تشكل أزمة الوعي ومحنة الذات التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم حالة صدمة ثقافية كبيرة في صفوف أبناء الشعوب الإسلامية الذين حُوصرت أفكارهم في إطار مشاريع فكرية ضيقة متناقضة، أدت إلى تحويل الصراع الثقافي الفكري من صراع إسلامي غربي إلى إسلامي أصولي وإسلامي تنويري. الأمر الذي يُحتِّم علينا أن نحشد كل الطاقات والجهود لإعادة بوصلة الصراع إلى أصوله الحقيقية المتمثلة في إثبات الهوية والذات المشتركة بين جميع أطياف العالم الإسلامي في مواجهة محاولات طمس هوية المرجعية الفكرية الإسلامية.

يقول المفكر الإسلامي علي عزت بيجوفيتش أن عداء الغرب للإسلام ليس مجرد امتداد للعداء التقليدي بين الإسلام والغرب منذ الحروب الصليبية، بل يرجع إلى تجربة الغرب التاريخية مع الدين وعجزه عن فهم الإسلام لسببين هما: طبيعة العقل الأوروبي أحادي النظرة، وإلى قصور اللغات الأوروبية عن استيعاب المصطلحات الإسلامية مثل الزكاة والوضوء والخلافة وغيرها، فالعقل الأوروبي يضع هذه المصطلحات في اطارٍ أحادي النظرة؛ أي بنظرة دنيوية مادية فقط، بينما الإسلام يضع تلك المصطلحات في إطار النظرة الثنائية الدينية والدنيوية المادية والروحية.

إن المتأمل للحركة الفكرية التاريخية للأمم يلحظُ بما لا يدع مجالًا للشك أن جميع الفلسفات في التاريخ البشري كانت تُبنى إما على أصول مادية أو روحية؛ فترى بعضها يطغى عليه جانب المادة كالفلسفة اليهودية والرومانية قديمًا والفلسفة الاشتراكية والليبرالية حديثًا، وأخرى يعتليها جانب الروح كالفلسفة اليونانية والمسيحية، إلا أن الفلسفة الإسلامية هي الفلسفة الوحيدة في التاريخ الفكري الإنساني التي مزجت بأسوب متناغم بين المادة والروح في إطار فلسفة متكاملة متوافقة مع طبيعة التكوين البشري.

وإذا رددنا طبيعة هذا الصراع إلى جذور تكوينه فإننا نرى بأن الفلسفتان اليهودية والمسيحية هما رائدتان هذا التناقض، فجميع أفكار ونظريات العقل اليهودي مثلًا تُعنى بإقامة «جنة الأرض» التي هي الفكرة التكوينية الرئيسية للفكر اليهودي وما نتج عنه من أفكارٍ وفلسفات حديثة أتت من عقول يهودية تُرجح كفة المادة على الروح، بل وتحاول أن تلغي كل أمرٍ متعلقٍ بالغيبيات والروحانيات. وعلى النقيض تمامًا كانت الفلسفة المسيحية تُعنى بتعزيز الجانب الروحي للإنسان وتعظِّم الأمور الغيبية والكهنوتية، فإذا نظرنا إلى بعض المصطلحات الشائعة في الفكر المسيحي كالغفران، والروح، والخلاص، والخطيئة، وملاك، والحياة الأبدية وغيرها فإننا نجدها مصطلحات توحي بدلالة واضحة على طغيان الحياة الروحية والغيبية على الحياة المادية في الفكر المسيحي.

ومن ناحية أخرى؛ إذا حاولنا قراءة حركة التاريخ الفكري بشقيه الديني والبشري فإننا نلحظ وجود حركة انتقال تاريخي بين المادة والروح بشكل متقلب، فمثلًا جاءت اليهودية باعتبارها أول فلسفة فكرية تعزز الجانب المادي، ثم تلاها تاريخيًا الفلسفة اليونانية التي غلبت فيها الروح على المادة، ومن ثم جاءت الفلسفة الرومانية بوصفها فلسفة اهتمت بالمادة وأعلت من شأنها، وفي إطار هذا التسلسل الزمني جاءت المسيحية فأعلت من جانب الروح وهمشت المادة، ومن ثم؛ وردًا على هذا التقلب في إطار الصراع بين المادة والروح جاءت الفلسفة الإسلامية لتؤكد بأن كل واحدة منها تحتاج إلى الأخرى، وبأن علينا المزج بينهما في إطار توازني منطقي مقبول لكي نستطيع تفسير سبب وجودنا وخلقنا ولنشبع غرائزنا الفطرية التي فطرنا عليها، وبعد حالة التوازن التي غرستها الفلسفة الإسلامية عادت حركة الصراع التاريخي بين المادة والروح إلى طبيعتها الأصلية لترجح كفة المادة على الروح في الوقت الحاضر.

وتأسيسًا على ما تقدم؛ وفي محاولة لقراءة مستقبل تلك الحركة التاريخية في استشراف طبيعة الفكر البشري في المستقبل فإننا نستطيع وضع احتمالين أساسيين لمستقبل تلك الحركة الفكرية التاريخية.

فالاحتمال الأول هو أن تعود تلك الحركة الفكرية التاريخية إلى أصول تكوينها من حيث التقلب بين المادة والروح وطغيان إحداهما على الأخرى؛ وبذلك تكون كفة الروح في المستقبل هي الراجحة حسب التسلسل التاريخي. ولكن إذا نظرنا إلى فرص تحقق هذا الاحتمال فإننا نجد بأنه احتمال ضعيف لسبب رئيسي وهو عدم وجود كيان واقعي يطالب بعودة الفكر البشري إلى تغليب الروح على المادة، فرائدة هذا الخيار كانت الفلسفة المسيحية، وإذا نظرنا إلى أتباع الديانة المسيحية فإننا لا نلحظ محاولات فكرية لإعادة تغليب الروح على المادة، بل نجد أنهم هم من نبذوا الروح المسيحية وأطاحوا بها لتحقيق الرغبة المادية الذاتية.

أما الاحتمال الآخر فهو أنّ تلك الحركة التاريخية ستعود إلى ماضيها القريب في ترسيخ قناعة البشرية بوجوب إحداث التناغم بينهما وحسم هذا الصراع التاريخي للأبد. وهذا الخيار نجده أقرب إلى الواقع من سابقه من ناحيتين:-

الناحية الأولى تتمثل في الأرضية الفكرية لتلك النظرة الفلسفية التي تمزج بين المادة والروح، فإذا نظرنا إلى الأرضية الفكرية لتبني تلك الفكرة فإننا نلحظ العديد من الجهود الفكرية النظرية التي بذلت وتبذل لمحاولة إقناع البشرية بأن خيار المزج بين المادة والروح هو الخيار الأمثل.

وأما من الناحية الأخرى فإذا نظرنا إلى أرباب هذا الخيار فإننا نجد الكثير من المحاولات العملية متمثلةً في الأطر التنظيمية الإسلامية التي ترى وجوب إحداث هذا التناغم بين المادة والروح وتعمل على تحقيق هذه الفلسفة واقعيًا.

وبناء على ما تقدم؛ فإننا نجد أن أصول الفلسفة الإسلامية هي الأكثر حظًا في سيادة الفكر البشري مستقبلًا، إذ إن النظرة الإسلامية للطبيعة البشرية هي الأكثر مقاربة للواقع إضافة إلى أننا نجدها متوافقة مع طبيعة الذات البشرية المتكونة من جسد وروح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد