شكلت التحركات الأمريكية الأخيرة، والمتمثلة بفرض حل شامل ونهائي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من خلال قرار الإدارة الأمريكية بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ردة فعل إقليمية ودولية واسعة بالضد من هذا القرار، كما أنه مثل سابقة في تاريخ هذا الصراع، والذي أظهرت من خلاله الإدارة الأمريكية ازدواجيتها الحقيقية في التعامل مع هذه المشكلة، إذ من غير الممكن أن تكون وسيطًا في صراع، وأنت من جهة أخرى تصادر حقوق أحد أطراف الصراع لمصلحة الطرف الآخر، وعلى الرغم من عدم شرعية هذا التصرف الأمريكي، إلا أنه على ما يبدو أن هذا الأمر مباح في شريعة ترامب.

ففي الوقت الذي كانت تطمح من خلاله الإدارة الأمريكية، في أن يشكل قرار الرئيس الأمريكي تهيئة الأرضية اللازمة، لدخول الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في مفاوضات الحل النهائي للصراع، من خلال ما عرف بـ«صفقة القرن» المزمع طرحها في بداية العام 2018، وذلك عن طريق حسم ملف القدس لصالح إسرائيل، باعتباره من أكثر الملفات الشائكة، إلا أنه لم يكن ليخطر ببال الإدارة الأمريكية ردة الفعل هذه، ففي الوقت الذي تبجحت به المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هيلي، بأن السماء ما زالت في مكانها، إلا أنه على ما يبدو أن السماء قد وقعت، ولعل حالة التهديد والوعيد التي طغت على تصريحات ترامب، وخطاب هيلي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أثر تصويت الدول الأعضاء في المنظمة الدولية، على عدم تغيير الوضع القانوني في القدس، كشفت عن مدى التخبط الذي أصيبت به الإدارة الأمريكية، بل إن مصطلح «البلطجة السياسية» هو أكثر ما يليق بتحركات الإدارة الأمريكية الحالية.

وعلى الرغم من رمزية القرار الذي خرجت به الأمم المتحدة، والذي جاء بناءً على اقتراح قدمته كل من تركيا واليمن، إلا أنه بالوقت نفسه كشف عن العديد من الأمور المهمة، وهي:

1. حصول تغير كبير في قواعد اللعبة الدولية.

2. تحول إسرائيل إلى دولة منبوذة من المجتمع الدولي.

3. الكشف عن الوجه المزيف للولايات المتحدة الأمريكية.

4. بروز قوى دولية جديدة قادرة على تحريك المجتمع الدولي بالضد من الممارسات الأمريكية، والحديث هنا عن تركيا.

5. التأكيد على شرعية الحقوق الفلسطينية، من خلال التأكيد على أن مدينة القدس هي مدينة لكل الأديان، ولا يجوز مصادرة حقوق الأديان الأخرى.

6. انعدام القيمة الأخلاقية للسياسة الأمريكية، إذ كشف القرار الدولي عن مستوى العلاقات التحالفية الضعيفة التي تمتلكها، إذ لم يقف إلى جانبها سوى مجموعة من الجزر الضعيفة، كجزر المارشال والهندوراس وجزيرة نيورو وغيرها.

7. التصويت بأغلبية ساحقة ضد قرار الإدارة الأمريكية، مثل توبيخًا لاذعًا من المجتمع الدولي لأمريكا، بأنه لا يمكن لها أن تشتري قرار وسيادة الدول الأخرى.

8. تعميق عزلة أمريكا عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

9. انتكاسة كبيرة للسياسة الخارجية الأمريكية بقيادة ترامب، بعد مرور ما يقرب من العام على توليه رئاسة البيت الأبيض.

10. الكشف عن الفارق الكبير بين السياسات الأمريكية وبين سياسات حلفائها، وتحديدًا فرنسا وبريطانيا، إذ لم تمثل قضية القدس الخلاف الوحيد بينهم، وإنما تدخل إلى جانبها خلافات أخرى تتعلق بقضايا التغيير المناخي والهجرة.

إن الإجماع الدولي الذي خرجت به الجمعية العامة للأمم المتحدة في يوم 21 ديسمبر 2017، حَوَّل «صفقة القرن» إلى «صفعة القرن»، إذ مثلت المواقف الدولية رسالة إدانة واضحة للإدارة الأمريكية، فلغة التهديد والوعيد التي اعتمدها ترامب وهيلي، مثلت سخرية في إطار العلاقات الدولية، إذ لم يمكن بأي حال من الأحوال التأثير على مواقف الدول الأخرى بهذه الطريقة، بل إنه على ما يبدو أن لجوء الإدارة الأمريكية لهذا الأسلوب، يأتي بناءً على تصور سابق من قبلهم، لعدم شرعية قرارهم، بل عدم اقتناعهم به أصلًا، وإلا فما الذي دفعهم إلى هذا السلوك السيئ، «فأن تكون قويًا هذا لا يعني أنك على حق»، بهذه العبارة خاطب وزير الخارجية التركي «مولود جاويش أغلو» الدول الأعضاء بالجمعية العامة، وبهذه الطريقة كسب المقترح التركي المجتمع الدولي، فاستخدام العبارات الدبلوماسية اللبقة، والخطاب المتوازن، والتأكيد على حقوق كل الأديان في مدينة القدس، هي التي أقنعت المجتمعين بأحقية الموافقة على المقترح التركي، والوقوف بوجه الغطرسة الأمريكية.

بكل تأكيد فإن الولايات المتحدة الأمريكية تمر اليوم بحالة عزلة دولية غير معهودة، فمن أصل 15 عضوًا في مجلس الأمن الدولي، صوت 14 عضوًا ضد قرار الإدارة الأمريكية، كما صوتت 176 من الدول الأعضاء بالأمم المتحدة، لصالح قرار بشأن تقرير المصير للشعب الفلسطيني، فأين التأثير الأمريكي من كل ذلك، إذ لم يبق إلى جانبها سوى إسرائيل ومجموعة من الدول المتقزمة، التي تعتاش على المساعدات الأمريكية، وليس لها تأثير إلا داخل حدودها، كما أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي هي الأخرى، والتي أعلن عنها قبل يومين، كشفت عن مدى التخبط الكبير الذي تمر به دوائر صنع القرار الأمريكي، من خلال الارتباك الواضح في تحديد الأولويات الرئيسة للولايات المتحدة الأمريكية، إذ إن التأكيد على شعار فضفاض كـ«أمريكا أولًا»، من دون تحديد خطوط واضحة لهذه الاستراتيجية، لا يعني أنك قد أوجدت مسارًا واضحًا لها، فهي من جهة تدعو إلى استهداف إيران، ومن جهة أخرى تدعو إلى شراكة وتعاون مع روسيا الاتحادية، ويبدو أن الإدارة الأمريكية لم تجد إلا سياسة البلطجة والتهديد، وسيلة لتحقيق أهداف الأمن القومي الأمريكي.

علمًا أن أسلوب البلطجة السياسية الذي مارسته الولايات المتحدة الأمريكية، لم يكن الأول، بل سبق ذلك ممارسة نفس الأسلوب أثناء الإعداد للعدوان على العراق عام 1991، عندما هددت أغلب الدول الأعضاء بالأمم المتحدة، بأنه في حالة عدم الموافقة على قرار الحرب على العراق، سيتم قطع المساعدات المالية والاقتصادية عنهم، وحتى في حرب احتلال العراق عام 2003، عندما هدد الرئيس السابق جوج بوش الابن ألمانيا وفرنسا، بأنهم في حالة وقوفهم ضد قرار الحرب على العراق، فإنه ليس من حقهم الجلوس على المائدة بعد احتلال العراق.

إن الصفعة التي وجهها المجتمع الدولي للإدارة الأمريكية، سوف تتضح تداعياتها خلال الأيام القادمة، كما أن هذا القرار الدولي قد يحفز الكثير من الدول للخروج من تحت المظلة الأمريكية، أما في الداخل الأمريكي، فإنها قد تشهد إعطاء مساحة واسعة للديمقراطيين على حساب الجمهوريين، إلى جانب إمكانية انخفاض شعبية الرئيس الأمريكي، وعلى صعيد الداخل الإسرائيلي، فقد أشارت الكثير من التحليلات الصادرة عن الصحف الإسرائيلية اليوم، إلى أن هذا القرار الدولي هو إدانة واضحة لإسرائيل، مستشيرين بمقطع من خطاب المندوبة الأمريكية هيلي بقولها «ماذا تفعل إسرائيل في وسط مجتمع دولي رافض لها»، كما أن مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الآخر أصبح على المحك، وذلك بعد فشله في إقناع الدول الأوربية وغيرها، بالسير على خطى ترامب.

بالمجمل شكل القرار الدولي الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، انتصارًا واضحًا لحقوق الشعب الفلسطيني، من خلال التأكيد على حقه في إقامة دولة فلسطينية على أرضه، كما أنه كشف عن حجم التأثير الدولي الكبير الذي بدأت تتمتع به الدبلوماسية العربية والإسلامية، في حشد الدعم تجاه هذا القرار، إلى جانب الفارق الكبير الذي بدأ يتضح بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وكما أشرنا في بداية حديثنا، إن قواعد اللعبة الدولية تغيرت، وينبغي على ترامب والولايات المتحدة الأمريكية أن تعي هذه الحقيقة جيدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد