ما هي الصحوة الوجودية؟ وكيف يمكن أن نصل اليها؟ وهل الوصول إليها مهم؟ وكيف يمكن لتلك الصحوة التأثير فينا وفي الطريقة التي نحيا بها، ونظرتنا إلى العالم والحياة والآخرين؟ سنحاول أن نجد معًا إجابات عن تلك الأسئلة في هذا المقال.

1-السبات الوجودي

كثيرون منا يحيون شطرًا كبيرًا من حياتهم، أو ربما حياتهم كلها، في حالة سبات وجودي، أي أنهم ينظرون إلى العالم والآخرين بطريقة معينة، وأهم ما ينتج عن هذه الطريقة في رؤية العالم والآخرين، فكرة أن الفرد ليس وحيدًا في العالم أو الحياة، وأن هناك أشخاصًا يهتمون حقًا بخصوص ذلك الفرد، وأنهم لن يترددوا لمساعدته إذا احتاج ذلك، بل إنهم قد يضحون من أجله! وإنهم لن يتركوه، أو يتوقفون عن الاهتمام به، وحين يظن الشخص أيضًا أن الآخرين – خصوصًا المقربين منه أو من يثق فيهم – لن يؤذوه يومًا أو يفعلوا ما قد يكون له تأثير سلبي عليه، حين ينظر الفرد تلك النظرة إلى العالم والحياة والآخرين، وخصوصًا الآخرون، فعندها يكون، في رأيي يكون الفرد حينها في حالة سبات وجودي.

2-الصدمة الوجودية

في حين يعتقد الفرد أن الآخرين يحبونه ويهتمون به ويحاولون إسعاده ولا يريدون إيذاءه أو إلحاق الضرر به، عندما يكون في حالة السبات الوجودي، تلك التي لم يعرف فيها حقيقة وجوده بعد، وما هو موقعه الحقيقي من الآخرين، حينها قد تحدث له الصدمة الوجودية تلك الصدمة التي توقظه من سباته الوجودي ويمكن أن تتخذ تلك الصدمة الوجودية العديد من الأشكال، فيمكن أن تكون: قسوة الأب أو الأم أو إهمالهما الابن، أو غدر الأصدقاء، أو ضغينة الأقارب وحقدهم، وربما أيضًا إساءتهم، أو خيانة الحبيبة أو الزوجة، وجحود الأبناء وغيرها، عندها، أي عندما تحدث تلك الصدمة الوجودية إلى الفرد، فإنها توقظه من سباته الوجودي، وحينها يعرف، إذا تأمل وتفكر حقيقة وجوده بالنسبة إلى الآخرين.

3-الصحوة الوجودية

عندما تحدث تلك الصدمة الوجودية للفرد وتوقظه من سباته الوجودي، حينها إذا تأمل وتفكر، فإنه يستطيع أن يرى ويعرف ويكتشف حقيقة وجوده في العالم وفي الحياة، وخصوصًا بالنسبة إلى الآخرين، عندما يصل إلى حالة الصحوة الوجودية، فإنه حينها يستطيع أن يعرف أنه وحيد في هذا العالم، وفي هذه الحياة وبالنسبة إلى الآخرين، حينها يستطيع أن يعرف أنه لا يملك، إلا ذاته، وليس هناك أي شخص مخلص له أو مهتم به حقًا إلا ذاته، حينها يكتشف أنه لا يستطيع الاعتماد إلا على ذاته، وأن لا أحد يتمنى له الخير حقًا، أو سيساعده ويسعده حقًا إلا ذاته، حينما يدرك الفرد أنه وحيد في هذا العالم، وفي هذه الحياة، وخصوصًا بالنسبة إلى الآخرين، حينها فقط يكون قد استيقظ من سباته الوجودي بفضل الصدمة الوجودية، فيكون قد أدرك حقيقة وجوده، ويكون قد وصل إلى حالة الصحوة الوجودية.

ويمكن أن نتساءل الآن: هل الوصول إلى حالة الصحوة الوجودية تلك يحتم على الفرد منا أن يعيش بمفرده وحيدًا بمعزل عن الناس؟ وماذا نعني بأن يعتمد الفرد على نفسه أو ذاته؟ هل هذا يعني أنه سيعيش في غابة يشرب من النهر ويأكل مما يزرعه ويصطاده مثلًا؟ هل تلك الصحوة الوجودية تشجع الفرد على كراهية الآخرين ومن حوله؟

ما بعد الصحوة الوجودية

1-التعامل اللاشخصي

وردًا على التساؤلات التي طرحناها وللتفكير في ما بعد حالة الصحوة الوجودية فإننا يمكن أن نصل إلى نوعين من العلاقات مع الآخرين، أي نوعين أساسيين للتعامل مع الآخرين، وهما: التعامل اللاشخصي، والتعامل الشخصي، وما نقصده بالتعامل اللاشخصي، إنما نعني به التعامل السطحي مع الآخرين، فليست الوحدة تعني الانعزال فى مكان ما بعيدًا عن البشر، أو على الأقل ليس هذا هو المعنى الوحيد للوحدة أو أن يكون الإنسان وحيدًا، وإنما يستطيع الإنسان أن يكون وحيدًا، إذا أبقى علاقاته بالآخرين سطحية ولا شخصية قدر الإمكان، وأن تكون تلك العلاقات قائمة بالأساس على المنفعة المتبادلة لا غير، مثل علاقة الفرد بزملائه في العمل، أو بمن يشتري منه شيئًا أو يبيع له شيئًا، أو حتى في بعض الأحيان مع جيرانه أو زملائه في الدراسة… إلخ. ويتضح من تلك العلاقات التي ذكرناها أنها تتميز بالسطحية واللاشخصية التي نقول بها، وهكذا يظل الفرد وحيدًا متسقًا مع حقيقة وجوده.

2-التعامل الشخصي

أما إذا لم يستطع الفرد لسبب أو لآخر أن يحقق تلك الوحدة المنشودة أو لم يقدر على جعل علاقاته لاشخصية قدر الإمكان، فإنه يستطيع اللجوء إلى النوع الثاني من التعامل والوجود مع الآخرين، ألا وهو التعامل الشخصي، أي أن يكون للفرد علاقات أكثر شخصية وعمقًا، كعلاقاته بأصدقائه وحبيبته أو زوجته وأبويه وإخوته وأبنائه، فهذه علاقات أكثر شخصية وعمقًا من العلاقات اللاشخصية والسطحية التي أشرنا إليها، ولكن بالرغم من أننا ندعو تلك العلاقات من النوع الثاني بأنها شخصية، فإنها يجب أن تكون مع ذلك مشروطة أو ذات حدود، فلا يعطي الفرد لها وللآخرين أكثر مما يجب، ولا يتوقع أن يأخذ منها ومن الآخرين أكثر مما يجب أيضًا، وأن يتذكر طوال الوقت، خصوصًا إذا كانت تغلب على حياته العلاقات الشخصية أنه وحيد في هذا العالم وهذه الحياة، وبالنسبة إلى الآخرين كما أشرنا، وأن لا يجعل لحظات السعادة الظاهرة مع الآخرين تنسيه حقيقة وجوده في العالم، وخصوصًا بالنسبة إلى الآخرين، أن لا تنسيه أنه وحيد.

وأخيرًا

قد تكون الصورة التي رسمتها لحقيقة وجود الفرد قاتمة بعض الشيء، ولكني لم أجد بدًا من أن أنقل وأن أوصل للآخرين ما اختبرته في حياتي بالتجربة، وما أكده لى التأمل والتفكر، وأن أشير إلى مدى سوء علاقاتنا الاجتماعية، وإلى أي مدى حاجتنا إلى إصلاحها وتحسينها، لنكون ونشكل حقيقة جديدة لوجود الإنسان، ولكن حتى ذلك الحين، فإني أظن أن الوحدة ما تزال هي حقيقة وجود الإنسان. ولذلك تكون معرفته لحقيقة وجوده مهمة للغاية؛ حيث إنها تجعله ينظر النظرة الصحيحة إلى العالم والحياة، وخصوصًا الآخرين، وأن يحيا حياته بناء على تلك النظرة، بطريقة تجنبه التعرض للألم من قبل الآخرين قدر الإمكان، وتساعده على تحصيل أكبر قدر ممكن من السعادة في الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصحوة
عرض التعليقات
تحميل المزيد