مونولوج داخلي يكشف خسة ودناءة رهيبة

إذا قرأنا ما كتبه نوبوكوف في رواية لوليتا وقدر ما حملته من التحفظات عند طرحها من آثار مرفوضة في المجتمع عامة ولما تحكيه عن الانجذاب للقاصرات من رجل أرمل بقدر ما لا يفقدها هذا الجوهر في تحليل السلوك البشري لحياة هامبريت الأربعيني الذي قادته شهوته لحب (دولوريس أو لوليتا) الفتاة التي لم تبلغ سن المراهقة بعد،فتوصيف هذا السلوك يعود لنوبوكوف في فهم «عقدة لوليتا» وما حملته في آثارها من النشاط النفسي للقارئ.

وفي نفس السياق التي بدأت تظهر في المجتمعات لتبدو جزءًا من هذه التركيبة المنتشرة نوعًا ما، وهي حب الفتيات الصغيرات لمن يبلغهن العمر أضعافًا وهذا يعود للحالة النفسية المتركزة في بداية حياتها ومانمّت به عقلها من الحالة النفسية المتأثرة بالأب وباللاوعي الذي يكنّ له الإهتمام والتمسك بوالدها بدرجة كبيرة وهذا ما يبدأ منذ المراحل الأولى للطفل وعدم السيطرة عليه يجعله سببًا لنمو هذا السلوك بدرجة كبيرة ضمن اللاشعور، فتراها في أوج ذروتها إلى سن السادسة، وإلى أن تنتهي غالبًا حيث تدرك بأنها لن تحل مكان والدتها وتبحث عن شريك أقرب إلى صفات والدها في عقدة إلكترا أو بالعكس في عقدة أوديب وهذا ما يبدو الحالة الطبيعية للفتيات بأن يكون الأب هو الركيزة التي تبني الفتاة عليه أحلامها، إن عقدة لوليتا هي تعويض عن نقص تسد بها حاجتها للحب لا شعوريًا من والدها.

لوليتا يا نور حياتي ونار صدري يا خطيئتي وروحي أيتها النار المتوقدة في عروقي يا من تهزج روحي باسمك

إن عدنا لفعل هامبيرت بطل نوبوكوف فإن وضعه في صف الإجرام بحق دولوريس يكون فعلًا هشًا رغم صدق حبه ومشاعره الكبيرة الصادقة التي نضيف عليها بأنها دون شك سلوك غير أخلاقي، وهذا التضارب بالأفكار لدى القارئ.

بنظرة هوس هامبرت الملتهب تجاه لوليتا الصغيرة وحلمه الذي لم يتحقق وبين الحالة النفسية والعقاب التي سيعيشها، إن هذا يعود بالشبه والتوافق بنقطة وحيدة في مسرحية شكسبير وهو حب عطيل لديدمونه وغيرته المرضية التي على اثرها قتل حبه الصادق خنقًا ثم طعن نفسه حزنًا على فراقها وبين أسطورة أوديب وحبه لوالدته، بعقدة نفسية التي تنشأ في السنوات الستة الأولى من حياته وعقدة إلكترا التي تضاهيها تمسكًا وعطفًا بالأب وهذا الذي شرح فيها فرويد هذا السلوك الغريزي والسلوك الفردي الذي يصل بالفرد لمرحلة معقدة، إن هذا التساوي بالميول بين الجميع هو تساوي قدرة الحب وفي ما يليها تختلف اختلافًا شديدًا في مفهوم استخدامها وبروزها من شخص لآخر.

خطيئة الرجل الأرمل أم ضحية الحمل الوديع؟

إن كان تلخيص حياة بطل نوبكوف بسطرٍ واحد لملئتها دون دراية بأبشع الألفاظ وأضفت دون أدنى شك الخلل النفسي الذي يصاحبه خدش للحياء وسلوكًا حيوانيًا لفعله ولكن دعونا نقول أولًا لماذا كان الجاني جانيًا؟

هذه المشاعر المتراكمة والأحاسيس المدفونة سنقول بأنها جوهر الحب السامي إن كانت لأنثى بعمره أو حتى يمكن القول بأن هذا الفعل هو مراهقة ما بعد الأربعين في دراسة لأكاديمية علم النفس بأن يشعر الرجل في عمرٍ متأخر بأنه ما زال جذابًا وقويًا وأن يثبت لنفسه وللمجتمع بأنه قادر على حب فتيات صغيرات وجذب اهتمامهم، أو أن يكون ألمًا مدفون منذ الصغر وتخرج مع تلك الإرادة وبتلك الشهوة التي تسيطير عليه لاستثارة الألم ويكون عبدًا لشهوة داخلية واستسلامه التام للرغبة كما يمكن القول بأنها أقرب لكشف هذه المخلب المغروس بالغاية الشهوانية كما في رواية «فينوس في الفراء» لليوبولد فون ساشر مازوخ الذي هيأ أدبه ليقف بجانب النظام الأمومي ويعلن خضوعه التام كي تكون المخلص له، إن كل عمل أدبي مرتبطة بشكل أو بآخر بكاتبه وينتابه في الكثير من المواقف والحالات النفسية اضطرابات عنيفة داخيلة وفقدان رغباتهم لذا نتيجة هذا الفقدان ينشط خيال المبدع بدرجة فائقة في تعويض الرغبة المفقودة التي يمتلكها ويصبها لتكون قطعة أدبية لـ(نوبكوف أو شكسبيرأو ليوبولد).

ما حدث لدولوريس مروع ومعرفة نوبكوف بالواقعة تزيد من رعب المشهد ولكن تتلاشى في حب هامبيرت برسم صورة لوليتا في خياله إلى الأبد

إن العقدة النفسية لا تندرج تحت مسمى المرض العام وليست العقد النفسية إلا مشاعر تم تخزينها من مراحل الطفولة كالحرمان من العواطف أو غيرها ويتم السيطرة عليها بالالتزام رغم عدم دراية المصاب نفسه بأنه حامل لهذا التوجه النفسي منذ سن الطفولة وما يستقر في نفسه من قناعات تتحكم في مجرى توجهه ودوافعه الداخلية وتختلف في شكل الميول التي وجدها الكثير مختلفة من عقدة نفسية إلى سلوك غريزي كما في حياة بطل رواية لوليتا الذي يختطف ويغتصب طفلة تبلغ من العمر 12 سنة بتلك الدناءة الرهيبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد