.

صباحي والبرادعي وأمثالهما هم من أعطوا للانقلاب غطاءً شرعيًا مكنه من تثبيت أركان حكمه، ولولاه لكان هذا الانقلاب انتهى منذ أول لحظة كما حدث في تركيا، ولكن الطمع في الوصول للحكم بأية طريقة، سواء كانت شرعية أو لم تكن شرعية، كان هو الدافع الوحيد لهؤلاء، والمحرك الوحيد الذي يجرهم إلى تنفيذ أي شيء، والدليل على ذلك ما حدث عندما تولى البرادعي منصب نائب الرئيس، وسعى حمدين لتولي الحكم بترشيح نفسه في الانتخابات الهزلية التي أجريت وعُرف الحُكم مسبقًا.

ولكن لا أنكر أن كثيرًا من هذه القوى السياسية، كباسم يوسف، والأسواني، ووائل غنيم، وعمرو حمزاوي، أقدموا على تأييد الانقلاب، ولم يكن هدفهم منصبًا أو سلطة، ولكن كان هدفهم هو إسقاط أيديولوجية الإخوان والإسلاميين عمومًا وإزاحتهم عن الحكم بأية طريقة، وأية وسيلة، حتى ولو كانت هذه الطريقة انقلابًا مسلحًا. كان هدفهم هو إعلاء كلمة الليبرالية التي تقضي بأحقية أي حزب للوصول إلى الحكم من خلال انتخابات نزيهة. الليبرالية التي تقضي بأهمية احترام حقوق الآخرين، واحترام حرياتهم في اختيار رئيسهم. الليبرالية التي تجرِّم استخدام القوة في فرض أي شيء على الشعوب. كانوا يريدون تطبيقها باستخدام القوة! فأي انفصام هذا؟ وأي تناقض هذا؟ وأية ازدواجية هذه؟

ولكي يتخلص هؤلاء من الشعور بالازدواجية والتناقض، ويناموا مرتاحي البال قاموا بوضع فترة حكم الإخوان تحت المجهر، وهوّلوا من أي شيء يقوم به مرسي؛ ليصنعوا منه جريمة، ويبرروا تأييدهم للعسكر؛ فالأسواني مثلًا في كثير من تغريداته على موقع «تويتر» يلصق الجرائم، كالاعتقالات، والتعذيب الممنهج في السجون، والفساد المستشري في أركان النظام، ومؤسساته بالإخوان! ووائل غنيم كثيرًا ما يصف مرسي بالديكتاتور المستبد الذي انفرد بالحكم وحده، ولم يشرك أحدًا من القوى الثورية معه، واحتكر الحكم لصالح الإخوان فقط، ولا أعلم أين كان غنيم عندما دعا مرسي لحوار حول مشكلة سد النهضة! وحوار حول الإعلان الدستوري! وعندما دعا البرادعي لنقاش حول الدستور ورفض! وعندما عرض على صباحي – على حد قول حمدين نفسه – منصبًا ورفض! وعندما شكل حكومة لا تحوي سوى ستة أو سبعة وزراء إخوان، وأكثر من ثلاثين وزيرًا من تيارات أخرى؟ وعندما جعل أربعة من مساعديه من الإخوان، وأكثر من خمسة عشر مساعدًا من تيارات أخرى؟

ماذا سيفعل وائل غنيم الآن أمام نظام فاشٍ مستبد يعتقل المعارضين ويعذب الشباب في السجون؟ ماذا سيفعل الآن أمام الخطة الممنهجة لإرجاع كوادر الفساد في عهد مبارك للساحة السياسية مرة أخرى؟ ماذا سيفعل الآن أمام الغلاء الذي يزداد يومًا بعد يوم، ويقصم ظهور الفقراء، ويزيد من معاناتهم، ويقلب حياتهم إلى جحيم؛ فيجعلهم يتمنون الموت في ظل حكم نظام يراهم مرفهين وأغنياء، ويدعوهم للزهد والتقشف والرضا بشظف العيش؟ أتمنى أن يخبرنا هو وأصدقاؤه ماذا نفعل الآن، بعدما عزلنا مرسي وقتلنا أنصاره ومؤيدي شرعيته في رابعة والنهضة ورمسيس ومسجد الفتح، وألقيناهم في السجون والمعتقلات، هل اكتفى صباحي بهذا القدر من المحاولات المريرة للوصول للحكم أم لم يكتفِ بعد؟ هل وصل حمزاوي والبرادعي والأسواني إلى مبتغاهم لتحقيق الليبرالية أم ليس بعد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عدو
عرض التعليقات
تحميل المزيد