إن ما يعرف بالحديث عن محاذاة المستوى المنطقي، ليس صحيحًا، بل هو في الحقيقة شيء آخر كثير التطابق معه. ككيف أشعر، وكيف أتصرف، أو بين قِيَّمِي وسُلُوكِي. إذ هناك مفهوم كُنَّا قد أشرنا إليه سابقًا ولكن يجب أن نوَضحه أكثر، وهذا هو معنى محاذاة مستويات المنطق. الآن إلى ماذا يشير الحديث عن محاذاة المستويات المنطقية في نظركم؟ وهل هناك تطابق وانسجام بينهما؟ بمعنى أدق هل هناك فعلًا تطابق بين كيفيَّة الشعور وطريقة التصرف؟ أو بين قيَّم الإنسان وسلوكه؟

فَوِفْقًا لبعض العلماء والمفكرين فإنه قد تَحْدُثُ الكثير مِن المشكلات، وذلك نتيجة عدم التوافق بين المستويات المنطقية. إذ يُقال في البرمجة اللغوية العصبية أن عقول الناس تتماشى فيما بينها عندما ترسل رسائل متطابقة، وعلى مستويات مختلفة، أي عندما يستطيعون تطوير قدراتهم الطبيعية بالشكل المناسب في بيئتهم ويتمكنون كذلك مِن الحفاظ عليها؛ كالسلوكيات المتوافقة مع معتقداتهم وكذلك مقياس القِيَّم عندهم، والتي غالبًا ما تتوافق مع مفهومهم عن أنفسهم وهوِيَّتهم، ومع هدفهم في الحياة كذلك، ومستواهم الروحي.

ولهذا سنحاول معًا إلقاء نظرة خاطفة على مثال حي، حتى نفهم المعنى الدقيق والمقصود لما سبق؛ الآن ومِن خلال الدراسات المرتبطة بالإدارة وعمل الموظفين، نجد الذين يصنفون عملهم التسلسلي الهرمي الرئيسي على أساس ملف، دائمًا يحاولون فعل الخير للآخرين، وبسبب ظروف الحياة، يذهبون للعمل تحت إشراف كيان معيَّن يلزمهم بتقاضي عمولات لتنفيذ عمليات مشبوهة كالإخلاء، والبيع المضلل للسياسات عالية المخاطر للعملاء والزبائن المُسِنِّين، إذًا مبدئيًا هذا العمل سيثير اشمئزاز الكثير مِن الناس؛ لأنه يتعارض مع الطريقة السليمة في التصرف مع مجريات الحياة، وبالتالي سيحصل تعارض كبير ونفور ظاهر للعيَّان بين المعتقدات والقيَّم، وكذلك مع السلوك وبيئة الإنسان، بمعنى أن هذا سيتسبب في توقف القِيَّم عن التوافق.

وإذا لم يستمر هذا الموقف لفترة طويلة مِن الزَّمن، فإنه يمكن تبرير التفكير على أنه ليس بهذه الهوية، ولكن تلك الظروف هي مَن أخرجته للوجود وأجبرته على القيام بذلك، ولهذا فإنه سيتحرك في أقرب وقت ممكن، وسيبحث عن شيء يسمح له بالتصرف وفقًا للرغبة المُلِحَّة في فعل الخير للآخرين أي مع المستوى الروحي.

لكن مع مرور الوقت، ولاسيَّما إذا كان مِن الواجب علينا الحفاظ على نفس الأشياء المهمة، فسوف يتعمق الصراع حتى يؤثر على مستوى الهوية الخاصة بنا، وكذلك مفهوم وقيمة الغرض عندنا، ثم سينتقل منها – أي من الحياة – إلى درجة البدأ بعدها في التفكير في نبد النفس والغير ونعت الجميع بأمور مُخلَّة بالحياء ونابِية، مع تكريس طاقاتنا في الشَّر، لجعل وتعميق معانات الآخرين، وهو ما يعرض صحتنا النفسية، والعقلية، والجسدية، في آخر المطاف للخطر الأكيد، نظرًا لانعدام التوافق وغيَّاب الانسجام التَّام بين كافة المستويات، التي قد تصل إلى أماكن عميقة تساهم بشكل أو بآخر في التسريع بتوليد الاكتئاب، وتفريخ الأمراض المزمنة.

وهذا ما يدفعني اللحظة إلى اقتراح بعض التمارين التي قد تكون مبهرة وناجحة في مجالات متعددة لها علاقة وطيدة بعلم النفس والاجتماع، والتي يمكنها مساعدتنا على اكتشاف ما هي العوامل التي تؤثر بشكل يومي على حياتنا، وكذلك اكتشاف النزاعات الداخلية المحتملة، وتحديد التغييرات التي يجب علينا إجراؤها لمواءمة مستويات المنطق الخاصة بنا، كمحاذاة المستويات المختلفة وتحقيق درجة أكبر من التطابق؛ إذ يمكننا البدأ من مستوى البيئة وصولًا إلى المستويات الأعلى. كما يمكننا بدء التمرين من خلال تحديد السياق أو النظام الأعلى، بمعنى أدق مهمتنا في الأوساط العائلية أو العملية أو المجتمعية، أو فيما يخص الهدف الخاص والعام في الحياة، ثمَّ ننزل بعد ذلك إلى مستوى البيئة، لأنه أسهل بالنسبة لنا.

إذ قد نصل في الحالة الأولى مرة واحدة على الأقل إلى المستوى المرتبط بالناحية الروحية، لكن سيتعيَّن على الجميع إجراء مراجعة جديدة لمستوياتنا بالمعنى التنازلي. إذًا في الخيارين معًا، سيكون علينا الإجابة على الأسئلة التي يتم طرحها في كل مستوى. أما الآن سنقوم بتعلُّم الكيفيَّة الصحيحة والتمرن بشكل أفضل على محاذاة المستويات المنطقية، لكن أولًا وقبل كل شيء يجب علينا اختيار مكان مريح في الهواء الطلق، أو غرفة كبيرة بما يكفي حتى نتمكن من اتخاذ 10 خطوات طويلة دون انقطاع أو تَوَقُّف، مع الحرص على الهدوء النفسي والروحي الكافي، وذلك بالابتعاد المريح عن الأشياء المزعحة والأشخاص المرعبة.

ثانيًا: يجب التفكير بجدِّيَّة في مواقف يطرح فيها مشاكل حادة في حياتنا الخاصَّة والعامَّة، ونريد بقوَّة تحسينه في المستقبل. إذًا من حيث المبدأ، غالبًا ما يتم البدأ بأشياء ومشاكل غير خطيرة وغير مرعبة، ولا تسبب حزن أو خوف عميق. إذ يعتبر العمل مع أمثلة صالحة ومنسجمة مع هذا التمرين فرصة سانحة، وإمكانية معتبَرة لتحسين وضعنا الوظيفي، على الرغم مِن وجود مشاكل أخرى ملحة نريد معالجتها أولًا. ثالثًا: سنقوم بوضع أنفسنا في المستوى الأول، أي مستوى البيئة وتخيُّل المكان والمناخ الذي تَحْدُثُ فيه مِن حولنا تلك المشاكل عادةً، وما الذي تعمل عليه، أو ما إذا كانت تحدث يوميًا أو في مناسبات معينة فقط (بمعنى متى وأين ومع من يحدث ما نريد تعديله).

إذ سنحاول رؤية كل هذا باستخدام أكبر جرعة ممكنة من الواقع المعاش. رابعًا: سنتخذ خطوة للأمام ونحن في المستوى الثاني، أي مستوى السلوك؛ بمعنى سنراقب كيف يبدو سلوكنا، وكيف نتحرك، وكيف نتصرف، إذ يمكننا أن نسأل أنفسنا ماذا نفعل، كيف هي إيماءاتنا، وكيف هي موقفنا، وكيف يؤثر علينا الأشخاص الآخرون من حولنا، وهل يدرك الناس سلوكياتنا، وكذلك ما هي السلوكيات التي نعتقد أننا بحاجة إليها للتغيير، لأننا سننتقل إلى المستوى التالي عندما نستطيع تحديدها جيدًا.

خامسًا: بعدها مباشرة سنتخذ خطوة إلى الأمام وسندخل مستوى المهارات والقدرات، وسنراقب جميع الأمور التي تجعلنا نشعر أننا مؤهلين لها، وما هي مهاراتنا وقدراتنا الحقيقية، كما يجب علينا التحقق من أننا نستخدم كل إمكانياتنا، أم أن بعضها غير مستغل بما يكفي، دون إغفال مُسألة أنفسنا عما إذا كان هناك أي قدرات قد سبق وقمنا باستخدامها في وقت سابق آخر في حياتنا.

إذ يمكن أن يكون الواقع مفيدًا للهدف الذي نريد تحقيقه كما هيَّ المهارات والإستراتيجيات، أو هل لدينا مشاريع مستقبلية، أو هل نعتقد أننا بحاجة إلى إيجاد مهارات واستراتيجيات جديدة صالحة لنا، وكذلك ما الذي نظن أننا بحاجة إلى تحسينه أو دمجه. سادسًا: عندما يكون لدينا إجابات واضحة على الأسئلة السابقة، فإننا نَخْطُوا خطوة للأمام وندخل مستوى المعتقدات والقيم. في هذا المستوى يجب علينا معرفة معتقداتنا عن ذواتنا وعن الآخرين وعن العالم بشكل عام، إذ ما هو هذا الشيء الذي يهمُّنا ونقدره حقًا في أنفسنا، والآخرين والعالم، وما الذي يقودنا فعلًا لفعل ما نحن فاعلون، وكذلك ما هو الغرض الذي نبحث عنه أو ما الذي يحفزنا حتى نحقق كل ما نريد تحقيقه، بمعنى ماذا نفعل، وماذا نتوقع من أنفسنا ومِمَن هم حولنا، وهل هناك قيم ومعتقدات أخرى يمكن أن تكون مفيدة وحاسمة في عملية التغيير هذه. سابعًا: وكخطوة أخرى منتظرة، سنعمل على إدخال مستوى الهوية.

ففي هذا المستوى يمكننا أن نسأل عقولنا من نحن، وما الذي يميزنا عن غيرنا، ومَن نحن وما هو الدور الذي نلعبه في هذه الحياة، وهل سيساعدنا هذا في تحقيق الأهداف المراد تحقيقها في المستقبل.

ثامنًا: وأخيرًا سنتخذ خطوة أخرى للدخول إلى المستوى الروحي مِن أبوابه الشاسعة، فهذا المكان هو مكان يتجاوز شخصيَّتنا، كما أنه يربطنا بشيء أعلى مع الكائنات الحية الأخرى، ومع الإنسانية، ومع طرق التفكير الفلسفية أو الواقعية. هنا قد نسأل أرواحنا عما هي اعتقادتنا الباطنية، أو عن أهم الأهداف في الحياة وكيفية تطويرها، أو كيف نريد التأثير على الكائنات الحية المحيطة بنا، وهل مِن الواجب القيام بتطوير المستويات الروحانية والرقي بها عاليًا، أم أن الحياة تمر بنا مِن دروب طويلة دون أن نكون على دراية بها، وماذا نحتاج لتحقيق التغيير المحقق للهدف، وكذلك كيف السبيل لمعرفة المستوى الذي نحن عليه. تاسعًا: لنبقى لفترة أطول قليلًا على هذا المستوى؛ مما يسمح للتجربة بالغرق. وللاحتفاظ بالاتصال مع التصميم الداخلي الخاص بنا، لكن عندما نقرر القيام بذلك، سنستدير وسننطلق مرة أخرى واحدة تلو الأخرى، من خلال جميع المستويات، أي من المستوى الروحي إلى الأسفل، والتوقف لبضع ثوان في المكان المخصص لكل مستوى، للتَّقيِم والشعور بكيفيَّة تسير الأمور، وذلك لربط كل مستوى بالمستويات السابقة. عاشرًا: عندما نصل إلى المستوى الأخير سننتظر هناك لبضع دقائق أخرى كذلك، وسنترك مجال للمحاذاة، وفسحة للتوازن بين المستويات العصبية المختلفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد