تمكنت الصين من بناء اقتصاد عالمي أصبح المنافس الأبرز لاقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، كما استطاعت الصين تحقيق طفرات اقتصادية كبيرة، حيث احتلت المرتبة الأولى عالميًا في التصدير وأصبحت تسمى بمصنع العالم، فضلاً على أن اقتصادها يعتبر من أسرع الاقتصادات نموًا بين بلدان العالم، ونشير هنا إلى أن الصين حققت هذه القفزات الاقتصادية بعد تحولها نحو النظام الرأسمالي.

بالرغم من غزو المنتجات الصينية لدول العالم، إلا أن أنها لم تستطع مثلاً بناء أسماء تجارية كبيرة ومعروفة كما هو حاصل في المنتجات المشهورة عالميًا، حيث يرى محللون أن التدفق غير المقيد للفكر هو شرط أساسي من شروط النمو والمعرفة، وهو العامل الأهم في أي اقتصاد مبدع ومستمر، ويقول رونالد كواس الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد: «تعاني الرأسمالية التي تمارس في الصين من إخفاق شديد، ألا وهو غياب سوق الأفكار المبدعة».

لقد نتج عن الثورة الصناعية البريطانية منتجات مبتكرة، وبرزت خلالها صناعات جديدة، لكن الثورة الصناعية الصينية لا تزال دون ذلك الإبداع بمراحل، وبالكاد يتذكر المستهلكون حول العالم اسمًا تجاريًا صينيًا معروفًا، وعندما بدأت الصين طريقها نحو الإصلاح قبل ثلاثة عقود، أكد دينغ سياو بنغ أن «تحرير العقل» مطلب أساسي، لكن الصين لم تصل بعد إلى هذا التحرير.

تواجه الشركات الصينية عديد المشاكل والتحديات في الغرب بسبب علاقتها بالحكومة الصينية، خاصة بعد ظهور فايروس كورونا، وتتهم الصين بالتعتيم إعلاميًا عن الوباء، وهو ما ساهم في انتشاره بسرعة في كافة أنحاء العالم، ومن بين الشركات التي تواجه متاعب في الغرب نجد شركة الاتصالات الصينية العملاقة «هواوي»، حيث عجزت الشركة عن تشغيل أجهزتها دون التقنية الأميركية، بعد العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الصين.

وأعلنت الحكومة البريطانية عن قرارها بحظر مشاركة شركة هواوي الصينية في شبكة الجيل الخامس وأصدرت تعليماتها لشركات الاتصالات بسحب معدات شركة هواوي من شبكة الجيل الخامس في البلاد بحلول عام 2027 بداعي المخاوف الأمنية، ما يعد خسارة كبيرة لعملاق التكنولوجيا الصينية، وقالت بأن هذا القرار سوف يرجئ بدء عمل شبكات الجيل الخامس في البلاد لمدة عام، لكنه قرار سليم بالنسبة لشبكات الاتصالات البريطانية وبالنسبة لأمننا القومي واقتصادنا.

وبقرار الاستغناء التدريجي عن هواوي، تكون الحكومة البريطانية قد رضخت للضغوط الأمريكية لاستبعاد شركة هواوي، التي تتهمها واشنطن بالتجسس لصالح الحكومة الصينية، ويمنح القرار البريطاني إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتصارًا كبيرًا في معركتها الجيوسياسية والتجارية مع الصين.

وفي نفس السياق، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرسومًا يلزم مجموعة «ByteDance» الصينية على بيع النشاطات الأمريكية لتطبيق «TikTok» شبكتها الدولية للتواصل الاجتماعي، ويتهم الرئيس الأمريكي منذ أشهر المنصة، التي تتمتع بشعبية كبيرة لتقاسم تسجيلات الفيديو باستخدام بيانات المستخدمين الأمريكيين لمصلحة الحكومة الصينية.

تُصنّع الصين نحو 24 في المائة من حاجات العالم وتسيطر بذلك على قطاعات إنتاجية حساسة هامة جدًا بعد أن كانت تمثل فقط نحو 11 في المائة من مجموع إنتاج العالم عام 2005، هذا التحول يعود أساسًا إلى سياسة الحكومة الصينية في دعم القطاع الصناعي ورخص اليد العاملة، ولهذا السبب قررت المصانع العالمية الضخمة نقل جزء أساسي وكبير من صناعاتها للصين.

ومع تفشي وباء كورونا ووضع أغلب دول العالم في حجر شبه تام وتوقف المصانع عن الإنتاج، ظهرت أزمة الكمامات وكل ما يتعلق بوسائل التعامل والوقاية من الوباء، وما هو ما وضع الأمن الاقتصادي للغرب على المحك ودفع بالحكومات الغربية للتساؤل عن مغزى الاتكال حصريًا على الصين كمركز عالمي للصناعات واحتياجات العالم، والبدء في التفكير في البديل وهو الاعتماد على الذات وتصنيع المنتجات المستوردة من الصين محليًا.

تعتمد الحكومة الصينية في شرعيتها على ما تحققه من نمو وتقدم اقتصادي، وتواجه الصين اليوم عديد التحديات الاقتصادية، والتي نذكر منها:

تآكل النمو بفعل انخفاض اعتماد الدول المتقدمة على الاقتصاد الصيني من خلال الاعتماد على القدرات الذاتية لهذه الدول بعد انتشار جائحة كورونا؛

الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، بالإضافة إلى العقوبات التي فرضها ترامب على الاقتصاد الصيني، فضلاً عن تهديده بقطع العلاقات معها؛

انخفاض تنافسية الاقتصاد الصيني تدريجيًا، فخلال السنوات الأخيرة أدى ازدياد النمو الاقتصادي إلى ارتفاع مستوى دخل الفرد الصيني، ومن ثمّ فإن استمرار النمو سوف يؤدي بالتبعية إلى ارتفاع مستويات الدخل أكثر فأكثر، ومنه ارتفاع أجور عمال المصانع والشركات العاملة في الصين، مما يعني ارتفاع تكلفة اليد العاملة، وبالتالي ارتفاع اسعار البضائع الصينية وانخفاض تنافسية الاقتصادي الصيني عالميًا؛

تستثمر الصين أكثر من تريليون دولار في سندات الخزانة الأميركية، مما يجعل هذه السندات ورقة ضغط تؤرق صانع القرار الصيني، والصين اليوم لا تستطيع بيع سنداتها، لأن ذلك سيؤدي إلى انخفاض الدولار وعندها ستنخفض ثرواتها؛

اعتماد التكنولوجيا الصينية على نظريتها الأمريكية، وهذا ما دفع الإدارة الأمريكية لمنع بيع بعض التقنيات والشركات الأمريكية للصين من أجل ألا يكون الإنتاج الصيني التكنولوجي مكتملاً، وهذا ما يلاحظ أيضًا في قطاعات أخرى، فالصين تستود 30% من إنتاج شركة بوينغ الأمريكية للطيران؛

-فقدان الثقة في النظام الصيني، الذي أخفى حقيقة فايروس كورونا، مما تسبب في انتشاره بسرعة في مختلف دول العالم وخلف خسائر فادحة في الأرواح ونتج عنه ركود اقتصادي عالمي؛ – إن تبني الصين للرأسمالية دون الديمقراطية يخلق مشكلة مستعصية تضرب في عمق النظام الشيوعي وتعصف بشرعيته، إذ كيف يمكن للصين تبرير تبني الاقتصاد الرأسمالي، الذي يتعارض مع الأيديولوجية الشيوعية؟

تعتبر الصين في حقيقة الأمر دولة رأسمالية اقتصاديًا وشيوعية سياسيًا، بمعنى أنها اعتمدت الرأسمالية كنظام اقتصادي دون تبني الديمقراطية كنظام سياسي، كما يمكننا القول بأن الصين دولة براغماتية تؤمن بمبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، لهذا فهي تستعمل الرأسمالية كأداة لتنمية اقتصادها وتحقيق أهداف الحزب الشيوعي.

رغم أن الصين دولة شيوعية تدار بعقلية الحزب الواحد، ومعلوم أن الشيوعيين لا يؤمنون بالديمقراطية والانفتاح، إلا أننا نجد الصين اليوم من أكثر داعمي العولمة والانفتاح من خلال مبادرة «طريق واحد-حزام واحد»، لأن العولمة تخدم مصالحها، وكما قلنا آنفا فالحكومة الصينية حكومة براغماتية تؤمن بالمبدأ الميكافيلي «الغاية تبرر الوسيلة».

يقول الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي أن أمريكا هي التي ساهمت في جعل الصين مصنعًا للعالم، من خلال نقل الشركات الأمريكية إليها للاستفادة من عامل رخص العمالة، وشدد الخبير على أن السندات التي تمتلكها الصين في أمريكا هي مصيدة أمريكية للاستحواذ على الاقتصاد الصيني، وأنها تحولت إلى ورقة ضغط تؤرق صانع القرار الصيني، والصين اليوم لا تستطيع بيع سنداتها، لأن ذلك سيؤدي إلى انخفاض الدولار وعندها ستنخفض ثرواتها، مشيرًا إلى أن الصين عملت منذ العام 2008 على تحويل ثروتها إلى أصول بعدما أدركت أن ثرواتها بالدولار الأمريكي.

وأشار إلى أن أمريكا اتخذت قرارًا مطلع ثمانينيات القرن الماضي بنقل كل الصناعات الملوثة للبيئة إلى دول شرق آسيا، بالإضافة إلى الاستفادة من انخفاض تكلفة اليد العاملة هناك، وقال إن العديد من الشركات الأميركية اليوم تريد الخروج من الصين خوفًا من فرض عقوبات عليها، كما أن هناك شركات صينية تدرس ذات الخيارات وتريد الخروج من السوق الصينية خوفًا من العقوبات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد