بين غين الاستغلال وقاف الاستقلال حُرِّفت سطور تاريخ عجنت حروفه بكل مظاهر العزة والنخوة والحرية، وملأ باطنه بكل أنواع الخيانة والعمالة والكذب والدناءة والغش والخداع؛ ليعيش شعب على أنقاض ماض مشرف، وحاضر مجهول، مُغيب المعالم منهوب المستقبل.

مرت علينا منذ أيام ذكرى استقلال بِّتُّ أجهل رقمها. ضاعت جاذبيتها وهيبتها بعد أن أيقنا وعلمنا وأدركنا أنه استقلال مزعوم، مكذوب، مفتر.. قذف به جيلنا علنا نرضى ونتكابر به وننسى جراح واقعنا ولسان الحال يقول: كفاكم تذمرًا فماضيكم الأحلى وحده سيكفيكم شرف العيش النبيل الذي تبغونه وتطمعون به.

يوم ضحى الرجال بأرواحهم في سبيل أرض الله، ولا نية لهم بها، إلا أن يكتبوا عند ربهم أحياءً يرزقون، ولد من أرواح تلك الثورة الطيبة المباركة رجال تقمصوا لباس الشرف والمروءة والشجاعة ليخدعونا ببعض الكلمات والمظاهر فباعوا بعد استقلالنا أرضنا وخيراتنا وشرفنا وعرضنا ولازالون يفرضون علينا الاحتفال باستقلال مزعوم، مع أننا لو رجعنا لمعنى هذا المصطلح لوجدنا أن الاستقلال والحرية لا قصد لها سوى أن يحكم الشعب نفسه بنفسه سياسيًا وفكريًا واقتصاديًا وثقافيًا ودينيًا، دون وجود أي تدخل أو تبعية، وحتى عمالة لأي قوى خارجية.. فهل وجدنا ما حارب لأجله أجدادنا حقًا؟

وهل نعيش ذاك القصد من المصطلح الذي قذفنا به! ألسنا نعيش بأوطاننا غرباء، ونغرم بفواتير لم ننل خدماتها، وإن أشفقوا علينا بوظائف، نلنا رواتب لا تكفي مصاريفنا، ليس لنا حقوق، ولكننا مثقلون بالواجبات، وإن نلنا حقًا فتلك منة السلطان علينا، إن تكلمنا فتنا، وإن صمتنا ذُلِّلْنَا.

الاستقلال الفعلي هو الذي عرفه الكولونيل محمد شعباني رحمه الله بأنه لم يكن يومًا رفعًا للعلم بقدر ما كان تحقيقًا لمبتغى الإدارة في يد الوطنيين الجزائريين الذين يعملون لصالح الشعب، وإقامة جيش وطني يعبر عن مصالح الشعب، الاستقلال هو أن يشعر المواطن بأنه سيد في بلده، ويشعر بالسعادة والكرامة والحرية والرفاهية، وبهذا يمكن القول بأنه تم تحقيق أهداف الثورة، وأن الجيش حقق رسالة الشعب.

لقد حُوِّلت ثورة التحرير المجيدة من جهاد شعب مسلم العقيدة معروف الهوية والتاريخ، دافع عن حريته واستقلال وطنه ضد الصليبية، واحتسب شهداءه عند الله، إلى تمرد شرذمة محسوبة على الشعب الجزائري لا علاقة لهم بالله ولا بالإسلام ولا بالهوية.. تنازعت مع فرنسا على السلطة والثروة وانتهوا باتفاق تراضى على إبقاء الوصاية الصليبية علينا تحت شعار الاستقلال المكذوب.

 وهذا واضح للمتأمل لحالنا وواقعنا فلن يخفى عليه أننا محتلون في بلادنا كافة، وحتى مواقفنا باتت تحت وصاية مستدمرينا، فدولتنا لا زالت مغتصبة وفكرنا واقتصادنا منتهك وديننا مقنن ومراقب وثقافتنا مسمومة ملغمة لا هدف لها سوى تحطيم جيلنا ودفعه للخلف نحو محطة التخلف والرجعية.

عذرًا يا شهداء الثورة، يا أبطال الملحمة فلا نأمل أن تسامحونا على نطق كلمة استقلال وحرية، فبربكم هل تنسى أم الشهيد بندقية فوهتها وجهت نحو صدر ابنها؟ هل تتبدد صرخات أخت الأسير وصوت السلاسل رنَّت في آذانها؟ هل يرضى  الأب باستقلالنا، وهو الذي اغتصبت ابنته واستشهدت زوجته وابنه؟ هل يكافئ هذا الاستقلال جميل وعرفان من ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل حرية أرض وشعبها؟ فأي زعم هذا؟ وأي كذب افتريتموه علينا وأطلقتم عليه استقلالًا!

إن استقلالنا الحقيقي يوم تُطَّهر أرضنا ممن باعوا القضية وزاغوا عن درب الشهداء. سيبدأ بتحقيق الحرية لأفكارنا ومواقفنا وقراراتنا، وعندها سنتحرر من العمالة والوصاية، سيبدأ يوم نضع حدًا للابتزاز السياسي والمساومة على الحقوق، فييأس العدو منا.

استقلالنا يبدأ يوم يرى المؤمنون في أرجاء الأرض ثباتنا، فتشحذ عزائمهم، وتتوحد الصفوف لتكون يدًا واحدة، بدلًا عن الفرقة والفتنة التي تعطل جمعنا.

استقلالنا يوم نصنع مصيرنا ومستقبلنا بأيدينا. وحتى نصل إلى هذا اليوم لا يسعنا سوى ترديد كلمة لشهداء السبع سنوات من الثورة، للمليون ونصف المليون شهيد سامحونا على وطن تركتموه لرجال؛ فاستقبلوا عدوكم في أيام مضت.

سامحونا على دمائكم الطاهرة التي سقت هذه الأرض؛ فقد جاء من بعدكم من دنسها وأذل سعيها.. سامحونا على خذلانكم، على تضييع أمانتكم وخيانة عهدكم.

سامحونا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك