البعض منًّا يظن أن المرأة العربية وحدها التي كانت تُعاني، ولكن الحقيقة هي أن المرأة في الكثير من الحضارات غير العربية كانت تعاني أيضًا.

فامرأة بابل كان العرف يفرض عليها المكوث في البيت واقتصار وظيفتها على إنجاب الأولاد وتربيتهم، وتوفير الراحة والسعادة لزوجها، كانت مهانة مقارنة بالرجل آنذاك، مهانة للحد الذي يسمح للرجل فيها أن يرهن زوجته عند دائنه حتى يؤدي دينه، ويحق له أن يبيعها أو يلقيها في الماء لتموت غرقًا إذا شك في تصرفاتها، أو إذا ثبت أنها خائنة، أو أن يبقيها جارية عنده، أو يستثمر ويتاجر بها عند افتقاره للمال، فقد كانت مملوكة كأنها سلعة لوزوجها وأبيها أيضًا.

ومن الأمور المهينة للمرأة أنها لم يكن لها الحق بأن ترث زوجها بعد موته، إذ تصبح التركة كاملة للذكور وحدهم بوصفهم امتدادًا لاسم العائلة، وتبقى رهينة بالبيت حتى تموت، وإلا تعرضت لعقوبة الموت غرقًا، لكن لماذا عقوبة الغرق بالتحديد؟

لاعتقادهم أن إله النهر إله عادل لا يظلم أحدًا وسينقذها من الغرق إذا كانت بريئة.

كان الزنا منتشرًا عند أهل بابل ولكنه كان مرتبطاً بالدين؛ أي إنه متاح لبعض الأشخاص الدينيين، حيث تقدم الفتاة جسدها وبكارتها لرجل غريب قبل استسلامها لزوجها، وبهذا العمل تتقرب من الآلهة.

وقد انتشرت هذه العادة عند جميع نساء بابل، حيث كانت كل فتاة تسلم جسدها لغريب مرة واحدة كما يقول هيروتس ونترايون، حيث كان يحضر الغريب أي أن «يحضر أمام النسوة ويلقي بقطعة من النسيج على ركبتي من يكون قد وقع اختياره عليها، ولم يكن لهذه بدٌّ من اللحاق به»

ومن الواضح أن البغاء قد انتشر في المجتمع البابلي بشكل واسع، لدرجة أن البغاء كان يحدث في ظل الإلهة «عشتار»، وهو إلهة الحب والجمال والشهوة والإنجاب، حيث تذهب النساء إلى هيكل الزهرة، ليستعرضهن الرجال، ومن أعجبته واحدة منهن ألقى لديها قطعة من الفضة فتسلم نفسها إليه.

أما المرأة في الحضارة الآشورية كانت تعيش في عبودية تامة، وكان والدها يحكم سيطرته الكاملة على تفاصيل حياتها، فكان من المحرم عندهم آنذاك أن تخرج المرأة من بيتها دون إذنه، ولا تستطيع الزواج من دون رضاه، وبالوقت ذاته بإمكان والدها أن يجبرها على الزواج ممن يريده هو، كان يتم استعباد المرأة الآشورية للحد الذي إذا تمت خطبتها ودُفِع مهرها ثم مات خطيبها، انتقلت ملكيتها إلى والد خطيبها الذي من شأنه وقتها تزويجها لمن يريد، وعاشت أيضًا المرأة الآشورية الظلم والاستعباد ذاته الذي عاشته المرأة البابلية.

أما المرأة الهندية فقد ظلمتها شرائع وقوانين مانو؛ إذ كان الهنود القدماء يعتقدون أن سبعة من الملوك المؤلهين كانوا قد حكموا العالم في الماضي، وأن الإله براهما كان قد أوحى إلى أول هؤلاء الملوك بهذا القانون وهو مانو، ثم نقل الملك مانو أحكام وشرائع هذا القانون إلى الكهنة الذين حفظوه وتناقلوه جيلًا بعد جيل، ثم دوَّن في كتاب ضخم باللغة السنسكريتية وهي اللغة الهندية القديمة، وأرجع المؤرخون هذا القانون إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

فعندما ساد اعتناق ديانة مانو وبوذا في الهند صيغت قوانين في المجتمع الهندي بما يخص المرأة ومنها:

وضعت تعاليم مانو المرأة الهندية في مكانة منحطة وتعيسة، وعدَّها مانو جسدًا يوشك ألا يكون فيه روح، فلا يحق لها الاستقلال في أي شأن من شؤون حياتها دون الرجل، سواء كان والدها أو زوجها أو ابنها.

كانت المرأة متاعًا ليس إلا، جسدًا لا يُعترف بحقوقه ولا اعتداد بروحه ونفسه ووجدانه، فلا يحق لها أن تتطلق من زوجها حتى لو أصيب بالجنون أو الشلل أو أي مرض معد، وبالوقت ذاته يحق للزوج أن يطلق زوجته لخيانتها الزوجية، ومن حقه أن يتزوج غير زوجته إذا شربت خمرًا أو مرضت، أو إذا كانت مسرفة، وبطبيعة الحال يستطيع الرجل تلفيق أيه تهمة إذا أراد الزواج من امرأة ثانية، وعند وفاة الزوج تتقيد المرأة بالسلاسل وتحرق معه في الأتون نفسه.

كان الرجل الزوج بالنسبة للمرأة بمثابة الإله لدرجة أنها كانت تخاطب زوجها: يا مولاي، ويا سيدي، ويا إلهي.

كان رجال طائفة البراهمة يختارون زوجاتهم من خارج مجموعاتهم العائلية، وكان لهم الحق أن يتزوجوا أي عدد من الزوجات دون قيد، ولكن واحدة منهم لها السيادة على الأخريات.

أما المرأة الصينية فقد كانت تتشارك المعاناة ذاتها مع المرأة العربية التي عاشت في العصر الجاهلي في مسألة الوأد، لكن الفرق هنا بالإضافة إلى أن الرجل الصيني كان ينتابه الضيق والغم عند تبشيره بالأنثى، كان يأخذ ابنته وينزل بها إلى السوق ليبيعها بثمن بخس، إلا أنه في الغالب لا يشتريها أحد، فيعرضها مجانًا على أي شخص، فإذا لم يبعها أو يعطها لأحد فكان يذهب إلى أقرب منطقة زراعية فيخنقها أو يلقيها بالماء، أما إذا قرر أن يكون رحيمًا بها يتركها في البراري لتتغذى عليها الحيوانات المفترسة.

أما إذا قدر لها أن تعيش فستكون تابعة بالكامل للرجل، ومن حق الزوج أن يطلب من زوجته حرق نفسها بعد وفاته، بينما لا يفعل هو ذلك حتى لو ماتت قبله، وفي حال لم يطلب منها أن تحرق نفسها بعد موته فلا يحق لها أن تتزوج بعد وفاة زوجها، وكان يحق للزوج أن يتزوج غير زوجته وأن يطلقها لأتفه الأسباب، بينما لا يحق لها أن تفعل مثله.

لقبت المرأة في الكتب الصينية القديمة بـ«المياه المؤلمة» أي التي تغسل المجتمع من السعادة والمال.

انتشرت في الصين عادة تكسيح أقدام الفتيات الصغيرات حتى يبقين عديمات الحيلة، فقد كانوا يشلُّون أقدام الفتيات الصغيرات في سن مبكرة، فقد كانوا يلفون شريطًا طويلًا من القماش حول قدم الفتاة بحيث لا تظهر أطرافها، ثم يجري تقييد قدميها بالكامل بإحكام لتتوقف الدورة الدموية فيها ويتأخر نموها، وبعدها تصبح القدم عبارة عن كتلة لحم مشوهة بعظام مكسورة.

وأما عن الزنا فقد فكانت الفتيات الصينيات يتسابقن إلى الكهنة لينلن شرف مضاجعتهم؛ لأنهم يمثلون الآلهة. وكان الزنا في الهند مقصورًا في المعابد، فكان يوجد نساء يطلق عليهن «خادمات الله» وهنّ مجموعة من النساء الساقطات اللاتي يستخدمن المعبد في بداية الأمر للرقص والغناء أمام الأوثان، ولكنَّهن وسعَّن خدماتهنّ لتشمل كل من يدفع أجرًا شرط أن يدفعن جزءًا منه لهؤلاء الكهنة.

أما المرأة اليابانية فقد كانت وما زالت تُربى على الطاعة المطلقة لأبيها وزوجها وابنها الأكبر في حال وفاة زوجها، أما مقولة «اليابان جنة الرجال» فما هي إلا دليل على مدى ما يتمتع به الرجل الياباني من القوة والسلطة والسيطرة في المجال الأسري والاجتماعي.

كانت الفتاة اليابانية تعامل على أنها أقل شأنًا من الرجل الذي كان بيده السلطة المطلقة، وبالذات الأب الذي كان يحق له بيع بناته في سوق النخاسة أو سوق الدعارة.

ومن العادات القديمة عند اليابان أنه إذا تزوجت الفتاة يلبس أهلها اللباس الأبيض وهو لون الحداد؛ لأنها ستصبح عبدة في بيت زوجها، وإذا مات زوجها وجب عليها أن تظهر بمظهر بائس، فتقوم بحلق رأسها وتلبس ملابس رثة ورديئة.

والمرأة اليابانية شأنها شأن المرأة الصينية، فقد كانت تتسابق وهي في مرحلة الصبا إلى الكهنة ليفضُّوا لهنَّ بكارتهنّ لأن في ذلك شرفًا للتقرب من الآلهة.

أما بالنسبة لتعدد الزوجات، فكان الفقير يكتفي بزوجة واحدة، أما أبناء الطبقة الأرستقراطية يتزوج بقدر ما يشاء.

نلاحظ أن المرأة كان مُستغلَّة ومُستعبدة في الكثير من الحضارات، فقد كانوا يتاجرون ويستثمرون بجسدها، وينتهكون ويسلبون حقوقها، ويعاملونها كأنها سلعة مستعدة على الدوام أن يجري بيعها أو شراؤها، فقد كانت مهانة عند جميع هذه الأمم لكن تتراوح درجة إهانتها من أمة لأُخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد