أُطلق مصطلح المدرسة الإنجليزية على مجموعة من الباحثين والأكاديميين البريطانيين ظهرت في السبعينات، كما بقيت التسمية مرافقةً لكل من تأثر بآراءهم لاحقًا. ويتميز أصحاب المدرسة الإنجليزية بأنهم يتخذون من المجتمع الدولي الوحدة الأساسية في تحليلههم للعلاقات الدولية، فهم بذلك يختلفون عن أصحاب كل من المدرسة الواقعية، أو المدرسة الليبرالية، حيث يرى البعض أنّ ظهور المدرسة الإنجليزية جاء كنتيجة للحوارات والنقاشات بين تلك المدرستين الرئيستين.

يُعتبر كل من هيدلي بول، مارتن وايت، جون فينسنت، وآدم واتسون من أهم الأعلام المؤسسة للمدرسة الإنجليزية، أما إعادة إحيائها فقد كان في مطلع القرن الجديد على يد باري بوزان وريتشارد ليتل، والعديد من الأكاديميين الآخرين.

تقوم فكرة المجتمع الدولي التي تروج لها المدرسة الإنجليزية على فكرة أن مجموعة الدول ذات السيادة استطاعت، على الرغم من الفوضى التي تسود البيئة الدولية، من أن تكوّن نظامًا لعلاقاتها، وأن تحدّ من كمية العنف وتحقق حدًا أدنى من النظام والثقة، وهو الأمر الذي يمكن أن يكون بدايةً لشيء أفضل في المستقبل، وعلى الرغم من هذه النظرة التفاؤلية، فإن المدرسة الإنجليزية لم تنفصل عن الواقع، بل يمكن القول إنها تموضعت في منتصف الطريق بين الواقعية والمثاليًة؛ بهدف إيجاد فرص للعمل على تطوير المجتمع الدولي. ويمكننا أن نلحظ أن وايت نفسه قد وصف المدرسة الإنجليزية بأنها عقلانيّة وتحاول أن تجد حلًا وسطًا بين الواقعيّة والثوريّة.

يرى وايت أن الواقعيّين، بمن فيهم الواقعيين الجدد، قد غيّبوا أي أمل لتطور بيئة العلاقات الدولية باتجاه الأفضل؛ لأنهم جعلوا الأخلاق مقتصرةً على السياسة المحليّة فحسب، أما في مجالات السياسة الدولية فلم يتخلوا عن نظرتهم المتعلقة في بحث الدول عن الأمن ومراكمة القوة والمصالح القومية، وهو الأمر الذي من شأنه أن يغيب أي مشروع أممي قائم على أيجاد بيئة دولية تنعم فيها الدول بالاستقرار. ولهذا فإن نظرتهم المتشائمة قد جاءت بعكس الواقع؛ لأن الدول استطاعت بالفعل أن تقطع شوطًا طويلًا باتجاه إنشاء مشروع أممي.

أما بالنسبة للنظرة المثالية (اليوتوبية) فقذ لاقت أيضًا نصيبها من النقد في المدرسة الإنجليزية، لأن المدرسة الإنجليزية افترضت بشكل مماثل للواقعيين أن الفوضى هي المحدد الرئيسي للبيئة الدولية، ولهذا فإن التفاؤل الذي يتمتع به المثاليّون مبالغ فيه نسبيًا نظرًا لأن حالة الفوضى تلك تشكل عائقًا كبيرًا أمام مشروعاتهم.

وهكذا نجد أن المدرسة الإنجليزية قد وضعت لنفسها وظيفة أساسية تتمثل بإيجاد احتمالات تطوير المجتمع الدولي، من خلال التقريب بين وجهات النظر الواقعيّة المحافظة، وبين وجهات النظر المثاليّة الراديكالية.

المجتمع الدولي من القوة إلى النظام

بقي وايت والآخرين يحاولون إيجاد التفسيرات للحالة التي وصل إليها المجتمع الدولي والتي تمثل انتظامًا في العلاقات بين المجتمعات السياسية المستقلة على الرغم من أنّ الفوضى تسود العالم، وقد عزا ذلك إلى أن التجارة قد خلقت نوعًا من التقاربات بين الشعوب، ولكنّ هذه التقاربات بقيت محكومة بالاختلافات الثقافية واللغوية بين المجتمعات، أما زميله بول فقد ارتأى أن إيجاد مجتمع دولي لا يحتاج إلى تماثل لغوي، ثقافي، أو حتى ديني. حيث إن جملةً من المصالح المشتركة والقيم المشتركة أفضى إلى تشكيل لبنة اجتماعية، وبوجود بعض القوانين لتحكم علاقات أفرادها تمكنت من أن ترقى لتصبح مجتمعًا دوليًا. وتبعهم جون فنسيت ليقول أن المصالح المشتركة أهم من القيم المشتركة؛ لأن المنهج النفعي ينصّ على أن الدول أصحاب المصالح يمكن أن تطور سياسة ثقافية مشتركة وهو ما نطلق عليه اليوم: الأعراف الديبلوماسية، حين تتطلب مصالحها ذلك.

إن أحد نقاط الخلاف الرئيسية بين الواقعيين والمدرسة الإنجليزية هي أن أصحاب المدرسة الإنجليزية يعتقدون أن الدول لا تحتاج أن تسلّم سيادتها لسلطة أعلى بغرض إنشاء مجتمع دولي وهذا ما لا يمكن للواقعيين أن يتقبلوه. فبالنسبة لأصحاب المدرسة الإنجليزية فإن مجموعة الدول ترغب اختياريًا بإرساء قواعد تنظم علاقاتها، ليحل التحضّر مكان استخدام القوة في علاقاتها الخارجية.

ولكنّ أنصار المدرسة الإنجليزية بنفس الوقت لا يتفقون مع المثاليين من أمثال كانط الذي يفترض أن وجود أيديولوجية واحدة متماثلة لكل الدول هو شرط أساسي لإقامة المجتمع الدولي، بل يعتبرون أن الخلافات الايدولوجية هي جزء في بناء المجتمع الدولي الذي يتم من الداخل للخارج ومن الخارج للداخل في آن معًا (أي أنه يتأثر بحالة الفوضى الخارجية، وبالأيديولوجيات الداخلية للدول على حد سواء) وهذا ما يجعله يبني نظامًا أو معيارًا مقبولًا من قِبل أعضائه كافةً.

النظام والعدالة في العلاقات الدولية

تبقى دراسة عملية التحول من النظام الدولي إلى المجتمع الدولي وكل ما يحيط بها من معايير وأخلاقيات إحدى الاهتمامات الرئيسة للمدرسة الإنجليزية، حيث نجد أن بول لم يكتفي بالتفريق بين النظام الدولي والمجتمع الدولي وحسب، إنما فرّق بين أكثر من نمط من المجتمعات الدوليّة بحسب درجة العدالة وشكل النظام الذي يحكمها.

إن أحد أهم أسباب هذا التمييز هو نقطة الخلاف بين النظرة الأحادية (Solidarism) والنظرة التعددية (pluralism) في المدرسة الإنجليزية، حيث أن النظرة الأحادية والتي تعتمد على أحكام القاضي هوغو غروتيوس أحد أبرز الأعلام المؤسسين للقانون الدولي، والتي ترى أن الحدود الفاصلة بين الحرب المبررة والحرب غير المبررة هي حدود واضحة، وأن التدخل لحماية المدنيين في حالات انتهاكات حقوق الإنسان هو حق مشروع لأن هؤلاء المدنيين يخضعون للقانون الدولي بصفتهم أفرادًا ، وعلى النقيض فإن النظرة التعددية والتي طورها مجموعة من الحقوقيين ترى أن الدول هي التي تقرر متى يتوجب أن يخضع أفرادها للقانون الدولي وأن العملية يجب أن تكون توافقية، وليس أحادية الجانب، حيث إن النظام وتوازن القوى يجب أن يسبق العدالة لأن العدالة في العلاقات الدولية لم تصبح قابلة للتحقق إلا عند صون هذا النظام المعتمد على توارنات القوى.

وبناءً على هذه النظرة فإن بول يرى أن إحلال النظام دائمًا ما يأخذ الأولوية عند مقارنته بالعدالة لأن تحقيق العدالة هو شرط لا يمكن تحقيقه بدون إحلال النظام. لهذا فإن نظامًا أحادي القطب لا يعتمد على توازنات القوى سوف ينتج تدخلًا غير مشروع كما حصل في العراق على سبيل المثال.

لهذا فإن البيئة الدولية تميل دائمًا للنظرة التعددية لأنها الأجدى في إحلال النظام، وهنا يشير بول إلى أن الجهود الذي تبذلها الدول الغربية في محاولتها لفرض الديمقراطية وحقوق الإنسان يمكن أن تؤدي إلى نتائج عكسية وتدمر نظام المجتمع الدولي. ليأتي جون فينسنت فيما بعد ويصحح هذه الفرضية حيث يقول أن حقوق الإنسان يجب أن تكون عرفًا دوليًا ومتبعًا من قبل كل تلك الدول وأن بعض الانتهاكات يمكن أن تكون فظيعةً جدًا، وهذا ما يشرع حق تدخل المجتمع الدولي لإيقافها. فيما ظلّ بعض رواد المدرسة الإنكليزية الجدد يشيرون إلى أن التدخل قد يكون خطيرًا؛ لأنه قد يضر بتوازن القوى بين القوى العظمى مما قد يؤدي لنشوب حرب عالمية جديدة.

يبقى هذا النقاش قائمًا ما بين أنصار الأحادية وأنصار التعددية في المدرسة الإنجليزية ويتفق المعظم على ضرورة إيجاد صيغة أكثر توافقية بين الغرب والدول الأخرى بحيث يشارك الجميع في وضع محددات الشرعية الدولية.

توسّع المجتمع الدولي: الثورة على الغرب

بقيت الدول الغربية مهيمنةً على مفهوم المجتمع الدولي حقبةً طويلةً من الزمن، لأن تلك الدول بكل بساطة هي الدول المؤسسة للنظام الذي أدى لنشوء هذا المجتمع، كما الدول الغربية بقيت تملك شكوكًا حول إعطاء دول كانت في السابق مستعمرات تابعة لها حقوقًا سيادية متساوية. ولكن دول العالم الثالث لم تكف عن المطالبة بحقوقها في سيادة متساوية وهذا ما أطلق عليه بول الثورة على الغرب والتي تلخصت في خمس نقاط أساسية، أولها الصراع للحصول على حقوق سيادية متساوية، وثانيها الثورة السياسية على المفاهيم الغربية، أما النقطة الثالثة فكانت محاولة إلغاء فكرة تفوق الرجل الأبيض (The White Man Suprimacim).

وبالنسبة للنقطة الرابعة فقد كانت الثورة الاقتصادية ضد هيمنة التجارة ورأس المال الغربيين، أما النقطة الخامسة فقد كانت الثورة الثقافية ضد الاستعمار الغربي الثقافي، وهي مفهوم رديف لما أطلق عليه الباحث صامويل هانتيغتون صدام الحضارات والذي اعتبر بموجبه أن كلًا من الحضارة الصينية والحضارة الإسلامية تمثلان تهديدين على القيم والمنظومة الغربية.

وهنا يعتبر أنصار المدرسة الإنجليزية أن النظام الدولي يحتاج لإحداث تغييرات جذرية، إذا ما أراد أن يحتوى تلك الثورة على الغرب ضمن بوتقة مجتمع دولي مستقر، ولكن وفي نفس الوقت فإن العديد من تلك الدول أثبتت فشلها في الحكم وانتهاكاتها لحقوق الإنسان تجاه مواطنيها أولًا وهو الأمر الذي زاد حدة الانقسام بين أصحاب النظرة الأحادية وأصحاب النظرة لتعددية والذي تم شرحه آنفًا.

إحداث التقدم في العلاقات الدولية

يفرض التقدم الذي أحرزته البشرية في مجال العلاقات الدوليّة أجندة جديدة تكون الدول القومية بموجبها (عملاء محليين لتحقيق النفع العالمي المشترك)، هذا ما دفع بأنصار المدرسة الإنجليزية إلى الدعوة لإيجاد أطر حوكمية جديدة تشمل ثلاث مستويات أساسية

· دون وطنية (Sub-national) يتم بموجبها تنظيم الجماعات التي تؤلف بمجموعها الدولة القومية.

· وطنية (national) وهي المسؤولة عن تمثيل الدولة القومية ومصالحها بالدرجة الأولى.

· فوق الوطنية (Supra-national) وهي المسؤولة عن تمثيل الفرد في المحافل الدولية، وتمثل بمكوناتها المجتمع الدولي الذي تتخذه المدرسة الإنجليزية وحدة تحليل أساسية.

حيث يشددّ أنصار المدرسة الإنجليزية إلى أهمية الموازنة بين المستويات الثلاث، وأن لا تتخذ أي من الأطر السابقة سيادةً مطلقةً تنفي بموجبها دور الأطر الأخرى، لأن آلية الحوكمة بمستوياتها الثلاث يمكن أن تكون كفيلةً بتنظيم المجتمع الدولي وسط الفوضى التي تسود البيئة الدوليّة.

تحليليًا تقوم المدرسة الإنكليزية بالتشديد على قصور كل من الواقعيّة والمثاليّة، ولهذا السبب فإنها توجد الطريق الوسط بينهما وهو العقلانيّة الإصلاحية المتفائلة التي تراعي التوازن بين مفهوم السيادة الوطنية ومفاهيم القيم الدوليّة، كما أنها تراعي نظام التوازنات، مع ضمان تحقيق الحد الأدنى من العدالة الدوليّة.

وهكذا نجد أن رواد المدرسة الإنجليزية قد نجحوا نسبيًا في إيجاد نظرية دولية تقدم مفهومًا جديدًا، من خلال تحليل وحدات جديدة في العلاقات الدوليّة كان من سبقهم قد أغفلها، كما أنهم اتخذوا دور الوسيط بين الواقعيين والمثاليين بغرض وضع حجر أساس أكثر براجماتية في التنفيذ، تُقسم البيئة الدولية بموجبه إلى ثلاثة مستويات، ويتم فيه مراعاة كيفية التحول من حالة النظام الدولي إلى مجتمع من الدول، ومن ثم إلى مجتمع عالمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!