لا يخفى على أحد تلك الأيام نظرة العالم الغربي للإسلام، أتعجب كثيرًا من أشخاص ينعتون أنفسهم بالإنسانية والتحضر، ثم يقومون بالحكم على دين يضم المليارات من البشر عن طريق أفعال قلة قليلة جدًّا لا تستطيع في الأصل أن تثبت أنهم ينتمون إلى هذا الدين، وآخر المهازل التي حدثت عندما خرج الرئيس الفرنسي لينسب الإرهاب بشكل خاص لدين بعينه -أي الإسلام-.

ولكن السؤال هنا، هل الدين الإسلامي بالفعل كذلك، هل هو دين سيف وإرهاب فعلًا كما يدعي الغرب؟ وهل يعقل لدين شامل بُعث للعالم بأكمله أن يكون غير قادر على التعايش؟

أسئلة كثيرة تدور في أذهان شباب هذا العصر الذين فقدوا هويتهم في وسط الغزو المادي الغربي، الذي تحكّم بدوره في التكوين الثقافي للمجتمع الحديث، في وسط صمت مريب من أبناء الثقافة الأم التي تتلاشى سريعًا أمام أعيننا.

لقد وضع الإسلام قوانين ثابتة لا تخفى على أحد في التعامل مع البشر من مؤيد أو معارض، تم استنباطها من المصادر الرئيسية للتشريع «القرآن الكريم» و«السنة المطهرة».

فقسم الإسلام التعامل إلى أربعة مستويات:  

1- المستوى الأول:

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ».

يحدد هذا المستوى التعامل مع كافة الناس -المسلم وغير المسلم- بغض النظر عن عرقهم وأنسابهم وعقيدتهم، فقد جاء الخطاب إلى الناس جميعًا بغرض التعدد، ثم أكد ذلك التعدد بذكر الشعوب والقبائل، وجعل الغرض الوحيد من ذلك التعدد والاختلاف هو التعارف، ثم ذكر أن معيار التفاضل بين الخلق معيار إلهي بحت لا يتحكم به الناس، وهو التقوى -أي الخشية- من الله.

2- المستوى الثاني:

«لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ».

يخاطب هذا المستوى الفئة المخالفة في الدين، ولكنها فئة مسالمة، فأمر أن يكون التعامل معهم بالقسط -أي العدل-، بل انتقل إلى مستوى أخلاقي آخر من التعامل وهو «البر». والبر هو من أقصى درجات الإحسان التي حث عليها الإسلام، مثل البر في التعامل مع الوالدين.

3- المستوى الثالث:

«وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ».

يتحدث هذا المستوى في حق المختلف في العقيدة عن إبداء رأيه بحرية، وليس هذا الحق فقط، بل أمر المسلمين ألا يجادلوا إلا بالحسنى، والقول الحسن.

ولا يعني ذلك بالطبع أن يصيب المسلمين حالة من الشك في أنهم أصحاب الحق أثناء المجادلة، ولكنها دعوة إلى إعطاء الآخر حقه الطبيعي في المناقشة والحوار.

4- المستوى الرابع:

وهو المستوى الذي يقصد غير المسلمين المحاربين للإسلام، وقد ذكر التعامل مع تلك الفئة في عدة مواضع في القرآن الكريم، والذي يجب ذكره هنا أن كل تلك الآيات لا يتم تطبيقها إلا في حالة الحرب، لا في حالة السلم. وكذلك في حالة المواجهة، وليس في حالة المصالحة. وذلك أمر طبيعي جدًّا، فلا يمكن أن تطلب من جندي في المعركة أن يعانق خصمه الذي يقابله بالسيف والمدافع!

أمثلة تاريخية للمعايشة: 

لم تكن تلك المستويات مُثلًا عليا يصعب الوصول إليها، أو مجرد نظريات وضعها المسلمون في برج عاجي بدون تطبيقها على أنفسهم، فمن قرأ في التاريخ وجد أن كثيرًا من المسلمين طبقوا الأسلوب الإسلامي للمعايشة مع من يختلف معهم في الدين.

فيأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول في حديثه الصحيح: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا». ويأتي من بعده عمر رضي الله عنه، عند دخوله القدس الشريف، فيمنح أهلها الأمان على أنفسهم وممتلكاتهم.

وكذلك على مر التاريخ كان لغير المسلمين أدوار مهمة في الدولة، فكان عبد الملك بن مروان يعين الراهب أثنيوس مؤدِّبًا لأخيه، وكذلك كان نصر بن هارون المسيحي وزيرًا في عهد السلطان عضد الدولة البويهي. وكذلك في حركات الترجمة والكتابة والعلم كان لكثير من غير المسلمين مكانة كبيرة في الدولة، مثل حنين بن إسحاق النسطوري، الذي عينه الخليفة مسئولًا عن بيت الحكمة –المكان الذي كانت تجمع به الكتب المترجمة-.

ومن أفضل الوثائق التي تدل على ذلك، تلك التي ذكرتها المستشرقة زغريد هونكه، أن البطريرك تيودسيوس أحد رهبان بيت المقدس، بعث إلى الأسقف أكتاتيوس في بيزنطة في القرن العاشر الميلادي قائلًا:

«إن العرب هنا هم رؤساؤنا الحكام، وهم لا يحاربون النصرانية بل على عكس ذلك يحبونها ويوقّرون رهباننا».

والكثير من المواقف الأخرى التي ذكرها التاريخ ولكن لا يسعنا ذكرها جميعًا هنا، (انظر كتاب التطرف خبز عالمي باب «بين المثل والممارسة»).

التطرف الحقيقي:

«التطرف هو الشطط في فهم مذهبٍ أو معتقدٍ أو فلسفةٍ أو فكرٍ، والغلو في التعصب لذلك الفهم، وتحويله إلى حاكمٍ لسلوكِ الفرد أو الجماعة التي تتصف به، والاندفاع إلى محاولة فرض هذا الفهم والتوجه على الآخر بكل الوسائل، ومنها العنف والإكراه».

فلو كان هناك بعض القلة القليلة التي تستخدم الإسلام سلاحًا لتمارس عدوانها وتبرر مساوئها، فهي فئة متطرفة لا شك.

أما إذا كانت هناك فئة كبيرة من مجتمع كبير تمثل القوة الحاكمة لهذا العصر، تدعو وتبذل كل جهدها إلى أن تنسب فكرة التطرف إلى دين بعينه، بدون النظر إلى تعاليمه والتعمق في فهم معانيه فهمًا موضوعيًّا؛ فذلك هو التطرف بعينه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد