على غرار بقية أيام السنة، ومع حلول شهر رمضان المبارك، نلاحظ اتصاف أغلب الحسابات (البروفيلات) على مواقع التواصل الاجتماعي بالمظهر الديني، والالتزام الشكلي، والاتزان بخلاف الواقع، من خلال التركيز على العبادات، والأدعية، وفضل الذكر، وقراءة بعض السور القرآنية ومختلف الأدعية، هؤلاء الأشخاص يؤدون الطقوس الدينية والعبادات خلف شاشات الكمبيوتر، أو الهواتف المحمولة.

فقد بات انتشار هذه الآفة على نطاق إلكتروني واسع في ظل التطور التكنولوجي وظهور العالم الافتراضي، الذي أصبح تعاملنا معه بكل تفاصيل حياتنا شيئًا محتومًا، إذ نجد الكثير يرتدون عباءة الدين، ويجاهرون به واعظين في مواقع التواصل؛ بغية التكسي بلباس الصلاح والوقار، ملتزمين لباسًا ومصافحة، لنجد فيما بعد تحت هذا القناع ما يسوء المراقب، وما يندى له الجبين من أناس استغلوا الدين، وهو جوهر الفطرة، من أجل غاية أو غايات دنيئة.

أصبح هذا التدين المظهري فيروسًا ينخر السوشيال ميديا، تستعرض فيه علاقة العبد بربه لكافة البشر من خلال ادعائهم الإيمان والفضيلة إلكترونيًّا، في حين أنهم يمارسون كل مظاهر العهر الاجتماعي بين أصدقائهم ومع من هم مثلهم من الناس، وهم في غفلة عن الفرائض الأساسية للعبادة، وأهمها الصلاة، فضلًا عن المعاملات التي يضربون بآدابها عرض الحائط.

إن التدين الموسمي الإلكتروني، هو استخدام التقنية في الدعوة إلى الله ونشر الدين الإسلامي، وأحيانًا اتخاذ التقنية وسيلة للتعبد والذكر؛ بحيث يعد هذا شيئًا مبتذلًا مكروهًا نظرًا إلى احتوائه على كمية لا توصف من الرياء والنفاق إلكترونيًّا، والتي تتجلى في صور كثيرة لا مجال لحصرها مثلًا إن أعطى أحدهم لفقير تصور معه وهو يعطيه ويقول: ساعدناه لوجه الله، بل لقد فضحته وأهنته وحقرته، وإن أراد أن يصلي وقف أمام باب المسجد مصورًا نفسه قائلًا: نريد أن نصلي صلاة كذا، وإن خرج قال الحمد لله صلينا صلاة كذا، ثم أطلق لها العنان في مواقع التواصل الاجتماعي، إن هذا خطر يهدد نياتنا وعباداتنا، ثم إن أراد العمرة أدار آلة التصوير وقال: عزمنا على الذهاب لمكة لأداء العمرة، ثم يعقبها بصورته وهو بالمسجد النبوي يذكرنا بأنه صلى وسلم على النبي – صلى الله عليه وسلم- لقد حذرنا الله – عز و جل- من الرياء في الأقوال والأفعال في كثير من آيات القرآن الكريم، وبين لنا أن الرياء يحبط الأعمال الصالحة؛ فقد سمي الرياء بالشرك الأصغر؛ لأنّه يشبه العبادة لغير الله، فهو من كبائر الذنوب.

الغاية من كل هذا هو محاولة اصطياد ضحاياهم أو التمويه، سواء من كلا الجنسين؛ فهم يظهرون من الأخلاق والعفة والحشمة ما لا يضمرونه قصد الظفر بالنصف الآخر، أو نيل الإعجاب والرضى بين مرتادي الصفحة، وجمع أكبر قدر من الإعجابات و«اللايكات»، وفي هذا السياق أوضح الإمام سليم محمدي أنه بعد توصيف الظاهرة، فإنه لا يمكن حصرها في فئة معينة، وأنها تشمل ثلاثة أصناف: هناك من هو هش في دينه، وينشر هذه المقتطفات لأن النزعة الدينية تعيده إلى فطرته، ومنهم من ينشرها بحكم أن الدال على الخير كفاعله، رغم أنه قد يكون مستهترًا في دينه، لكن تعجبه عبارة فيستحيي أن يمر عليها دون أن ينشرها، وصنف آخر هو الذي تنطوي سريرته على مكر وخداع وأبعاد خبيثة، ويسوّق لسمعته على أنه متدين ليصل إلى غايات دنيئة.

من أقبح ما يمكن أن يرتكبه الإنسان أن يخدع باسم الدين، وهنا نلاحظ الانفصال التام بين الواقع الطبيعي والواقع الإلكتروني، أو الدين الحقيقي والدين الإلكتروني، فالدين الحقيقي ليس مجرد عبادات وشعارات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا مجرد لحية أو نقاب، بل هو منظومة متكاملة تربط ما بين الإيمان واليقين بالله تعالى، وبين الأخلاق الحسنة والتعامل الطيب مع الآخرين، والإيمان الصادق يكون بالقلب؛ فلا داعي للانجراف وراء أشخاص يخفون أنفسهم وراء حسابات (بروفيلات) وهمية، فاحذروا هذا النفاق المبتدع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد