من قرأ التاريخ المصري يعلم يقينًا أن الدين يشكل العنصر الأول في تكوينه الوجداني والحضاري، بل هو الهدف الأسمى الذي تتمحور حوله حياتهم؛ تلك هي أرض مصر التي امتزج ترابها بعشق الإيمان حتى صار الحديث عن أي اعتداء ديني على شعبها يشعل حممًا بركانية لا تنطفئ.

فمنذ بداية الحضارة المصرية القديمة بزغ فجر التوحيد والإيمان بالبعث بعد الموت والوازع الأخلاقي لضمير المصريين الديني، وتمحور بناء المعابد وحياة الفلاحين وحتى بناء الأهرامات لنفس الأهداف الدينية؛ تغيرت الدول وتبدلت الأديان وبقي الضمير الديني في وجدان عموم ذلك الشعب العريق يشكل حجر الأساس الذي لا غنى لهم عنه.

فما لبثت حلقاتهم التاريخية أن تدرجت حتى وصلت لدين المسيح فكان اعتناق المصريين للمسيحية على يد القديس مرقص في منتصف القرن الأول الميلادي بداية جديدة لدين وليد يهز أركان الوثنية وتعدد الآلهة وبطش الجبارين. أحبه المصريون وآثروه بمعتقداتهم الخاصة وأضروه ببعض المعتقدات، لكن بقي دينهم الأقرب لقلوبهم والذي خلعوا عباءة أديان الأجداد من أجله، حتى انقلب عليهم الحكام المحتلون والذين كانوا في البداية ليس لهم علاقة بديانة المصريين القديمة منذ احتل الرومان مصر عام 31 ق.م لكن بهذا التحول لديانة المسيح أخذ الرومان يسلطون جنود البطش والاضطهاد لإثناء المصريين عن دينهم الجديد؛ وكأنه لم يكفِهم نهب مصر وسرقتها والطغيان على شعبها وحكمه بالاحتلال القاهر، بل أرادوا أن يحولوا بينهم وبين قلوبهم وعلاقتهم بربهم. فاستمر الاضطهاد سنوات عديدة وكان ذلك ديدن الإمبراطورية الرومانية الوثنية التي اتخذت المسيحية عدوها اللدود لأنها جرأت العبيد على الأسياد وأذاقت الشعوب الذليلة نسمات العزة أمام حكم إمبراطور متجبر متأله، فلم يرضِ ذلك حكام الرومان ونالت مصر عذابًا مقننًا لشعبها مثل باقي الولايات الرومانية أو يزيد، نظرًا لأن المصريين إذا اعتنقوا دينًا جعلوه وجهتهم الحضارية وأدخلوه في كل تفاصيلهم ونبغ منهم أتباعه حتى أصبحت رموز التبشير بالمسيح من أرض مصر فتحًا مبينًا للقارة السمراء ولأوروبا نفسها، فكان من الطبيعي أن يثير ذلك حنقًا وغضبًا أكبر من قبل الطغاة المحتلين لشعب مصر وقادة ديانتها.

ثم بلغ الاضطهاد ذروته القصوى في حكم الإمبراطور دقالديانوس (284-305م) فقد رغب هذا الإمبراطور أن يضعه رعاياه موضع الألوهية، حتى يضمن حياته وملكه، فقاومه المسيحيون في ذلك، فعمد إلى تعذيبهم بأشد أنواع العذاب والظلم، فصمد المصريون لهذا الاضطهاد بقوة وعناد أضفى عليه صفة قومية، فلم يعتبر المصريون اضطهادهم دينىيًّا فحسب بل قمع محتل وبطشه بوطن بأكمله وصل به الطغيان أن يريد اقتلاع إيمانهم من قلوبهم. هكذا كانت المعركة وهكذا كان الصمود الأسطوري ضد الإمبراطورية الغاشمة التي يسيطر عسكرها على الأرض!

وقدمت مصر في سبيل عقيدتها أعدادًا كبيرة من الشهداء وسطرت ملحمة نضالهم ومقاومتهم في التاريخ الإنساني كصفحة ناصعة من تاريخ ذلك الشعب المؤمن المقهور؛ مما حمل الكنيسة القبطية في مصر أن تطلق على عصر هذا الإمبراطور «عصر الشهداء».

ورغم كل ذلك القمع والطغيان لم يستطع الرومان أن يقتلعوا إيمان المصريين أو يجعلوهم وثنيين أو حتى يردوهم عن المسيحية لدينهم المصري القديم؛ بل زادهم القهر إيمانًا وزادتهم السيوف والزيت المغلي إصرارًا على الشهادة في سبيل الله وإيمانًا أقوى بالمسيح الذي انتشرت تعاليمه في أرجاء البلاد من الشمال للجنوب دونما توقف، وشكل مذهب المصريين في المسيحية الديانة الأصلية القويمة ومنهم خرج آريوس المصري الذي رفض ألوهية المسيح أمام مجمع نيقية فيما بعد. ولكن هذا شأن لا تعتبره كنيسة اليوم إيمانًا صحيحًا مثل الكنيسة القديمة!

على كلٍّ لم يجد الرومان طريقة للسيطرة على ولايتهم المحتلة سوى عقد الهدنة الطويلة مع اختلاف الدين، بل أصبح الإمبراطور الجديد نفسه مسيحيًا وقالت مصادر كثيرة إنه اعتنق المسيحية من أجل السيطرة على التمرد للولايات وعقد الصلح مع من يحكمهم في هدوء تاقت له الإمبراطورية الرومانية بعد سنوات طويلة من الصراع. لكن اعتناق قسطنطين هذا للمسيحية كان بداية جديدة لنكبة المصريين رغم أنه تصالح مع مسيحيي العالم، وكان دخوله للمسيحية عهدًا جديدًا أضر الديانة الأصلية وأضاف إليها بعض عقائد الرومان بالقوة، وهنا بدأ عصر الاضطهاد المذهبي لمسيحيي مصر الذي استمر حتى نهاية الاحتلال الروماني ولم ينقذهم منه سوى الفتح العربي فيما بعد!

 

الاضطهاد المذهبي من الوثنيين القدامى لمسيحيي مصر

 

مع مشكلات الحكم الروماني لمصر وثورات المصريين المتجددة ضدهم وكثرة الضرائب التي قصمت ظهورهم، كان اضطهاد الرومان للمصريين دينيًا سببًا جامعًا لمقاومتهم؛ فبعد أن دانت الدولة البيزنطية بمذهب هو خليط بين المسيحية الأم وبين تعاليم الآلهة الوثنية القديمة، ولم يدخل قسطنطين المسيحية حتى فصّلها على مقاس إمبراطوريتها وإرثها الديني الوثني؛ مما جعله يضطهد المسيحيين القدامى الذين لم يرضوا بذلك المذهب الجديد بل لنقل بصدق إن الإمبراطورية اعتنقت الدين القسطنطيني الجديد وليس دين المسيح؛ فقام الإمبراطور بمجمعات كنسية متعاقبة ليوحد المذهب الجديد على كل الكنائس قسرًا ولتحرق كل نسخ الإنجيل القديمة ولتبحثوا في ماهية المسيح هل له طبيعة واحدة أم طبيعتان أي كونه إلهًا أم إنسانًا! وهل الأم العذراء إلهة مثل آلهة أثينا والرومان؟! وكيف ترتب العقيدة المسيحية من جديد! حوار لاهوتي وجدل بيزنطي أصيل عقد الديانة السمحة وتولدت منه صراعات عقلية ولاهوتية ودموية أرهقت المسيحية نفسها وشوهتها وأذاقت المصريين والإنسانية شر البلاء!

لكن تمسكَ المصريون بعقيدتهم ولم يبدلوا مذهبهم تحت كل سيوف البطش والظلم، واختلط الدفاع العقدي بالدفاع القومي ضد المحتل مما شكل ثورات كثيرة للشعب المستضعف الذي نسي حمل السلاح ولم يقوَ يومًا على إزاحة أكبر إمبراطورية بالعالم من خنق روح مصر وقتل شعبها. ومع استمرار النهب للثروات التي شكلت عناصر البقاء لاقتصاد إمبراطورية الرومان، ذاق المصريون الفقر والموت السريع والبطيء وفر القساوسة من الاضطهاد الممنهج ضد كنائسهم فابتكر المصريون الأديرة وسلكوا أول مرة الرهبنة التي أضافوها للديانة المسيحية، وجعلوا من الصحاري ملجأ للنجاة بعقيدتهم. وقتل الكثير جدًا من الرجال والنساء المؤمنين الذين لم يرضوا بمذهب الكاثوليك الجديد وقاوم الشعب المصري الاحتلال الهمجي؛ فشكلت بطولاتهم الفردية ملحمة تكتب بحروف الذهب على جبين وطن لا يقهره أحد على اتباع دين أو مذهب لا يرتضيه، ومجتمع تعد وسطية التدين نمطه السائد الذي لا يتبدل وصمود الفلاحين العجيب ضد أعتى طغاة الأرض بسبب عقيدتهم كان أمرًا يستحق أن ندرسه بعناية ليس للفخر الذي يستحقه فحسب، بل لدراسة الشخصية المصرية بعمق أكثر وتفهم عقد المجتمع المصري وصفاته بتحليل أدق.

ومضى عصر الشهداء الملحمي ولا يوجد مدينة أو قرية إلّا وبها أسماء لشهداء قضوا، تحت سطوة الاضطهاد الديني والمذهبي للرومان خلال قرنين من الزمان فخلدت أسماؤهم كقديسين في تاريخ الكنيسة المصرية وأبطالًا في تاريخ مصر بشكل عام.

يُقدَّر عدد شهداء المصريين أثناء الاضطهاد الروماني لمذهب مسيحيي مصر بحوالي ثمانمائة ألف شخص.

والعجيب أن إمبراطور الرومان قسطنطين الذي قاد ذلك التحول الغريب في الديانة المسيحية وقاد مذهبه لمحو الكنائس القديمة وإجبارها على ديانته، يلقبه مسيحيو اليوم بالقديس و«محب الإله»!

بقي أن أوضح لكم أثر ذلك العرض لعصر الشهداء في تحليلنا لتاريخ المجتمع المصري من الناحية الدينية التي أختصها بمقالات لاحقة عن الصراع المذهبي والدين في حياة الشعب المصري لنستنتج من هنا عدة نقاط:

أولًا: كانت العلاقة سيئة بين أقباط مصر وحكام بيزنطة (القسطنطينية) منذ البداية، إلا أنها ازدادت سوءًا بعد انعقاد «مجمع نيقيا» الثاني لممثلي الكنائس عام 449. إذ اختلف في هذا المؤتمر حول ما إذا كان للمسيح طبيعتان أو طبيعة واحدة وبعدها قرر المجمع أن له طبيعتين لاهوتية وناسوتية، واعتبر من يخالف القرار من الهراطقة. ولما كانت الكنيسة القبطية المصرية لا توافق على الطبيعتين اتهمتها روما والقسطنطينية بالهرطقة، ولهذا قرر المصريون الانسحاب كليًا من مجامع الكنائس العالمية منذ ذلك التاريخ. وفي محاولة منها لفرض عقيدة الرومان على المصريين، فرضت القسطنطينية سيطرتها على كنيسة القديس مرقص بالإسكندرية، وعينت أسقفًا من عندها للإشراف عليها. إلا أن هذا لم يفلح في إخضاع الأقباط الذين أسسوا كنيستهم للقديس مرقص خارج الإسكندرية واختاروا لها أسقفًا مصريًا، فأصبح هناك فرعان للكنيسة المرقصية. وبدأت السلطات البيزنطية سلسلة من عمليات الاضطهاد ضد أقباط مصر بهدف إجبارهم على قبول العقيدة الرومانية التي طالت حوالي قرنين من الزمان حتى مجيء عمرو بن العاص إلى مصر.

ثانيًا: إن المصريين لم يعرفوا قط التحول لديانة بقوة السيف، حتى المسيحية نفسها عندما اعتنقها بعض العبرانيين فأضافوا همجيتهم وإرهابهم للديانة وتطرفوا وقاموا بمذابح شهدتها الإسكندرية ضد المصريين من أبناء الدين القديم، ورغم كل ما عاناه المصريون من تلك الحركات العبرانية المسيحية الإرهابية بالإسكندرية أو من الملكانيين وأتباع القسطنطينية وكنيستها؛ وحرق السرابيوم وتشويه المعابد وتكسير الآثار التي وقعت تحت أيديهم بالجنوب؛ إلا أن المصريين في عمومهم لم يتحولوا إلى المسيحية بذلك القهر المباشر بل كان اعتناق كثير من المصريين للديانة الجديدة محله دعاة المسيحية المحبة للرب ولتعاليم المسيح وبشارته، والتي دخلت قلوب البسطاء وتمسكوا بها رغم كل ثوراتهم ضد اليهود العبرانيين أو ضد الرومان، وشكل الثبات على العقيدة والاحتماء بالديانة سبيلًا للصمود في وجه كل انتهاكات الرومان الذين رأوا في المصريين جلدًا ومقاومة لقوميتهم لم يجدوها في سواهم، حتى انتهى الاحتلال الروماني بالفتح العربي ومن ثم دخول المصريين للإسلام أفواجًا بشكل زمني متتالٍ؛ ليريحهم ذلك من أسوأ احتلال تعرض له المصريون عبر التاريخ، ومن جدل مذهبي معقد وديني عقيم لا يرضي فطرتهم؛ فكان الإسلام معيدًا المصريين لتوحيدهم الحقيقي الذي لطالما آمنوا به طوال تاريخهم الديني المديد.

ثالثًا: يقول عباس العقاد لم يكن اضطهاد الرومان للأقباط خلوًا من شوائب السياسة وعوامل الثورة القومية المتجددة من المصريين ضد الاحتلال؛ وقد اعتصم المصريون بكنيستهم وتجسدت فيها عناصر الدين والدولة والتفت الأمة حول زعماتها لإثبات كيانها ومشيئتها في وجه القوة القاهرة، وذلك سر ومصدر القوة الكبرى التي اشتهرت بها المسيحية المصرية.

أخيرًا: إن دراسة التاريخ المصري باعتباره حلقة متصلة تسهل علينا استنتاج أسس كثيرة لطبيعة ذلك الشعب العريق، وتؤكد لنا من ناحية نقطة البحث التي أريدها بأن «الصراع المذهبي والاضطهاد الديني» لا يلقى هوى لدى جموع التيار الرئيسي المصري الذي يجمع بين قوة العقيدة ولين التسامح ويسر الاختلاف، طالما لا تجبرني على اتباع مذهبك أو دينك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد