الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

نعيش هذه الأيام ذكرى الحدث التاريخي المفصلي في تاريخ الإسلام وهو هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة برفقة الصحابي أبي بكر الصديق، الحدث نفسه حمل في سياقه الكثير من المواقف التي عبّرت عن إيمان وصدق وثبات أولئك الذين ساهموا في إتمام هذه الرحلة برغم المخاطر التي أحاطت بها والذين تربصوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، وحتى نفهم هذه المواقف العظيمة نحتاج أن نتأمل أو نعيد التأمل في هذه الفرصة لهذا المشروع العالمي الذي أقامه رسول الله ليسع كافة الناس في مشارق الأرض ومغاربها.

وحتى نفهم عمق هذا المشروع يمكن أن ننظر في حوار الصحابي جعفر بن أبي طالب مع النجاشي ملك الحبشة لكي ندرك النقلة النوعية التي أحدثها في الإنسانية.

يقول جعفر: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.. وراح يعدد له أمور الإسلام، ثم قال: فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا.

نحتاج هنا إلى توسعة آفاقنا قليلًا حتى لا يتم تفسير هذا الكلام على أنه مجرد عملية ميكانيكية تمت فيها استبدال مجموعة صفات بأخرى، فنحن هنا نتحدث عن التحلّي بصفات تحتاج إلى مغالبة النفس البشرية وتطويعها لتقبل هذه الصفات والعمل وفقها، ومن ناحية أخرى لتوجيه هذه الصفات لتخدم الغاية الأكبر وهي توحيد الله عز وجل والإيمان برسوله وإتباعه، كل هذا صنع إنسانًا عظيم الشأن، إنسان يقف أمام الملوك ندًّا لهم مثل عبد الله بن حذافة، أو يصارع الموت في أرض المعركة ليصد العدو ويتلقى 24 ضربة سيف أو رمح أو سهم في جسده ليحمي رسول الله مثل طلحة بن عبيد الله، أو يتنازل عن كل ما يملك ليلحق برسول الله وركب الدعوة مثل صهيب الرومي ويكون جزءًا من ذلك المشروع العالمي، وفي مجموعهم رجال كانوا رعاة في الصحراء تحولوا إلى سادة العالم وقادته.

إذا كان ما سبق مجرد كلام رومانسي ليسأل كل واحد نفسه بمعايير عصرنا ما هو ذلك الشيء الذي يمكن أن يجمع بين رجل إيطالي ورجل إيراني ورجل إثيوبي ورجل من جزيرة العرب، أسأل هذا السؤال وأنا لدي ما لم يجمع بين أربعة رجال مختلفي الأجناس فحسب، بل ربط بينهم برابط أخوة أزعم أنها أقوى من كثير من الأخوة البيولوجية التي نراها الآن، والحديث هنا عن صهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال بن رباح الحبشي وأبي بكر الصديق العربي، من لديه مسحة عقل يتدبر به ويتأمل لن يجد مبررًا لمن يزعم أن الإسلام انتشر بقوة السيف أو جاء ليضطهد المرأة أو ليحقق مصالح دنيوية، فالسيف مهما كانت قوته لن يستطيع أن يجعل ملايين الناس من شتى بقاع الأرض تدخل الإسلام ولن يتجرد له شخص يبذل نفسه وماله في سبيله بل نحن لدينا حالة دخول التتار في الإسلام وهم من يحكم بلاد المسلمين، كما أن رسالة الظلم لن تعيش كل هذه القرون بنفس مصادرها وأسسها وقواعدها ليؤمن بها أكثر من مليار شخص حول العالم يصلون نفس صلاتها ويصومون في شهر صيامها ويحتفلون بأعيادها ويجتمعون في صعيد واحد كل عام.

ونحن نعيش في زمن عادت فيه الديكتاتورية والتسلط على الشعوب وقهرها نحتاج إلى أن نتأمل بنظرة شاملة لتاريخ دعوة رسول الله، فهي لم تكن مجرد حراك ثوري لمجابهة النخبة التي كانت تعيث في الأرض فسادًا وتحارب دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ، بل كان الحراك الثوري هو مرحلة تأسيسية لما هو أبعد وهو ذلك المجتمع الذي يعمل وفق منظومة قيمية متكاملة غيرت من خارطة العالم، والملفت للنظر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع هذا التصور الشامل نصب عينه منذ اللحظة الأولى، فبينما هم يعانون من ويلات العذاب، وكان أعلى سقف طموحاتهم هو أن يكفّ نخبة قريش عنهم أذاهم يشكو خباب بن الأرت إلى رسول الله قائلًا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فيرد عليه الصلاة والسلام بقوله: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون وفي موقف آخر، وبينما هو وأصحابه يحفرون الخندق ليصدوا تحالف العرب ضدهم وهو موقف إذا كان فيه أحدنا فلن يفكر إلا بفك الحصار يبشر رسول الله بفتح أكبر إمبراطوريتين في العالم حينها وهي الرومانية والفارسية ودخول الإسلام فيها، وحتى ندرك هذا الموقف تخيل رجل من ميانمار يعاني ويلات الحصار يبشر أصحابه بأن الإسلام سيكون هو الدين الذي سيحكم أمريكا وروسيا، وأن هذا الفتح العظيم سيكون على أيدينا.

نتعلم من هنا درسًا هامًا وهو أن الحرية والكرامة على انهما من المطالب العليّة إلا أنهما يجب أن يخدما غاية أسمى وهي تشكيل مرحلة ما بعد الديكتاتورية والجور وهي المجتمع الذي يعمل وفق منظومة قيمية نابعة من رسالة سامية تعلي قيمة الإنسان وترفع شأنه، ولكن الواقع هو أن الحرية أصبحت أمرًا ينادي به كل ناعق ويرتجل في الحديث عنه بنَفَس المراهقين فتحولت من غاية مرحلية تخدم غاية أبعد إلى أن تكون هي ذاتها الغاية النهائية، والكارثة في هذا هي الحرية عندما تكون هي الغاية النهائية لن يكون هناك تباين بين الحق والباطل أو بين العدل والظلم أو بين الصواب والخطأ أو بين روح الإخاء وروح العنصرية، فالكل حينها حر يختار ما يشاء ليفعل ما يشاء دون وازع ديني أو قيمي يوجهه في اختياره وأفعاله.

من المثير للسخرية حقًا أن تقع هذا العام ذكرى الهجرة النبوية مع ذكرى أحداث 11 من سبتمبر (أيلول) في يوم واحد، فبينما المسلمون يهنؤون بعضهم بمناسبة ذكرى الهجرة والعام الهجري الجديد هناك من يقول لسان حاله أن ذكرى أعظم جريمة إرهابية تتزامن هذا العام مع ذكرى الحدث الإسلامي الذي كان لبنة الدين الذي نشر الإرهاب في العالم، وعلى الرغم من أنه قول مستفز لعقول الكثير ممن أنعم الله عليهم بالبصيرة ولكن أتساءل حقًا كم تبقى حتى يتم فرض هذا القول على الناس فرضًا على الناس فتهمة الإرهاب التي تم رمي أسامة بن لادن وأيمن الظواهري ومن رافقهما بها من كان يتخيل في يوم من الأيام أنها ستكون موجهة إلى سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري وغيرهم الكثير من الدعاة، والمثير للسخرية حقًا هو أن الدولة التي تتهم هؤلاء الدعاة بهذه التهمة وتطالب نيابتها بتنفيذ حكم الإعدام فيهم هي ذاتها الدولة المطلوبة للمثول في المحاكم الأمريكية لمواجهة ذات التهمة من قبل المجتمع الأمريكي ومطالبة بدفع تعويضات تصل في تقدير مبدئي لعشرات المليارات من الدولارات ومؤهلة لتصل إلى أبعد من ذلك، وتأتي هذه المحاكمة إثر قانون جاستا الذي كانت شرارته هو حراك مجموعة نساء من أرامل ضحايا أحداث سبتمبر.

أمريكا بدأت مشوار الحرب على الإرهاب عقب أحداث نيويورك قتلت فيه من قتلت في أفغانستان والعراق بهذه الحجة، والآن تقر سلطتها التشريعية قانون جاستا التي بموجبه تتم محاكمة السعودية التي هي الحليف الأساسي لأمريكا ممثلة في سلطتها التنفيذية في مشروع الحرب على الإرهاب، أو كما يسمونه، من ناحية أخرى تهدد بمعاقبة قضاة المحكمة الدولية في حال أرادت المحكمة ملاحقتها قضائيًا هي أو إسرائيل أو حلفاؤها، والملفت للنظر أن العقوبة ستكون في حال الملاحقة القضائية، وليس صدور الحكم؛ مما يعني أنها قررت ضمنيًا أنها محصنة ضد أي مساءلة قانونية حتى لو كانت من جهة اعتبارية مثل المحكمة الدولية.

كما هو واضح فلا أحد يعلم من هو الإرهابي غير امريكا، ولكن خطر ببالي سؤال: هل ستعاقب أمريكا المحكمة الدولية إذا أرادت ملاحقة السعودية قضائيًا ؟! ولو كان ذلك صحيحًا فلماذا تحاكمها في المحاكم الداخلية في أمريكا بموجب قانون مثل قانون جاستا، والغريب هو أن ترامب الذي انتقد أوباما بشدة بسبب استخدامه حق الفيتو ضد القانون هو نفسه الذي كانت أول زيارة خارجية له للسعودية نفس الدولة التي يمكن القول أن القانون تم تفصيله أصلًا ليستخدم ضدها، وعقد معها القمة المشتركة والقمة الخليجية واعتبرها أحد أهم شركائه في مكافحة الإرهاب، أما السعودية نفسها فهي تدخل في صراع تتحالف فيه مع الإمارات ومصر والبحرين ضد قطر وتتورط في حرب في اليمن لا يعلم أحد كيف ستنتهي، وداخليًا تشن حملة شرسة ضد الدعاة وتتهمهم بذات الإرهاب الذي لا يعلم أحد ما هو أو ما هي ملامحه ومضامينه.

أمام هذا السيرك السياسي أتساءل إذا ما كانت المشكلة في الأنظمة التي تحكم أم هي أبعد من ذلك، وأتساءل إلى أي مدى ستذهب أمتنا بالحرية لو حصلت عليها وسط هذا السيرك الذي كان طغيان الطغاة العرب لخدمته بالدرجة الأولى.

بالعودة إلى ما سبق أستطيع القول أن غياب المنظومة الهويّاتية (إن جاز التعبير) والقيمية هي السبب وراء النيل من الكثير من أهل الحكمة والتلويح لهم بسيف الإرهاب إذا ما بدر منهم أي نوع من التمرد، لا أتصور أننا سنصل إلى هذه المرحلة لو كان لدينا ما نحاكم إليه مصطلح دخيل مثل الإرهاب حتى يكون لدينا تصور واضح عن من هو الإرهابي، ومن هو ليس كذلك، غياب الرؤية أمر ضارب في كل الأطياف وبالذات الإسلامية، فالخلافات وقعت بين جماعة الإخوان المسلمين قديمًا وحديثًا ووقعت بين التيار السلفي في حرب الخليج في التسعينات والأسباب في هذه الخلافات عديدة لا يسعنا ذكرها هنا ولكن المهم قوله هو أن فكرة تشكيل الكيانات الإسلامية منذ عشرينات القرن الماضي كانت بدعوى ملء الفراغ الذي سببه سقوط الخلافة العثمانية، والتي كانت في عقودها الأخيرة صنم على شكل خلافة إسلامية أكثر من كونها كيانًا سياسيًا فاعلًا مع تقديرنا لموقف أو بعض مواقف السلطان عبد الحميد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد