نادرًا ما نجد في حياتنا اليومية من يتمتع بالسعادة التامة وراحة البال والاطمئنان، هذه الكلمات التي تحمل في طياتها كل معاني الحياة المستقرة التي يتطلع لها بنو البشر قاطبة، فالاستقرار الروحي للفرد مع مجموعة من القيم السامية التي يمارسها فعلاً وقولاً وسط مجتمع، والاستقرار المادي مع توفر معاني الرفاه والعيش الرغيد، يستحيل أن نجدها اليوم مجتمعة لتضاد خلقته الظروف وانعكست سلبًا على مجتمعنا.

إن وجود واحدة من هذه المعايير معناه انعدام الآخر، والسبب في ذلك هو الحشود الكثيرة من المفارقات والمتناقضات في عصرنا. هذا العصر الذي لا مكان فيه للضعيف المتخاذل المستكين، ولا مكان فيه للقيم والمبادئ الخلقية السامية.

إنه العصر الذي طغت فيه المادة على الروح، وأصبح الشعار المسموع الذي يطرق الآذان هو: قيمة المرء بما في حوزته من قطع نقود، هذه القطعة التي صارت هدف كل شخص، وأصبح الحصول عليها من أوجب الواجبات وبأي طريقة كانت، حتى على حساب الآخرين، من أجل أن يتباهى بها أمام الآخرين من بني جنسه، ويشتري من النفوذ ما يستطيع، ويستغل من الضعفاء ما يريد، ليصل إلى المناصب السامية في الأمة وهو غير جدير بذلك.

إنه العصر الذي طغت فيه المادة على الروح.

فلقد أصبحت الحقيبة النقدية هي من تحدد صوت الشعب في كثير من الأحيان؛ فلذلك لا عجب أن تجد سمسارًا يناقش مصير أمة.

الغاية تبرر الوسيلة، إنها التذكرة التي يقدمها إلى حاجب الأخلاق لكي يدخل إلى هذا العالم على أنه إنسان. الذي نرى فيه الحقوق تهضم وتسلب دون أن نجد للحق رادعًا مع انحدار للأخلاق والقيم وتفشي آفات اجتماعية، كالأنانية والحسد والغيرة والتسلط.

أتراه الخوف أم الجبن أم الاستبداد، يمنع ظهور الرادع؟ أما الواقع أنه لا هذا ولا ذاك، ولكنه القبول له والرضي الحاصل وسط المجتمع الواحد.
قال مالك بن نبي: لو حاربنا الداء قبل استفحاله لما ندبنا حظنا ولما رسمت لنا الحياة وكأنها أرجاس. وعلى حد قول العلامة ابن باديس: واقلع جذور الخائنين. لأننا لو أقلعنا هذه الأضراس المسوسة النخرة لما رأينا هذه الفروق الاجتماعية السخيفة؛ لأن معظم الذين هم كبار في أعيننا، في مجتمعاتهم اتصفوا بصفة الكبر نتيجة غدرهم وخيانتهم لمسؤوليات تخدم العامة، والانشغال بمصالح شخصية مع التجذر على المناصب وحتى وراثتها لأجيالهم، لأن وصولهم كان من أجل أنفسهم ومصالحهم وتجارتهم بقضايا الأمة، مهما اختلفت التجارات طائفية كانت أم دينية أم إنسانية، لكن لا مفر لهم، الزمن والآفات ستقضي عليهم.

يقول عبد الرحمن الكواكبي: «غير أن ثقتنا لن تخيب أبدًا؛ لأننا واثقون من أن الضغط يولد الانفجار».

ما الانفجار المرجو أن يكون؟ هو الانفجار على الوضع الأخلاقي المنحط، وعلى الوضع الإنساني المنهار. فبعث القيم في أنفسنا والأجيال القادمة، ورسم النزاهة وبعث روح إنسانية غيورة على الأخلاق والمبادئ السامية، كفيل برفع الأمة الى أعلى الهرم، وتحقيق السعادة، وخلق ترابط بين الاستقرار الروحي والاستقرار المادي الذي سيرسم معاني الحياة الكريمة، وترفع قيمة الإنسان، وتتوقف الكثير من الصراعات العقيمة، أيديولوجية كانت أم جهوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الانفجار
عرض التعليقات
تحميل المزيد