تعتبر شخصية دراكولا من أشهر الشخصيات الأسطورية في العالم، وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون فشخصية دراكولا ليست شخصية خيالية بل هي شخصية بنيت على أحداث حقيقية لأمير روماني حارب المسلمين لسنوات طويلة وهو ما أكسب الأمير الروماني شهرة كبيرة على الصعيد الأوروبي.

فأغلب الروايات التي تتحدث عن شخصيات خيالية بنيت أساسًا على أحداث حقيقية كشخصية فرانكشتاين التي ظهرت في عدة أفلام وكتب حيث يدور الحدث الرئيسي في القصة حول طبيب جراح يدعى فرانكشتاين قام بسرقة الجثث وتركيب الأعضاء المتفوقة منها باستعمال الكهرباء من أجل صناعة رجل خارق، لكن الطبيب قام بخطأ فادح عندما قام بسرقة دماغ مجرم معتوه وزرعه مع باقي الجسم ما جعل رجله الخارق مجرد مسخ مجنون.

فالحقيقة أن شخصية فرانكشتاين مستوحاة من شخصية حقيقية لطبيب اسكتلندي في القرن التاسع عشر اكتشف بالصدفة أن عضلات الضفادع الميتة حديثًا تتحرك عندما يوصلها بالتيار الكهربائي (وهو ما يعرف حاليًا بالإنعاش بالصعقة الكهربائية) إذ كان الطبيب يسعى لإعادة إحياء الناس عن طريق استخدام الصعقات الكهربائية، فقامت زوجة أحد مرضى الطبيب الاسكتلندي وتدعى “ماري شيلي” بكتابة رواية فرانكشتاين انطلاقًا من الشائعات التي سمعتها عن تجارب الطبيب الاسكتلندي.

 
وفي سنة 1897 قام الكاتب البريطاني “برام ستوكر” بتأليف كتاب روائي تحت اسم “دراكولا” وبنى الكاتب روايته أساسًا على قصة الأمير الروماني “فلاد تيبيسو” أو “فلاد الثالث” والملقب بدراكولا والتي تعني ابن دراكول أو ابن التنين باللغة الرومانية ولقب بهذا الاسم لأنه ورث الحكم عن أبيه الذي كان يلقب بالتنين نتيجة لكونه أحد أعضاء جماعة التنين السرية الذي تم تأسيسها من طرف ملوك أوروبا المسيحيون من أجل إيقاف المد العثماني في أوروبا الشرقية.
ورغم جرائمه الوحشية في رومانيا فدراكولا يعتبر بطلًا قوميًا في رومانيا لقيامه بالتمرد على السلطة العثمانية على الرغم من أساليبه المروعة في تصفية أعدائه وكونه طاغية يتلذذ بالتعذيب والقتل، إذ يصفه المؤرخون الرومانيون بالرجل الحكيم ورجل الحرب المتمرس.

وكما العادة قامت هوليود بانتهاز الفرصة من أجل تشخيص الكونت دراكولا الذي تمرد على الأتراك المسلمين بتصويره كبطل قومي روماني يدافع عن أرضه في وجه الغزو التركي لأراضي رومانيا، ففي السنة السابقة تم إصدار فيلم “دراكولا غير مروٍ” حيث أعاد الفيلم تخيل قصة دراكولا لكن بصبغة تحريضية واضحة حيث تدور أحداث الفيلم حول الأمير الروماني فلاد الثالث الذي كان يعيش مع شعبه في أمن وأمان قبل أن يأتي العثمانيون الأتراك المسلمون بقيادة محمد الفاتح (فاتح مدينة القسطنطينية) ويطالبونه إما بتسليم الأطفال الرومان من أجل تجنيدهم قسرًا في الجيش العثماني التركي أو الاستعداد للحرب.

فعندئذ قرر الأمير الروماني دراكولا محاربة الأتراك المسلمين لكنه عرف أنه لا يستطيع هزيمة الأتراك لوحده فذهب دراكولا إلى جبل حيث يتواجد مصاص دماء وطلب منه أن يعطيه دماءه ليشرب منها لكي يصبح مصاص دماء هو الآخر لكي يتسنى له تحرير أرضه من الغزو التركي، وبالفعل فقد قام دراكولا بشرب دماء مصاص الدماء وأصبحت لديه قوة خارقة وهي ما مكنته من الانتصار على الأتراك وقتل زعيمهم وتحرير رومانيا من الغزو التركي.

ويقوم الفيلم بتصوير الرجل الأبيض الروماني كبطل شهم ونبيل يحارب العدو التركي الشرير من أجل إحلال السلام في أوروبا، ويبدو دراكولا كبطل ملعون يعيش صراعًا بين شقه الإنساني الذي يريد تحرير بلاده من الغزو التركي، وشقه الشيطاني الذي يجبره على الاستمرار في ممارسة حياته كمصاص دماء ملعون بلعنة أبدية، لكن في نهاية المعركة يقوم الأمير الروماني دراكولا بالتضحية بنفسه من أجل الانتصار في المعركة الحاسمة والتخلص من لعنته الأبدية كمصاص دماء حيث أنه في نهاية الفيلم ينجح دراكولا في تحقيق حلمه بتحرير بلاده من الأتراك المسلمين.

وبطبيعة الحال فقصة الفيلم الخيالية لا تمت لوقائع التاريخ بصلة، فالروايات والأفلام التي صدرت انطلاقًا من شخصية الأمير الروماني فلاد الثالث إنما تبرهن عن الحقد التاريخي للنخبة الإعلامية الغربية من الأتراك المسلمين عن طريق تصويرهم كقطاع طرق ومختطفي أطفال، فقصة دراكولا هي مجرد حملة صغيرة من حملات عديدة يتعرض لها الأتراك من أجل تشويه تاريخهم المجيد في القارة الأوروبية.

فالهدف من حملات تشويه تاريخ العثمانيين ليس هم الأتراك أنفسهم بل هم المسلمون بصفة عامة، ويا للأسف فحتى العرب قاموا بالمساهمة في تشويه تاريخ الأتراك المجيد، فأغلب كتب التاريخ في المدارس العربية تعتبر فتوحات العثمانيين للأراضي العربية احتلالًا تركيًا بالإضافة إلى أن التصور الذي تحاول مناهج المدارس والجامعات أن تطبعه أن الدولة العثمانية هي دولة طائفية وقومية متعصبة للعنصر التركي على حساب باقي الطوائف والشعوب التي كانت ضمن النفوذ العثماني بما فيها الرومانيون والعرب مما يجعل العرب أنفسهم شركاء في الحرب الإعلامية الشرسة على إخوتنا الأتراك الذين قدموا الكثير للعالم الإسلامي.

والحقيقة أن السبب الرئيسي لهذه الحملة الإعلامية الهوجاء هي أن إخوتنا الأتراك كانوا ولا زالوا رأس الحربة في التصدي ضد مخططات تخريب المنطقة العربية والإسلامية، فقد استطاعوا إسقاط الإمبراطورية البيزنطية أعظم إمبراطورية في تاريخ أوروبا ناهيك عن أن الأتراك دافعوا عن العرب والمسلمين لأكثر من ألف سنة فبدءًا من السلاجقة الأتراك الذين حرروا الخلافة العباسية من الاحتلال البويهي وحققوا انتصارًا حاسما على البيزنطيين في معركة “ملاذ كرد” ومرورًا بالمماليك الأتراك الذين أنقذوا العالم الإسلامي من الغزو المغولي وطردهم الصليبيين من آخر معاقلهم في فلسطين وحتى العثمانيين الأتراك الذين حرروا الجزائر وتونس من الاحتلال الإسباني وقاموا بالقضاء على الخطر الصفوي في المشرق العربي، ناهيك عن إنقاذهم لعشرات آلاف الأندلسيين من محاكم التفتيش الإسبانية وتحريرهم البحر المتوسط من الهجمات الصليبية لأزيد من قرنين من الزمان.

وبالرجوع إلى التاريخ الحقيقي لدراكولا فهذا الأخير كان أميرًا لولاية الفلاخ الرومانية التي كانت تحت السيادة العثمانية، فبعد وفاة أبيه تسلم دراكولا مقاليد الحكم في ولايته، وبدأ فترة حكمه بقتل ونهب أموال التجار المسلمين فأسرع السلطان محمد الفاتح لقيادة جيشه وسار به لتأديب الأمير الروماني، ولما اقترب الجيش العثماني من حدود إقليم الفلاخ الرومانية أرسل دراكولا وفدًا دبلوماسيًا عرض على السلطان العثماني الخضوع ودفع الجزية والالتزام بكافة المعاهدات السابقة بين العثمانيين وبين ولاية الفلاخ فقبل السلطان محمد الفاتح وعاد بجيوشه إلى إسطنبول.

لكن سرعان ما اكتشف السلطان العثماني أن دراكولا كان يقوم بكسب الوقت من أجل إكمال استعداداته القتالية وتنسيق التعاون بينه وبين ملك المجر لإعداد حملة صليبية ضد العثمانيين في البلقان، وبالفعل فبعد ذلك قام دراكولا بالإغارة على بلغاريا التابعة للدولة العثمانية وارتكب فظائع رهيبة من قتل وسبي ونهب للأموال، وعاد إلى بوخاريست (عاصمة رومانيا) ومعه خمسة وعشرون ألف أسير من المسلمين.

وعندما علم السلطان العثماني بما ارتكبه دراكولا من جرائم وانتهاكات في الأراضي البلغارية، قام بقيادة جيش من مائة وخمسين ألف مقاتل فقام بفتح مدينة بوخاريست المعقل الرئيسي لقوات دراكولا وهزيمة قواته هزيمة مذلة، لكن هذا الأخير استطاع الهرب واللجوء إلى ملك المجر من جديد، وبعد تحرير السلطان محمد الفاتح رومانيا قام بتنصيب “رادو” أخ دراكولا الأصغر كحاكم لرومانيا.

بعد لجوء دراكولا إلى المجر قام ملك المجر بالقبض على دراكولا وسجنه، وفي خلال فترة سجنه تحول الأمير الروماني من الأرثوذوكسية إلى الكاثوليكية لكي يحظى بدعم البابا وبقية الدول المسيحية الكاثوليكية لاسترداد عرشه الضائع في رومانيا، فبعد وفاة “رادو” الأخ الأصغر لدراكولا استطاع دراكولا أن يجمع جيشًا كبيرًا انطلاقًا من المجر لاسترداد عرشه ولمواجهة العثمانيين، لكن هذه المحاولة الفاشلة كانت المحاولة الأخيرة في حياة دراكولا حيث لم يكتف العثمانيون هذه المرة بهزيمة جيش دراكولا فقط بل قاموا بقتله في المعركة وتخليص الإنسانية من شره إلى الأبد.

وفي الأخير يجدر التنويه إلى أن الهدف الرئيسي من تسليط الضوء على قصة دراكولا ليس هي التسلية فقط بل هو التذكير بالتاريخ المجيد لإخوتنا الأتراك وفضلهم الكبير في توحيد المسلمين بالعالم ونشر الحضارة الإسلامية في القارة الأوروبية بالإضافة إلى دورهم الكبير في القضاء على النظام الإقطاعي وإنهاء مرحلة العبودية التي كانت تعيشها أوروبا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد