صدر عن دار سوتيميديا للنشر سنة 2020 كتاب «ملحمة بن قردان: أسرار وخفايا معركة مارس 2016» للتونسي محمد ذويب المؤرخ والباحث في التاريخ المعاصر، وعضو مخبر النخب والمعارف والمؤسسات الثقافية في المتوسط.

يحتوي الكتاب على نحو 200 صفحة وملحق صور. وقد تزامن صدور هذا الكتاب مع مناسبة إحياء الذكرى الرابعة لمحاولة احتلال بن قردان من قبل كتيبة «البتار» التابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي يوم 7 مارس (أذار) 2016 بهدف تأسيس إمارة على شاكلة مدينة الرقة السورية لتسفر المواجهات التي دامت نحو سبع ساعات على هزيمة تاريخية للتنظيم، وانتصار مؤزر للجيش التونسي والقوات الأمنية، إضافة لمشاركة إيجابية لأهالي المدينة الذي كان لهم دور محوري في الانتصار.

الكتاب وهو الأول الذي يتناول هذه المعركة يتنزل كما يقول كاتبه «ضمن ما يعرف بالتاريخ الراهن أو الساخن والذي يتناول أحداث تاريخية ما زالت لم تمرعليها قترات زمنية طويلة» كان دراسة لأحداث مارس (أذار) 2016 وعملًا استقصائيًا تمكن من خلاله الكاتب من الاتصال بشهود عيان من الأهالي ومن الاطلاع على تقارير أمنية وصحافية، وما توفر من مقاطع فيديو وثقت أحداث الملحمة.

ينقسم الكتاب لقسمين كبيرين في القسم الأول قدم الكاتب في فصل كامل مدينة بن قردان، تاريخها، سكانها، قبائلها وعروشها، موقعها الجغرافي والإداري، إضافة لمعطيات اقتصادية واجتماعية للمدينة منذ منتصف القرن الماضي كما أتى تقريبًا على جميع التطورات السياسية والميدانية بالقطر الليبي منذ سقوط نظام القذافي وخصص فصلًا ثانيًا للحديث عن التهريب في بن قردان جذوره التاريخية، أنواعه مسالكه وأساليبه وعلاقته بما يحصل في ليبيا منذ فبراير (شباط)2011 وتأثير ذلك في تطور هذه الظاهرة وجعلها مترابطة ومتداخلة مع الإرهاب.

تكمن أهمية هذا القسم من خلال المعطيات المذكورة والدراسة المستفيضة لمدينة بن قردان كمنطقة حدودية حساسة في غاية الأهمية التي تجعل من القارئ في قلب الأحداث وتمكنه من فهم حيثيات المعركة ومآلاتها بشكل واضح.

أما القسم الثاني من الكتاب فقد كان سردًا شاملًا أتى على تفاصيل المعركة ما قبلها وما بعدها من تداعيات واعترافات وردود الفعل من الملحمة والمواقف منها إضافة إلى رصد للنتائج البشرية والمادية.

وثق الكاتب بالنص والصورة ما كان يخطط له الإرهابيون من احتلال المدينة والتوسع لمدن أخرى وحيثيات العملية لحظة بلحظة وكيفية تعاطي القوات المسلحة التونسية والأهالي ومؤازرتهم ومساندتهم للجيش والأمن، إضافة إلى أهم التقارير الصحافية واعترافات من تم القبض عليهم وما تلا ذلك من مداهمات والمحجوزات ومواقف المجتمع الدولي والإشادة الواسعة والتضامن الكبير مع تونس وبورتريه لواحد من أبطال الملحمة ليختتم عمله بملحق لصور ملون للشهداء ولبعض أحداث المعركة

يحتفي الكاتب من خلال كتابه بانحياز الأهالي للدولة رغم الأوضاع الاقتصادية الهشة والفقر والتهميش وارتفاع البطالة وتقصير الحاكمين على مدى عقود مع منطقة حدودية لها من الخصوصية ما يفترض أن تحظى بالأولوية في التشغيل والتنمية.

لقد كان انتصار التونسيين على الإرهاب في هذه المعركة «وقفة عز وشموخ استبسل فيها الأهالي والجنود والأمنيون في حماية تونس وشعبها من تتار العصر».

رغم أهمية الكتاب من حيث التوثيق والتاريخ لمعركة مهمة لا تقل أهميتها عن معارك سابقة في تاريخ تونس مازال التونسيون إلى اليوم يذكرون حيثياتها وأبطالها إلا أن هذا العمل الاستقصائي لابد أن تؤازره أعمال أخرى تكمله وتأتي على تفاصيل أخرى. وما أحوجنا في تونس لتوثيق بقع الضوء القليلة في ظلام البلاد الدامس والاحتفاء بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد