أدت نتائج الانتخابات الأخيرة الخاصة بتعديلات الدستور التركي إلى جدال كبير في الأوساط الغربية والعربية، وكأن الشأن الداخلي التركي أصبح مشاعًا للجميع للتعليق والانتقاد دون احترام لاستقلالية الدولة وحقها في ممارسة سيادتها بما يحقق مصالحها.

إلا أن هذا الجدل قد كشف عن هشاشة القيم التي يصدرها لنا الغرب لبسط هيمنته على مجتمعاتنا، كما كشف انسحاق النخب العربية تحت وطأة هذه القيم ودفاعها عنها كأنها مقدسات لا يجوز المساس بها، رغم أنها في الواقع أصنام يأكلها صانعوها كلما استبد بهم الجوع لمزيد من الهيمنة ونهب الثروات.

فقد آلم الغرب وأزلامه في مجتمعاتنا تحطم هذه الأصنام في بلاد الطيب أردوغان بما يحرر هذه البلاد جزئيًا من الهيمنة الغربية الاستعمارية، ويمنحها مساحة لاختيار ما يناسبها دون تسلط خارجي؛ حيث حطم الاستفتاء صنمي الديمقراطية والعلمانية اللذين يعبدان في مجتمعاتنا باعتبارهما آلهة الخلاص من التخلف والبقاء في ذيل الأمم.

أما صنم الديمقراطية فقد صُدِّرَ إلينا باعتباره قيمة أساسية مقدسة يجب تطبيقها للابتعاد عن شبح الديكتاتورية المقيت، مع قيام الغرب على حراسة قدسية هذا الصنم في بلادنا، فحكم الشعب لنفسه وحرية اختياره لحكامه ونظم الحكم المتبعة مبدأ أساسي لا يمكن الحياد عنه تبعًا لشريعة الغرب.

إلا أن هذا الصنم تهاوى بعد نتائج الاستفتاء التي أتت على غير مراد الغرب وحكامه، فأكلوا صنمهم وأزبدوا وأرعدوا للطيب أردوغان وشعبه؛ فخروجه بهذا الاستفتاء من عباءة الهيمنة الغربية، وإعادته للهوية الإسلامية لبلاده جريمة لا تغتفر، فما نصب الغرب في البلاد صنم الديمقراطية إلا ليحفظ لهم مصالحهم وهيمنتهم على مقدرات الشعوب، وليس حفاظًا على حرية الشعوب كما يدعون.

فقد سبق أن أكلوا هذا الصنم في أمريكا اللاتينية، حينما اختارت الشعوب حكامًا يساريين ضد هيمنتهم؛ فعملوا على إضعافهم وإسقاطهم بكافة أنواع الحصار والتدخل العسكري.

كما أكلوا صنمهم في إيران بإسقاط رئيس الوزراء مصدق جزاء لتأميمه النفط الإيراني بعيدًا عن قبضتهم.

وما تزال أسنانهم تمضغ ثورات الربيع العربي التي قُضيَ فيها على حرية الشعوب بالتكريس لديكتاتوريات تحفظ للغرب هيمنته ومقدراته.

وإذا كنا لا نعجب من نقد الغرب للتجربة التركية لاهتزاز مصالحهم من نتائجها، إلا أن العجب يتملكنا من نقد نخبة المجتمعات المقهورة التي يتمعر وجهها غضبًا من هذه التعديلات، لتعيد إلينا صورة الكحيت في رسوم مصطفى حسين الذي لا يملك قوت يومه، إلا أنه يناقش أهم القضايا الاقتصادية مع صديقه المليونير عزيز بيه الأليت، ولا نملك إلا أن نهمس في أذن هذا الكحيت بأنه ليس أهلاً لمناقشة مثل هذه الأمور، فما تحياه أيها الكحيت من قهر مدقع لا يجيز لك الحديث عمن يرفل في نعيم الحرية ورفاهية الاختيار، وهب أيها الكحيت أن هذه التعديلات جلبت الديكتاتورية لبلاد الأتراك فما يضيرك أنت! فقد يكون في ديكتاتوريتهم ما يهون عليك ما تحياه لتضيف إلى سوريا والعراق تركيا نموذجًا تحمد الله أنك لست مثله.

أما الصنم الثاني الذي سقط، فهو صنم العلمانية التي يدعي معتنقوها أنها كانت سبب تقدم الغرب، وأنهم بتنحيتهم الدين عن شئون الحياة سادوا الدنيا وامتلكوها، ورغم خصوصية التجربة الأوروبية في عدائها للدين بسبب ما عانته من تسلط الكنيسة على رقاب الناس وممتلكاتهم، وهو ما لم يحدث في الإسلام و تاريخه منذ البعثة، إلا أني أبشرك أخي العلماني بأن صنمك قد أكله صانعوه في اجتماعهم ببابا الفاتيكان في ذكرى تأسيس الاتحاد الأوروبي؛ ليعلنوا تمسكهم بدينهم، كما أكله قيصرك بوتين حينما بعث بقساوسته لمباركة جيوشه وسلاحه المتجه إلى صدور إخوانك في سوريا.

نعم لقد أكلوا صنمهم بعد أن أقنعوك أن الدين هو سبب تخلفك، فتركوك كالمنبت الذي لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.

نعم لقد تحطمت الأصنام في بلاد الطيب أردوغان بفضل الله أولاً، ثم بإرادة شعب حر أراد الحياة فاستجاب له القدر، أما من لا يحب صعود الجبال فسيحيا أبدَ الدهر بين الحفر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد