إننا وبلا شك نتعلم في ساعات الابتلاء ما لا نتعلمه في سنين العافية، فعشنا ما عشنا ورأينا ما كتب الله لنا واعتدنا أن نقضي أيامنا في صراع مع المجتمع ومع أنفسنا، لنحقق أكبر مكسب يمكن أن نصل إليه كل يوم، إما بدخول ذلك الفيروس حياة العالم من الفرد للمجتمع معكرًا صفو الكل، صرنا رغم اختلاف اللسان، العرق، الجنس، اللون، العادات، الأعراف، التقاليد والأيدلوجيات والأهم هو رغم اختلاف مُسمى الدين والعقيدة بين الإسلام والنصرانية واليهودية، بتنا جميعًا ننظر إلى الأعلى مرددين: يااارب! دون انقطاع.

الأمر الذي لم يقتصر على طائفة بعينها، فحتى المُلحدون أنفسهم اللذين أنكروا وجود الله كونهم لايؤمنون إلا بالمحسوسات والماديات، جعلهم سؤال بسيط يقول: كيف تخاف الفيروس وأنت لا تراه أو تلمسه؟ يعيدون ترتيب الأمور والتفكير بموضوعية أكثر في من المسؤول ومن بيده موازين الأشياء؟! وعلى الرغم من أنه سؤال قديم، إلا أن خَوض التجربة هو ما يُثبت فاعليتها.

أما الآن وقد مر الكُل بتلك التجربة من الخوف والشك والحيرة، فقد بتنا جميعًا مُتفقون على أننا نسير في مِضمار واحد، يحملنا فُلكٌ واحد، نتحد في الجوهر وإن اختلف المَظهَر. وهو ما يثبت قول الله تعالى: «ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنَفسٍ واحدة» فكل ما يحدث بسيط على الله الذي لا يعجزه شيء، كما أنه وضع كل خلافاتنا واختلافاتنا في مهب الريح هباء منثورًا، وأظهر تطبيقًا عمليًا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (مَن سرَّه أن يستجيبَ الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء) وإن كنت تقرأ هذه الكلمات الآن فتأكد أن ما نمر به حاليًا ماهو إلا رخاء عارم مقارنة بأحوال آخرين، فحمد الله واجب، كما أن الله سبحانه وتعالى يسرد نهج الإنسان وطريقة تعبُده خلال المراحل الصعبة ومابعدها من خلال آية في سورة يونس تقول: «وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ». (12)

وهنا تكمن القصة… وتتدفق الأسئلة بعد قراءة هذه الآية الكريمة كحُمم البراكين مستفهمة: هل سننسى التضرُع الذي نحن عليه الآن بعد انقضاء الأزمة؟ هل نلتزم ونعود إلى الله أم سيظهر بيننا المُلحد والمُشكك والمنكر مرة أخرى؟ هل سنُصر ونتقاتل على الدنيا؟ هل سنعصي أو ننافق أو نحتكر أو نظلم؟ أم هل يكون هذا تغييرًا للأفضل؟ هل شمولية التجربة وتعميم المِحنة يمكن أن تقرب البشر من بعضهم البعض وتُنهي الخلافات؟ أم أننا سننساها ونمضي في منهجنا من العِند والكِبر والنُكران؟ -بالتأكيد سيتغير شكل الحياة، لكن إلى أي الفريقين؟!

والصدمة الثانية كانت وقت أن أدركنا أن بعض الحكومات لا تلتفت حقًا لصحة شعوبها ولا تضعها في المقام الأول، بقدر ما يهمها المكانة العالمية فتطغى الرأسمالية بأيدلوجيتها على الكل، لا نعلم أهو شيء جديد لم نلحظه من قبل؟ أم أن هذا هو مسار الحكومات في مختلف العصور لكننا لم نلحظه فيما مضى أو نألفه! لكن الواضح أن الرأسمالية هي التي ستفوز بالموقف، ويزكي ذلك بعض الحقائق: كتشجيع بعض رجال الأعمال والحكومات على العمل وتقليل ساعات الحظر في الوقت الذي تسجل فيه بعض الدول حالات وفاة بالآلاف تعجز الدول عن التعامل معها، لترجح كفة المال أمام الصحة. اعتماد بعض الحكومات على مناعة القطيع التي تقتل أكثر مما تنقذ.

في ظل احتياج العالم لكل قطرة حليب يتم إهدار وتفريغ آلاف الألتار من الحليب في منافذ الصرف الصحي يوميًا في أمريكا لتجويع السوق ورفع الأسعار، دون أدني مبالاة لاحتياج الناس له، الحرب البترولية الراهنة التي يعرف الكل به التي تضرب بأسعار البترول هنا وهناك وتسبب أزمات بين الدول.
زيادة حدة المناوشات بين الصين وأمريكا بسبب الأزمة الراهنة خلاف كل ما سبقها من مشاكل التعريفات الجمركية والسيطرة على السوق العالمية وقطع العلاقات.

الراصد للموقف مدرك أن الصين تفرض سيطرتها على أرض الواقع الآن، كونها السوق الوحيد الذي يعمل ويصنع ويصدر ويبيع ويكسب المال بعد تجاوزها محنة تفشي الوباء، وأمريكا التي قادة العالم لما يقارب القرن لن تسمح لغيرها باحتلال العرش بهذه السهولة. فحتي وإن لم يكن الوقت مناسبًا لما يحدث، إلا أن العناد يسيطر على كل الأطراف. في محاولة كل منهم لإثبات أنه الأجدر بالريادة وزعامة العالم. وهو الأمر الذي جعل الجزء الأكبر من الناس يعتقدون أن هذا الفيروس ما هو إلا واحد من ترسانة أسلحة الحرب العالمية الثالثة.

ثم نأتي لحدث رفض بعض الأهالي لدفن الموتى من الأطباء، في حادثة قمة في التناقض. والأفضل ألا نطيل في هذا الصدد، لأن المُصلح محمد رشيد رضا قد لخص ما حدث مجملاً مع الأطباء المتوفين رحمهم الله بمقولته الشهيرة «الثائر لأجل مُجتمع جاهل هُو شخص أضرم النيران بجسده كي يُضيء الطريق لشخص ضَرير، ولكن زاد عليها أن أجساد الموتى كانت تتحسس الرحمة في قلوبهم ولم يجدوها!
نواصل الاندهاش وصولًا إلى الفيروس نفسه الذي ما زال مُصرًا على تجريدنا جميعا مما نرتدي ويعرينا جميعا أمام أنفسنا سواء بالرضى أو بالغصب، كلنا كلنا حرفيا دون تَميُز أو تَحيُز.

فبدأ الأمر فعليًا من كل شخص وعلاقته الذاتية صعودًا للعائلات والمجتمعات والمنظومات والكيانات والدول وكل ما علاها، هذا إن علاها شيء!، فأظهر لنا عِظم نعمتي الصحة والوقت، أهمية التعليم، منزلة الوعي، مدى الإنسانية، دناءة الرأسمالية، دور المسؤولية، صدق التَدين، الحث على المحاولات، عُمق العلاقات، متانة الصُحبة، درجة الإنتماء، حُب الحق، مدى التصالح مع الذات، والأكثر من هذا هوان وحقارة وضعف الدُنيا في العموم، وكم أن متاع الدنيا قليل جدًا مهما استزدنا منه.

فأوضح لنا كم أننا كجنس بشري مهما بلغنا من عِلم فهو قليل محدود… وأنه لما قال الله تعالى «وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً» فإننا لم نفهم حتى معنى الجملة الكريمة طوال هذا العمر وكل منّا على حَسب عُمره وإدراكه، فكان يُخيل لنا أن المقصود بها هو العلم المُكتسب في مجال الدراسة المُحدد. لكننا أصبحنا نرى المقصود منها بطريقة أوضح ونفهم معناها أكثر من أي وقت مضى لأنها دخلت حيز التنفيذ، فالكورونا جمع كل العلم التراكمي في كل المجالات لكل البشر منذ عهد نوح عليه السلام حتى آينشتاين وبيل جيتس، بل وحتى هذه اللحظة وأوقفنا جميعًا عاجزين في ذهول أمام قدرته كمخلوق ضعيف على إهلاك البشر أسرع وأقوى من أي سلاح عرفناه أو سمعنا عنه، والعجيب أنه يفعل ما يفعل في صمت وبدقة فائقة، في صورة الجُندي المجتهد.

اجتهد هذا الجندي حد أنه أظهر لنا أن الجهل على أنواع: فجهل العِلم المُطلق شيء وجهل الاتباع شيء والجهل بالتوعية شيء وجهل التصرف شيء آخر تمامًا. وإن كانوا جميعًا يشتركون في المُسمى ودرجة الخطورة.

علمنا الكورونا أن مبدأ (يلا يا نفسي) يُفسد أضعاف ما يُصلح، وينبهنا بوجوب العودة لفطرة التكاتف والتضامن والتعاون في الخفاء المَنسية أو المُهملة عن قصد أحيانا. فإن كان لنا نجاه مما يحدث اتحدنا وكانت بداية سوية، وإن كانت النهاية فيا هنيئا لمن زرع الخير ولقي الله بحُسن ختام.

الكورونا وضح جدًا أن من أهم أسباب الوقاية المسكوت عنها هو الدُعاء، وكأننا نستحي أن نذكر بعض بذلك. وقد وجب ذكر هذا لأن الدعاء هو الوحيد الذي يُغير القدر. وفي مثل هذه المحنة التي لا دواء لها يجب أن يكون الدعاء غير منقطع وقبل حتى غسيل الأيدي.

من أهم فقرات حقبة الاندهاش العام هذا هي فقرة العالم المنافق. فمع كل ما يجري في العالم من تناقضات أصبحت جلية وواضحة بفعل الإعلام ووسائل التواصل المتنوعة. أصبحنا نسأل أنفسنا سؤالاً جديدًا: أهذا حقا هو العالم الذي نتقاتل من أجله بصورته الحقيقية؟ أم أنها صورة خلفتها الأحداث الجارية وسنتنهي بانتهاء الأزمة؟

نفس العالم الذي ينقل لنا صور ضحايا الحروب والأمراض الفتاكة كالملاريا والسارس والمجاعات في أفريقيا، هو بذاته نفس العالم الذي يهدر 180 كجم من الطعام في بريطانيا وحدها كل ثلاث ثوان، في حين أن المجاعات تعصف بألبانيا واللاجئين على بعد أميال، ألم يكن بالإمكان مساعدتهم بدلاً من تصويرهم؟

ربما أن نفس الأشخاص الذين لن يعدوا عامة الناس بالمصل إلا بعد أن يزيد عليه الطلب، وحينها سيقفون هناك يتفاضلون ويختارون من يستحق العلاج عن غيره، وأعتقد أن هذه المرحلة قد بدأت بالفعل، والكل يعلم ذلك تمامًا لكننا ما زلنا مصريين على إغماض أعيننا خوفًا من مواجهة الحقيقة.
الاندهاش العام أيضًا تلخصه نظرتنا لما يحدث الآن من أمور مختلفة وتوصيفها على أنها منحة أو محنة، فربما ما نراه سوءًا لأنفسنا هو خير للأرض والكون الفسيح، خير لنا أن تتحسن حالة الطقس فنرى وجه الجمال في العالم، خير لنا أن نرى هوان وضعف الدول كلها مجتمعة أمام هذا قدرة ذلك المخلوق الضعيف فربما نقدر الأشياء حق قدرها. فرصة لنا لنقف على أهمية العلم والجد والاجتهاد، فننزل الأشياء والأشخاص منازلهم بحق. والمتمعن يرى في كل ضعف قُوة وفي كل سقوط عُلُو، هذه هي التجربة الحية اللي تثبت لنا جميعا أن كل القواعد اللي خلقها البشر، خلقت لكي يتم تكسيرها وتحطمها. ليس هذا فحسب، وإنما يجب أن يقوم بتكسيرها نفس الأشخاص الذين قننوها كي يُصبحوا من الصفوه. 

أصبحنا ندرك أنه ليس هناك أغلى من المجاني، لذلك فإن نِعم الله هي أكثر ما يَستحِق التقدير. لكن الحقيقة أن الله تعالى قال: «وقليلٌ مِن عِبادي الشَكُور»،.فالأرض والماء والهواء والسماء بدوننا على خير ما يُرام، ينبهوننا قائلين: يا إنسان! حِينما تَعود تَذكر أنك عَابر ولسْت مُقيمًا، زَائر ولست مَالكًا، فأحْسن إن استطعت!

كل هذا جزء من كُل، يثبت أن المُجاهدة الأعظم في الدنيا ستظل بين من عَلِم واستطاع أن يحافظ على إنسانيتة ويحيا بضمير ويجد لنفسه ملاذًا يحافظ به على ما تبقى من إيمان، أو يفرط في كل مبادئ الفطرة السامية التي أودعها الله فينا ليلحق بركب القطيع ويستمتع بالدنيا من وجهة نظره الشخصية طبعًا، لكن الأكيد أن من سيفوز في النهاية بإحساس الرضى والسكينة هو الإنسان فعلاً لا اسمًا، وليس لنا إلا أن نصبر فلنا في الله ظنٌ لا يخيب، دُمتم في معية الله.

لكن المتمعن قليلاً سيدرك أن نفاق العالم ليس بالأمر الجديد. فكل ما يحدث حاليا، ما هو إلا توضيح بسيط لصورة العالَم الحقيقية… إلا أنها أتت بكم هائل من التقريب والتركيز على كل الذي سمعنا عنه قبل ذلك دون أن نقف على حقيقته! ربما أدركنا ما يحدث، فالعالم المختل عقليًا الذي نعيش به يثبت التناقض في كل شيء، فيوزع جوائز السلام هنا وهناك باليد اليمنى، ويحتفل بصنع القنبلة الهيدروجينية والنووية والذرية وغيرها باليد اليسرى، وما خفي كان أعظم بكل تأكيد. فيما يظهر حفل السلام كلقاء نشرب به بعض الكؤوس على روح من ماتوا ونذهب.

حتى أن كل المعاني التي عَرفناها صغارًا تتبدل، فأحضانُنا وقبلاتُنا صارت أسْلحة فتاكه!، والحرمُ أصبح مُحرمًا، سُور الصين لم يَمنع دخول الضر أو خروج الأذى، نُعامل الآن مُعاملة المَساجين دون ذَنب. كما تبدلت أدوارنا مع الحيوانات، فصَارت هي تَسيح في الأرض ونَحن لا نَقوى على مبارحة أماكننا، قالت إحداهن: مات أبي وترك ملايين الأوراق النقدية، فكلها عجزت أن تشتري له «الأكسچين» الذي كان دومًا بالمجان!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد