بينما كنت أشاهد فيلم Good will Hunting كتأبين للراحل روبين وليامز تذكرت نقاشًا دار بيني وبين صديقي قبلها بيومين عن معاناتنا في مشوارنا التعليمي، كلانا أنهى دراسته الجامعية ومازالت المعاناة مستمرة.

 

بينما بطل الفيلم الذي يعمل فرّاشًا في جامعة ماساشوستس، أتيحت له فرصة ليقرأ ويتعلم بطريقة لا مدرسية أهلته – بجانب ذكائه الفطري الحاد – كي يصبح عبقريًا في الرياضيات قادرًا على حل معضلات وقف أمامها عاجزًا عدد من بروفيسورات الجامعة الشهيرة. في حين أنه في مصر تجد آلافًا من حملة الشهادات بلا علم فعلي، وعلى أقصى تقدير مثقفون في مجالهم تجاهد كي تنال فرصة لتعليم حقيقي وتصطدم دومًا وعلى التوازي بعقبة نقص المحتوى العلمي المتوفر باللغة العربية والذي بديله أسعار خرافية للمراجع الأجنبية، وضحالة مستوى الكثير من أعضاء هيئات التدريس في الجامعات المصرية والذي يمكن تأليف مراجع في أفعالهم وأمراضهم النفسية.

 

 

يظل نقص المحتوى العلمي الموجود باللغة العربية هو المعيار الأول لمدى الضحالة العلمية المهيمنة على جامعاتنا، حيث انحصر دور أعضاء هيئات التدريس – أبناء المرحلة الساداتية وما بعدها – في تسليع العلم، ثم في تسليع السرقة العلمية في صورة كتب جامعية، حناكل عيالنا يعني؟ّ!

الاستهلاكية العلمية أو تسليع العلم بجعله مادة للثراء هو سمة العالم الرأسمالي الحديث، لكن التميز المصري هو في الطفيلية التي تصاحب تسليع العلم، تسليع منتج ليس منتجك، تجميع هزيل وفقير لمادة علمية شكلًا وليس موضوعًا، ثم ابتلاء الطلبة بها، الأمر هنا يشبه المضاربة في الاقتصاد، الثراء بدون إنتاج، نبي المرحلة هو أديسون، بينما تسلا لا مكان له في المحروسة.

 

و بالإضافة لما سبق، كي تكمل المأساة التعليمية، تجد أن طرق التدريس تدور حول فكرة كيف تنجح لا كيف تفهم، كيف تحتفظ بالمعلومة في ذاكرتك لأقرب امتحان لا كيف تحل مشكلة وتتعامل معها، نظرية الإسفنجة التي تتشرب السائل لتُخرجة عند الضغط عليها في الامتحان ولا يتبقى منه فيها شيء.

 

والفكرة السابقة لا ترتبط فقط بعدد من الطلاب دون الآخر، فبنظرة سريعة على عدد الطلاب الخريجين سنويًا من كليات الهندسة والعلوم وبالإجابة عن عدد المؤهلين منهم لسوق العمل الصناعي باعتبار عملهم في تخصصهم ومجالهم ستصطدم بإجابة مفزعة.

 

الأمر لا يتوقف فقط على جشع أو ضحالة وفقر أعضاء هيئات التدريس بل يرتبط بتخلي الدولة عن حركة الترجمة – المحرك الأول لأي حراك ثقافي أوعلمي – أو حتى إعادة طبع الترجمات القديمة.

 

فمن درس أثناء الحقبة الناصرية أو بعدها بقليل يتذكر جيدا مطبوعات در مير الروسية التي أصدرت قائمة نفيسة من العناوين المترجمة للغة العربية في الفيزياء والرياضيات والميكانيكا.

 

وإذا لجانا لأضعف الأيمان وهو إعادة طبع وشرح الإنتاج العلمي للعلماء العرب القدامى ككتب الخوازمي أو ابن الجزري أو ابن سينا فسيتيح هذا للدارس العربي معرفة تطور العلوم بين العصور الوسطى والمرحلة النيوتينية في أوروبا وهو على نفس درجة الأهمية من دراسة نتائج العلم الأخيرة فقط.

 

الضحالة العلمية تنعكس بصورة مباشرة على مستوى الدولة بين الصناعة والاستهلاك، فبنظرة سريعة على الداخل المصري، وبإهمال مصانع الملوثات البيئية التي هجرها العالم كصناعات الأسمنت والأسمدة والكريستال والسيراميك، تجد أن نشاطنا الصناعي لا يخرج عن صناعات البلاستيك البدائية والصناعات الغذائية.

 

دولة يقوم اقتصادها على مصانع الشيبسي والمشروبات الغازية، بينما في الجوار القريب دولة تحتل مركزًا رئيسيًا في تصدير الأسلحة وتكنولوجيا المعلومات وتتصدر العالم في صناعة الطائرات بدون طيار في حين ينفق الشاب المصري أفضل سنوات عمره في دوامة البطالة وشح الفرص وقلة التأهيل وطول الدراسة وضحالة المحصول العلمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد