ينطوي عالم اليوم على قدر كبير من التنوع الثقافي والاجتماعي والعرقي بين مكوناته المختلفة، ويتطلب الانتماء الواعي لهذا العالم فهم حقيقته، وعدم القفز عن المتطلبات التي تقتضيها طبيعته بالضرورة، وتقع مسؤولية ذلك في المقام الأول على من يقودون العالم، ويرسمون سياساته. ولكن المفارقة تتبدى عندما يصر بعضهم على التصرف بعيدًا عن المنطق المشار إليه، وهي النزعة التي واكبت التفوق الغربي على العالمين، وتأكدت في الفترة التي تلت انهيار الاتحاد السوفيتي قبل ثلاثة عقود، فتراءى للغرب أن بقية العالم مجرد سوق يتعين عليه استيعاب المنتجات والقيم والرؤى الغربية دون نقاش.

غني عن القول، أن أهم متطلبات العيش في عالم يموج بالتنوع والاختلاف يستدعي الحضور المكثف للرشد في التصورات والمقولات والسلوك، وبغياب ذلك يصبح العمل على فرض رؤية وقيم فريق واحد من الناس سيد الموقف، وهو ما اعتاد الغرب عليه زمنًا طويلًا من الزمن. من ناحية أخرى فإن معايير الرشد لا تنبثق من رؤية بعينها أو منظومة خاصة، طالما أن الناس على اختلافاتهم يتشاركون فضاء واحد، وإلا لكان الرشد كمفهوم قاصرًا ومقيدًا، ولا يفي للتعبير عن المطلوب. من هنا فإنه يتعين على أؤلئك الذين يشغلون مسؤولية عامة أن يتحلوا بروح التنوع ويستوعبوا حقيقته على المستوى الإنساني.

صحيح أن النهضة العلمية والصناعية الغربية الحديثة قد تركت بصمتها على العالم أجمع، وتبعًا لذلك فقد سعى الغرب ولم يزل لفرض نموذجه المفاهيمي والقيمي على الآخرين، فهو لا يحاول طرح الرؤى والمفاهيم الإنسانية الجامعة، بل يسعى لعولمة مفاهيمه وقيمه الخاصة، وتعميمها على العالم دون أن يكون لهم اختيار في قبولها أو رفضها.

بات من الواضح خلال العقدين المنصرمين أن قوى مقاومة عولمة القيم والمفاهيم الغربية قد سجلت انتصارات جزئية على قوى العولمة ذاتها، وأنه بإمكان العالم الآخر توظيف أدوات العولمة ليكسب جولات أخرى في معركة الصراع الذي يفرضها الغرب على العالم الآخر، وهي الحقيقة التي يفهمها الكثير من الساسة في العالم. في المقابل ثمة ساسة غربيون لم يزالوا يعيشون حالة من الإنكار بأن العالم اليوم قد بات مختلفًا، وأن منظومة العلاقات بين مكوناته في طريقها للتغيير تبعًا لذلك، ويصرون على سياسة شؤون العالم بمعطيات تعود بضعة عقود للوراء.

يجسد الرئيس الفرنسي أبرز مثال على هذه الحالة، حيث يعكس الوعي الغربي الذي يمانع في استيعاب حقيقة التغيير الناجزة، أو تقبل مشاركة الآخر له في التقرير لشؤون العالم، لذا يبدو ماكرون الأقدر والأكثر صراحة في التعبير عن الروح الغربية تجاه العالم، وعلى الأخص منه العالم الإسلامي ورموزه الأساسية، وهي السياسة التي توفر حاضنة دافئة لحركة التخوف من الإسلام المنتشرة بقوة في المجتمعات الغربية أيامنا هذه.

في ضوء ما تقدم، وبالنظر لمواقف ماكرون يتبين أنه يتجاهل التنوع الذي يصبغ العالم، من خلال إصراره على مهاجمة الإسلام كدين ينتسب إليه خمس البشر على وجهة المعمورة، بطريقة تتناقض مع رسالة التنوير التي يقال إن الثورة الفرنسية قد حملت لواءها قبل قرنين ونصف من الزمان، اللهم إلا إذا كان التنوير مسيجًا بالعنصر، والعرق، واللسان، والجهة. إن الحملة المتكررة التي يشنها ماكرون على الإسلام، تجعله يقف مباشرة في مواجهة استحقاق الأهلية لقيادة واحدة من دولة العالم الكبرى. وهذا يستدعي القول إنه لا يفهم العالم الذي نعيش فيه، ولا يستوعب حقيقته القائمة على التباين والتنوع، فضلًا عن عدم استيعابه لمقتضيات الوظيفة السياسية التي يشغلها بوصفه رئيسًا لواحدة من أكبر الدول في العالم، قبل أن يقال إنه لا يفهم ما هو الإسلام.

إن عجز ماكرون عن إدراك أسس الرؤية المعروضة أعلاه، وانصرافه عن التصرف بمقتضاها، يؤكد على عمق الإشكال الذي يتورط فيه، غير أن مشكلته لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد بداهة كونه لا يراعي مسؤولياته كرئيس لجمهورية فرنسا، والتي تفرض عليه مراعاة مشاعر الملايين من مواطنيه الذين يدينون بالإسلام.

تتركز الجرأة على الإسلام في وقت يغيب فيه تمثيله عالميًا بشكل حقيقي عبر كيان سياسي، وقد غابت عن ماكرون هذه الحقيقة الصارخة، وبدلًا عن إقراره بقدرة الإسلام – كمنظومة حضارية – والمسلمين – كجزء مهم من العالم – على البقاء، والسعي الحثيث للنهوض، بالرغم من كل ما يتعرضون له من محن وتحديات واستهداف عالمي ممنهج، فإنه يذهب للقول إن الإسلام يعيش في أزمة، بطريقة تخلط عمدًا بين الإسلام وبين المسلمين.

ستفجر خبرات ماكرون المتواضعة، وسياساته القاصرة، ورؤيته الضيقة تجاه المسلمين ونبيهم الكريم، مزيدا من الأزمات في وجه فرنسا بحكم إصراره على التصادم الفج مع خمس سكان العالم. إن أكبر مظاهر الأزمة التي تعيشها فرنسا قد تجلت عبر انفضاض برلمان البلاد عن الانعقاد، بسبب حضور فتاة مسلمة محجبة، أليست هذه قمة الأزمة الذوقية والأخلاقية؟ ألا يعد انسحاب أعضاء البرلمان من مجلسهم بسبب حجاب مسلمة مؤشرًا على عدم أهليتهم للمواجهة الثقافية والحضارية مع الآخر؟ أليس في برلمان بلاد الغال رجل رشيد يوقف هذا العبث؟ أم أن شيمة القوم الرقص طالما أن ماكرون يمتهن ضرب الدف؟

وفي سياق مشابه، تتجلى حالة التنافر المتصاعدة بين الغرب (فرنسا على وجه خاص) وبين وتركيا، ومرد ذلك أن تركيا تحاول الانعتاق بطريقة حثيثة من عقد التبعية للغرب والوقوف على رجليها ندا، في الوقت الذي تسعى فيه للتصالح مع هويتها الإسلامية. إن الغرب الذي يضج اليوم بحجاب المرأة المسلمة لهو أشد رفضًا لأية حالة عربية أو إسلامية، تحاول إعادة اكتشاف وتعريف نفسها في ضوء الإرث الحضاري الإسلامي الجامع؛ لأن نجاح أي كيان سياسي بتحقيق ذلك، أو نجاح الغرب في إجهاض مساع كهذه، يقع في صلب المعركة الحضارية المتطاولة بين الأمة الإسلامية من جهة، والقوى الغربية وحلفائها من جهة أخرى.  

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد