«هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين»

 

مؤمنو الحضارة.. قراءة حضارية في أسباب فشل الانقلاب العسكري

 

 

 

لم تكن محاولات الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا على رئيس مدني منتخب شعبيًّا هي الأولى في تاريخ تركيا، فقد سبقتها ست انقلابات عسكرية كان أولها في عام 1960 وآخرها 1997، وفي كل مرة كان الانقلاب العسكري يسقط الحكومة المدنية الشرعية، ويمسك بمقاليد السلطة، وينصب محاكمات عسكرية سريعة لتصفية الخصوم، إلا أن محاولة ١٥يوليو 2016 كانت المحاولة الوحيدة التي فشلت في الإمساك بزمام الحكم وإقصاء الحكومة الشرعية المنتخبة، وكان للشعب التركي كلمة الفصل في إفشال هذا الانقلاب وإسقاطه، الأمر الذي يضعنا جميعًا أمام مجموعة من الأسئلة المنطقية والجوهرية التي تبحث عن إجابة حقيقية عن سر التحول الموضوعي النفسي لدى الشعب التركي؛ لينزل إلى الشوارع يواجه الدبابات، ويدافع عن مدينة الدولة، والنظام الجمهوري تركيا، ما الذي تغير منذ 1997، آخر انقلاب عسكري ضد المعلم رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان حتى 15 مايو 2016 التلميذ الرئيس طيب أردوغان في وعي هذا الشعب، وما سر هذه الروح والتي منحته هذه الفاعلية الحضارية، والإيجابية المدنية، ليسقط هذا الانقلاب في سويعات قليلة.

 

باعتقادي أن الانطلاق من الآية الكريمة

 «هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين».

سيكشف لنا في ضوء القراءة الحضارية للقرآن الكريم، مجموعة من العناصر الحضارية التي تصنع الشعوب وتدفعها في مضمار الحضارة فتغير أقدارها من السلبية إلى الإيجابية ومن السقوط إلى النهوض وهذه العوامل نستطيع تتبع مجملها في العناصر التالية:

1- دور الأفكار الحية والقيم الحركية والمبادئ الجديدة

التي تلقاها الشعب التركي خلال مرحلة حكم العدالة والتنمية، أو ما يمكن أن نسميه العدة الدائمة بحسب مالك بن نبي، والعدة الدائمة هي الثروة الأولية لإنسان يرغَب في شق طريقه نحوَ النهضة والحضارة والمدنية، فهي ميراث الإنسان والتاريخ والمجتمعات، ليست حكرًا على أحد، وهي ليست من منجزات أو منتجات الحضارة، بل الحضارةُ تتكون وتتركب منها، حيث استطاع الحزب بناء رؤية فكرية واضحة المعالم قائمة على الهوية الإسلامية والاعتزاز بالقومية العثمانية والإيمان بالدور الريادي للأمة التركية، رؤية تهدف لإخراج جيل حضاري، سليل الإمبراطورية العثمانية العريقة التي حكمت العالم ردحًا من الزمن، وكانت عنصرًا فاعلًا في صناعة الأحداث العالمية والتأثير عليها، وهي أفكار أوجدت شريحة المؤمنين الذي حملوا على عاتقهم إنجاح المشروع الحضاري العثماني الجديد إلى بر الأمان، وبذلوا كثيرًا من الجهد والوقت لتجسيده في الواقع الداخلي والعالمي، المؤمنون هنا مصطلح لا يتعلق بالعقيدة الإيمانية، بقدر ما يتعلق بمفهوم حضاري وصفات خاصة للأفراد الملائمين لمرحلة الحضارة العالمية للدولة التركية ذات الهوية الإسلامية وقوميتها العثمانية، فجاء المشروع الجديد يزود هذه الفئة المؤمنة كمفهوم حضاري بالرسالة الجديدة وتغذيتها بقيم الرسالة الجديدة، وقام على نسج شبكة العلاقات الاجتماعية قائم على النصرة والإيواء والأخوة، التي تساعد على رقي وإنجاح مشروعها والجديد.

لقد تمحور المشروع التركي الجديد على ركيزتين أساسيتين، استعادة الهوية القومية الحضارية للإنسان التركي، التي حاول العسكر تغييبها وطمسها من خلال عنصرين رئيسيين الأولى تنظيف التربة الحضارية التركية من بذور الاستبداد المعيقة، والمتمثلة بالعسكر ومؤسساته الفاسدة، فعمل على ترويضها خلال فترة طويلة حتى أخضعها لحكم القانون والمؤسسات الديمقراطية، والثاني إشاعة أجواء الحرية وتعميق قيم الديمقراطية وبناء المؤسسات الديمقراطية القوية؛ ولأجل ذلك فقد حرص السيد أردوغان على صياغة فلسفة جديدة للعلمانية في إطار مشروعة الفكري الجديد ترتكز على إشاعة أجواء الحرية للاختلاف الذي تزخر به تركيا، دون إقصاء أو إلغاء، والوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف والأفكار، يقول الرئيس أردوغان في أحد المؤتمرات الصحفية: «العلمانية تعني أن تكون الدولة على مسافة متساوية، من كافة الطوائف الدينية بشأن ممارسة شعائرها»، فالعلمانية بهذه الرؤية «هي سلوك الدولة المحايد أو موقف الدولة المتساوي مع جميع الأديان والأفكار، فلا تصبغ الدولة بصبغة دينية محددة إنما تكون الدولة مجالًا مشتركـًا للجميع، ولكي تكون كذلك فإنها تقف موقفًا متساويًا مع الجميع، هذا الموقف المتساوي ليس موقف العداء مع الأديان كما نراها في بعض النماذج للعلمانية مثل النموذج الفرنسي، إنما الموقف المتساوي في الاحترام لجميع الديانات والأفكار؛ ولكي تتخذ هذا الموقف يجب أن تسلك الدولة سلوكـًا محايدًا يحترم الجميع»، فأصبحت العلمانية بمفهومها الجديد مصدر قوي من مصادر دولة حزب العدالة والتنمية.

 

2- بناء مؤسسات الحضارة والنهوض

حيث عمل أردوغان في إطار مشروعه الحضاري على بناء مؤسسات المعرفة والنصرة والاقتصاد، لتنشيط الحركة المعرفية، وإشاعة روح الاجتهاد، وحب البحث العلمي، والتنقيب في الخبرات البشرية الماضية والحاضرة، وتشجيع حب القراءة بين خاصة الأمة وعامتها، وتطوير مؤسسات التربية والعلوم، ومؤسساتها، وتطبيقاتها في مجالات الحياة المختلفة، حيث سجلت الإحصائيات أن الشعب التركي أصبح يمتلك واحدة من أعلى نسب التعليم العالي، وأسرعها في مضاعفة مخصصات البحوث والدراسات العلمية، ولديه 150 ألف باحث علمي و6 جامعات من أفضل 500 جامعة في العالم، 15000 مدرسة تحفيظ قرآن، وبنى 125 جامعة جديدة، و189 مدرسة، و510 مستشفيات، و169 ألف فصل دراسي حديث ليكون عدد الطلاب بالفصل لا يتجاوز 21 طالبًا، فالفرد والعقيدة الحضارية الجديدة تغذي الروح مثلما يتغذى الجسم، والحضارة في طَورها الأول تشترط عوامل روحية تقف خلف تجديد النهضة الحضاريَّةَّ، والمؤسسات الفكرية تساهم بصورة كبيرة في رقي مستوى التفاعل مع المشروع الحضاري الجديد، فأصبحت ممارسة الحياة طبقًا لتوجيهات المشروع الجديد، ويتجسد هـذا عمليًّا في شبكة العلاقات الاجتماعية التي تنظم علاقات الأفراد في تركيا والجماعات في الداخل، كما تعمل على الإجابة عن أسئلة الواقع الجديد في ضوء المشروع الحضاري الجديد، وتشكل حاضنة لإنتاج الإنسان الحضاري الجديد؛ حيث سجلت لنا الإحصائيات أرقامًا تجاوزت مئات الآلاف من خريجي هذه المعاهد يشكلون صفوة حزب العدالة والتنمية والمجتمع التركي رجالًا ونساء، وهذا الجيل هو الذي ساهم بصورة كبيرة في تقديم صورة جديدة لتركيا الحضارية ذات الهوية الإسلامية، كما كان لهم دور حقيقي في النزول إلى الشارع يقود الشعب التركي ويتصدى بجسده وروحة لمحاولة الانقلاب الفاشلة.

 

 3- الإنسان التركي «إدارة الإنسان» بحسب تعبير الرئيس طيب أردوغان

فيقصد به بحسب تعبير مالك بن نبي عالم الأشخاص مجموعة العلاقات والنظم والاتصالات والقوانين التي تنظم حياة الأشخاص الذين يكونون هذا المجتمع فيما بينهم، ونعني بهم هنا مؤمنو المشروع الحضاري التركي الذي عملوا إلى جوار القيادة في كل تخصصات الحياة، وأقاموا شبكة علاقات واتصالات جديدة وفقـًا للمشروع الجديد، سواء مع المنتمين للمشروع أو مع أفراد المجتمع ككل، وهؤلاء الأشخاص هم أبناء المجتمع التركي، فهم عالم الأشخاص التركي الذي استطاع مشروع حزب العدالة أن ينفث فيهم روحًا حضارية جديده ناهضة قائمة على تقديم واجباته على حقوقه، ويعمل لأجل امتلاك ناصية القيادة العالمية، وهذا هو ما عناه السيد أردوغان بإدارة الإنسان عند الإجابة عن أسباب نجاح الحالة النهضوية التركية؛ فالتغيير الحضاري كفاعلية إنسانية فردية واجتماعية وراء كل نهضة، ومبدأ التغيير يمثل سنة ذهبية أكد عليها القرآن الكريم في قوله -تعالى-: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» «الرعد: 11»، فمؤمن الحضارة وخاصة من الشباب الحيوي الذي يرنو نحو أفق حضاري كريم، هو ما عناه يومًا عمر بن الخطاب بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من عجز المؤمن وجلد الكافر»؛ حيث إن مشروع الحضارة يقتضي الوصول إلى معادلة متوازنة قائمة على جلد المؤمن وعجز الفاجر، عجز الفاجر سيتضح من خلال فشله في إجهاض المشروع الحضاري بأدوات القوة الاستبدادية، وقد ظهر ذلك جليًا في الخطاب الغربي وخطاب معسكر الثورات المضادة.

 

4- عالم الأشياء

ونقصد بها ما يمتلكه وينتجه عالم الأشخاص من ماديات بحسب تعريف مالك بن نبي؛ فتركيا لديها مخزن هائل من الأشياء والموارد الحضارية القادرة على النهوض الحضاري واستعادة دور تركيا في الخريطة العالمية، ابتداء من الموقع الجيوستراتيجي والتاريخ الإمبراطوري والإنسان المعتز بهويته، والأرض المعطاءة والفكر السياسي والحضاري للأتراك وهي بحسب تعبيره، والتي تنبه لها المفكر رئيس الوزراء السابق لتركيا أحمد داود أوغلو في كتابه العمق الإستراتيجي، وتناولها المفكر الحضاري مالك بن نبي في إطار مناقشته لشروط النهضة في إطار الأشياء المكدسة غير المنتفع وتظل مكدسة في مخزن الأمم والشعوب حتى يعاد ترتيبها وفق مشروع حضاري، ترتيب عالم الأشياء بحسن إدارتها بحس حضاري تواق للقمة، هو القادر على الاستفادة من هذه القدرات والطاقات، فالمطارات التركية والفنادق والطيران والصناعة السياحية والصناعية والعلمية التركية كانت تعيش حالة تكديس حضاري حتى أعيد لها الفاعلية الحضارية، فأصبحت تركيا في مقدمة الدول اقتصاديًا؛ حيث قفزت تركيا قفزة مذهلة من المركز الاقتصادي 111 إلى 16 بمعدل عشر درجات سنويًا، مما يعني دخوله إلى نادي مجموعة العشرين الأقوياء الكبار «G-20» في العالم، كما قفز دخل الفرد في تركيا من 3500 دولار سنويًا ارتفع عام 2013 إلى 11 ألف دولار وهو أعلى من نسبة دخل المواطن الفرنسي، ورفع قيمة العملة التركية إلى 30 ضعفـًا.

وقد رافق هذا الإنجاز في عالم الأشياء تهيئة أجواء الاستقرار بالقضاء على الفساد، وتجفيف منابع الاستبداد العسكري والسياسي والمالي، ساهم بصورة كبيرة في الإسراع بعجلة النهضة التركية الحديثة، وهذه النهضة دفعت بصورة أو بأخرى الشعب التركي للنزول للشارع للدفاع عن منجزاته الاقتصادية، والاستقرار، والمستقبل المنشود.

 

5- بناء مؤسسات النصرة

ونقصد بها هنا المؤسسات التي تحمي المشروع الحضاري، ومؤسسات الحق العام، وتنتصر لسيادة القانون، وقيم الحق والعدل والديمقراطية؛ فالحق بلا قوة هباء وأماني، وقد أدرك مشروع العدالة التركي منذ البداية تجارب الانقلابات العسكرية ضد محاولات استعادة الهوية الحضارية للأمة التركية، فعمل منذ البداية على تقوية مؤسستي الشرطة والمخابرات العام، اللتين تصدتا بكل اقتدار وكفاءة لمحاولة الانقلاب العسكري، وانتصرتا لإرادة الأمة التركية في اختيار حكامها، ومؤسساتها المدنية والسياسية، ومنع عودة الاستبداد على حساب الديمقراطية، والأحكام العرفية على حساب قيم العدالة، بعكس النموذج المصري الذي عجز عن بناء مؤسسات تحمي إرادة الشعب وقيم النهوض الحضاري.

 

الدرس التركي في إفشال الانقلاب درس حضاري عالمي، غير متعلق بجغرافيا أو عرق، فتجارب الكفاح المدني السلمي ونضالها في إسقاط العسكر والاستبداد تجارب عالمية، مفتوحة على كل الشعوب للاستفادة منها، ومحاولة إنتاجها وفق شروطها الموضوعية كالتجربة الفنزويلية، أو الألمانية، وغيرها، فالصراع على الأرض التركية صراع في أخطر المناطق الجيوستراتيجية العالمية، وهو صراع مشاريع حضارية، فنجاح أردوغان وحزبه والأمة التركية إفشال محاولات الانقلاب العسكري في يوم ١٥من يوليو ٢٠١٦م تأكيد جديد على المشروع الحضاري المدني التركي مقابل المشروع العسكري الاستبدادي اليد الأجنبية التي تخرجها قوى الغرب من دولابها كلما شعرت بحركة النهوض الحضاري للأمة التركية الحديثة، لم ينته الخطر بعد ومحاولات إجهاض هذا المشروع ستستمر، وعلى الأمة التركية اليوم واجب اليقظة والتنبه للحفاظ على مشروعها في ظل محيط قلق وعالم متوجس ومتآمر.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد