أزمات الدول العربية الفاشلة تتمثل في النموذج الصوري للديمقراطية وأزمة الشرعية والانقلابات، إضافة إلى أزمة المشاركة في الحكم والتوزيع غير العادل للموارد وتغلغل الفساد في مفاصل الدولة، وهنا تبرز أهمية ضمان بناء الدولة من خلال قواعد ثابتة ومتينة، وتكثيف الجهود من أجل وضع ميثاق استقرار داخلي اجتماعي سياسي، ومناهج سلوكية من أجل تفعيل الحوار، كما وعلى الحكومات أن تراجع سياسات محاربة الفقر والإرهاب، ومعالجة الاختلالات في مؤشرات البطالة، وإعطاء صلاحيات أكبر للمجتمع المدني في تعزيز عملية التنمية، والانتقال من شخصنة الدولة إلى تشخيص السلطة، ومن دولة السيطرة إلى دولة السلطة.

هذا وتواجه سلطة الدولة في عالمنا العربي والإسلامي اليوم صعوبات رئيسة تتمثل في عدم احترام الحريات الفردية والجماعية، ومبدئي المساواة والتفاوت بين أفراد الدولة، وذلك كله بحجة حماية المصلحة العليا للدولة، وصعوبات تتعلق بتكوين الشعب وهويته ووحدته، والعمل على تحويل الانتساب للدولة إلى انتماء للوطن، إضافة إلى أن الطابع الإجرامي للدولة الفاشلة أصبح يتمثل في لصوصية النخبة، وبروز صناعات قوية لاقتصاد الظل وعجز الدولة عن السيطرة عليه.

ما سمي بالربيع العربي أظهر مكامن الهشاشة في الدول العربية، بحيث أبرز ظهور فواعل قوية ترسبت بفعل ممارسات عميقة للأنظمة، وذلك مثل بروز مفاهيم وأركان الدولة العميقة، وتحول الدولة إلى سلطات مليشياوية مع إجراء إصلاحات ديكورية، والعمل على الطرد الممنهج للشعب وبروز الهجرة القسرية، وإعادة هيكلة الخارطة الجغرافية وتسليح الموالين للحفاظ على السلطة والحكم بأي شكل من الأشكال، كما لم تستطع النخب المنقسمة الحاكمة (الجديدة) والمجتمع الأهلي المتمرد أن يعالج هذه الحالة الجديدة بإصلاحات تقنية ساذجة.

كما أنه بعد ما سمي بثورات الربيع العربي ظهر لدينا مجتمع مدني منعدم وتصحر سياسي مقيت، وذلك مع بروز حكومات انتقالية ضعيفة وغير منتجة، كما أن شعار المظلومية تنامى نتيجة إجرامية النخبة السياسية والعسكرية الحاكمة، والتي لم تزل متورطة للآن في تعزيز مصالحها الداخلية بشكل مباشر وغير مباشر، إضافة إلى أنه تم القضاء وتحجيم دور الأصوات العقلانية، وإخراس الأصوات الإعلامية الصادقة والموضوعية، وفرض سياسة الأمر الواقع.

أما الموجات الارتدادية بعد هذه الثورات فدفعت بالدول نحو الانهيار، وذلك مع بروز مفاهيم مثل الدستور الصغير (المؤقت) والعدالة الانتقالية، كما أن معضلة كتابة الدساتير الجديدة ظهرت نتيجة تدخل السلطة القضائية كلاعب أساسي فيها، والحديث عن قرارات فوق دستورية وظهور فواعل جديدة، وكله نتيجة تجاذبات عن تدخل المؤسسة العسكرية في الأقطاب السياسية والحزبية، وذلك لإعادة إنتاج نظام يجمع بين القومية الخاصة والأيديولوجية، إضافة إلى إبراز مفاهيم الاجتثاث والتجريم والتخوين، ناهيك عن مظاهر اختفاء المعتقلين القسري، وتوظيف خطابات الكراهية وسياسات الأقطاب والمحاور لإطالة عمر الأزمة، كما أكدت الوقائع أن التدخل الدولي فتت ما تبقى من الدولة (حالة اللادولة) مثل ليبيا، وسوريا، واليمن.

الإحصاءات الخاصة بتبعات هذا الفشل والحروب الكارثية في وطننا العربي والإسلامي، تبيّن عنها واقع ديموغرافي جديد، والذي تمثل في تقلص عدد السكان وتراجع متوسط الأعمار، كما بات الكثير من المواطنين في هذه الدول بين لاجئين في الخارج أو مشردين في الداخل (نازحين) يعيشون تحت خط الفقر، وذلك بسبب انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات كبيرة، إضافة إلى شحّ كبير في المساعدات المقدمة من الدول والمنظمات الدولية.

التعليم طبعا كان الرقم الأكثر إيضاحًا لأثر الأزمة، حيث ظهر في مجال التعليم أن نصف الأطفال لم يلتحقوا بالمدارس خلال السنوات الأخيرة الماضية، كما انخرط الشباب في التنظيمات المسلحة البديلة لوجود حوافز ورواتب مجزية، ومن هنا ظهر صراع الجهات والنفوذ المناطقي، إضافة إلى أن الصراع بين المراكز الإقليمية أبرز أزمة التغلغل، وتنامي الاستقطاب للتعاقدات والتحالفات الدولية، وأصبح للأسف القتلى من الشعوب رهينة للحسابات الإقليمية والدولية، حتى أن الأنظمة السابقة أصبحت تظهر تحت واجهة جماعات تخريبية ومسلحة، وذلك في عملية لإرهاق مقدرات الدولة من خلال استهداف عصاباته للمنشآت الحيوية الكهربائية والنفطية وموارد المال داخل الدولة، وكله لإسقاط الدولة، واستهداف خصومها السياسيين، وناشطي الثورة والسيطرة على المدن والمعسكرات.

المشهد العام الجديد في هذه الدول أصبح مفتوح على جميع الاحتمالات، وتمثل في بروز خطاب المظلومية، وواقع اقتصادي منهار وارتفاع هوامش الفقر، حيث تشير الدراسات إلى أن سياسات الحكومات الحالية أدت إلى زيادة الديون المحلية والخارجية بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات عالية جدًا، كما وأدت إلى انخفاض قيمة العملة بصورة خطيرة؛ مما أدى إلى العمل على طباعة نقود بدون رصيد نتيجة العجز في الموازنة، والاستمرار بطرح سندات مالية للاستدانة من القطاع المحلي، وهذا كله أدى إلى ارتفاع الدين العام المحلي والخارجي لمستويات قياسية خطيرة.

هذا وتراجع اهتمام الحكومات بالزراعة والصناعة، كما كانت السلع الغذائية أكثر السلع ارتفاعًا في أسعارها؛ مما زاد من معاناة المواطنين وأدخل شرائح جديدة إلى دائرة الفقر، إضافة إلى سوء توزيع الثروة (سوء توزيع الدخل) على المستوى الجغرافي والعمل على إزالة الدعم عن المحروقات النفطية، مما دفع العديد من الأفراد إلى الخروج للتظاهر، فضلًا عن اتساع فجوة التنمية بين الطبقات المجتمعية المختلفة، وما نتج عنه من هجرة داخلية للبحث عن سبل تحسين المعيشة، وكذلك هجرة خارجية (هجرة الطبقات المنتجة).

أخيرًا نقول إنه يجب اتخاذ نموذج للعقلنة لإنقاذ هذه الدول، بحيث يعتمد على مجتمع مدني حي وحكومات توافقية مع دستور انتقالي (الاستفتاء على الدستور)، وانتخاب مجلس وطني انتقالي، والعمل على تحقيق عدالة انتقالية وإدارة الاختلافات، وإجراء الإصلاحات الديمقراطية، أملًا في تجنب مخاطر زوالها، وإجراء بعض الاستحقاقات لاستكمال مؤسساتها التشريعية والتنفيذية، فضلًا عن وضع إعلان دستوري يوضح خارطة الطريق لمرحلة التحول الديمقراطي، وذلك بعد تراجع نسب المشاركة في الحياة السياسية في ظل أنظمة ديكتاتورية كانت حاكمة من وقت طويل، وكان هدفها توريث السلطة، فضلًا عن انتهاكات حقوق الإنسان، إضافة إلى تقديم خارطة طريق للأوضاع الاقتصادية والإعداد لقوانين جديدة، والبدء في برنامج اقتصادي يهدف إلى توفير فرص عمل للشباب، ويحد من معدلات الفقر، ويقدم الدعم لمستحقيه من الطبقات محدودة الدخل، وتهيئة البيئة التشريعية للاستثمارات الأجنبية، فضلًا عن تحسين المناخ الأمني والتعاون الإقليمي والدولي نحو الحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد