كانت سنة 2016 حافلة بالمفاجآت في مختلف المجالات لكن لم يتوقع أحد أن يهتز العالم بمفاجأة كان بطلها الملياردير دونالد ترامب، الذي استطاع اكتساح الانتخابات الرئاسية في وقت كانت كل التكهنات إلى استحالة تجاوزها الأدوار التمهيدية بسبب سجل الرجل المليء بالفضائح الجنسية وافتقاره إلى الخبرة السياسية أمام منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون.

وخلافًا لمن سبقه من الرؤساء الأمريكيين شكل وصول ترامب إلى السلطة حدثًا مفصليًا في تاريخ السياسة الأمريكية، ببرنامج ينضح بخطابات شعبوية اختار لها شعار أمريكا أولًا، دقت معها كل نواقيس الخطر في مختلف دوائر صنع القرار الأمريكي، واستطاعت أن تقسم المجتمع الأمريكي بين المعارض والمؤيد له، كاشفة بذلك مدى تنامي أفكار اليمين المتطرف في بلد ظل منذ لحظة تأسيسه رمزًا للحرية ومبادئ الديمقراطية.

واستند البرنامج الانتخابي لترامب على خطابات اليمين المتطرف مكرسًا نفسه كرمز لها وبالرغم من حملات التشهير الإعلامية التي واجهها من قبل، تشبث بنهجه السياسي حتى استطاع الوصول إلى سدة الرئاسة وحينها شرع في تنفيذ تعهداته الرئيسية، دشنها بإصداره قرارات تنفيذية لا يزال صداها يتردد إلى حد الساعة بمنع المهاجرين القادمين من 6 دول إسلامية من دخول أراضي الولايات المتحدة لكونهم تهديدًا محتملًا للأمن القومي الأمريكي.

أما بالنسبة للسياسة الخارجية فقد شكلت ارتدادًا واضحًا عن الثوابت التي ميزت السياسة الأمريكية إذ تجسد طابع الانعزالية والانغلاق، كتيار ينتشر بسرعة في أوساط الحزب الجمهوري يؤمن أتباعه بأن الاستراتيجية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين لن تكون كسابقتها، فهذا البلد ينبغي أن يركز على قضاياه الداخلية أولًا ولم يعد بإمكانه تحمل أعباء العالم وقضاياه الموروثة عن الحقبة الباردة.

وهو ما يفسر خطابات الازدراء التي وجهت إلى حلف الشمال الأطلسي والتشكيك في جدواه بوصفها المنظمة التي عفا عليها الزمن، وبكون تمويلها يستنزف الاقتصاد الأمريكي وفي السياق نفسه تعهد بانتهاء الحماية المجانية للدول التي ظلت تحت حماية المظلة العسكرية خاصة دول الخليج مطالبًا إياها بتسديد التكاليف المالية المستحقة عليها.

كما عمل على التقرب من العديد من الأنظمة السلطوية في العالم كروسيا التي استفادت كثيرًا من نجاحه في الوصول إلى منصب الرئاسة لتوسع في الشرق الأوسط، وزيادة نفوذها في الملف السوري مما جعل العلاقات بين الطرفين تتحسن على نحو واضح على عكس ما كان عليه الأمر إبان الفترة الرئاسية لسلفه الديمقراطي أوباما.

هذه التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها الولايات المتحدة لا يمكن عزلها عن سياقها الدولي، لوجود رابط واضح بين انتخاب ترامب في الولايات وصعود الأحزاب الممثلة لليمين المتطرف في أوروبا التي أجمعت على ترحيب بانتخابه، ومن أبرزها الجبهة الوطنية بفرنسا وحزب الحرية اليميني في هولاند، حيث مثل لها بارقة أمل في الوصول إلى السلطة وتغيير موازين أوروبا وهو الأمر الذي أكدت عليه كل استطلاعات الرأي في العديد من الدول الأوروبية مشيرة إلى تزايد شعبيتها بأوساط الناخبين الأوروبيين.

لعل من أبرز عوامل نجاح الحملة الانتخابية ويمكن استقراؤها من التحولات الهامة التي يشهدها المجتمع الأمريكي، أجاد وصفها المفكر الشهير نعوم تشومسكي بالمجتمع المتعادي، حيث تنامت أفكار اليمين المتطرف المبنية على خطابات التحريض والكراهية للمهاجرين داعية إلى تشديد القيود في استقبالهم وتحجيمهم باعتبارهم يدًا عاملة رخيصة مزاحمة على فرص عمل أصبحت تتناقص يومًا بعد يوم بفعل الأزمة الاقتصادية التي لم يتعافَ منها الاقتصاد الأمريكي.

ومن جهة أخرى أصبح خطاب التخويف من خطر الأقليات العرقية والدينية خاصة المسلمين بوصفها تهديدًا وجوديًا للنسيج الثقافي الغربي، أصبح وسيلةً لجذب الناخبين، بفعل خصوصيتهم الدينية وعاداتهم المخالفة للقيم الغربية وكذلك ارتباط عدد منهم بالتيارات الأصولية، زاد من تكريس هذه النظرة استفحال الهجمات الإرهابية التي طالت العديد من الدول الأوروبية في الآونة الأخيرة خاصة بفرنسا وألمانيا.

وأمام الظرفية الحالية التي يشهدها العالم استطاع تيار اليمين المتطرف أن يكرس نفسه كبديل سياسي يحظى بشعبية وقدرة خاصة على التأثير في شرائح واسعة في المجتمع الأمريكي، وخاصة في أوساط الطبقات العاملة الأمريكية المحبطة من إمكانية التغيير السياسي، بعد فشل النخبة السياسية في تحسين المستويات المعيشية وزيادة برامج الإنفاق الاجتماعي للقضاء على تفاوتات الطبقية حيث تستحوذ طبقة الأثرياء التي تشكل نسبة 1% من السكان على ما يعادل 40% من الثروة الوطنية في بلد يعد الأعلى من حيث الناتج الإجمالي الخام في العالم.

إن هذا النجاح المفاجئ لهذه الأيديولوجية الفكرية بقيادة ترامب سيرخي بظلاله على المشهد العالمي حيث لطالما تعهد برغبته الدفينة في إعادة تخليقه وفق أسس جديدة، وهو ما يشير إلى أننا على أعتاب بزوغ عهد جديد سمته الأساسية عودة عصر الأفكار القومية المتطرفة ونهاية العولمة الليبرالية بإعلان إفلاسها المادي والأخلاقي على الرغم من أن الولايات المتحدة لعبت دورًا أساسيًا في بلورتها مما سيساهم في توتير العلاقات الدولية واحتدام صراع الحضارات خاصة ضد العالم الإسلامي الذي يشكل المتضرر الأول، خاصة مع حربه المعلنة ضد كل تيارات الإسلام السياسي بمن فيها المعتدلة التي وصلت إلى السلطة في بعض البلدان العربية واضعًا إياها في سلة واحدة.

صعود ترامب كظاهرة سياسية ووراءه تيارات اليمين المتطرف في الغرب تجسد للحالة المرضية المزمنة في مجتمعات ما بعد الحداثة الغربية، وتعبير عن مدى الانحدار الأخلاقي الذي أصاب الحضارة الغربية حيث صناعة الخوف والشعور بفقدان الثقة والتشكيك في القيم الليبرالية هي البضاعة الرائجة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

نعوم تشومسكي : صعود ترامب سببه موت الرجل الأبيض في أمريكا
ديفيد هيرست : ترامب و انحطاط الغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد