نخن نخشى السقوط لئلا يشمت فينا الآخرون.. أن تظل واقفًا حتى الموت

في الماضي كان أجدادنا ينادون بسقوط الاستعمار، تخرج المظاهرات وقد تندلع الثورات لأجل هذه الكلمة، وقد يموت الناس حينها في المقاومة، ويظل هتاف سقوط المحتل أو المستعمر متوهجًا في حناجرنا، وفي الصور، أو الرسوم على الجدران.

وفعل السقوط يشير إلى تغير حادث قد يكون بناء على استنتاجات مسبقة، أو فعل سريع لم يكن في الحسبان، نتج بسبب أخطاء بسيطة في المعادلة، أو قد يكون ثقة زائدة.

السقوط واحتماله

وكون السقوط يخضع للاحتمالات فهو عمليًا شيء قابل للنهوض، وربما يكون قد انتهى عمره الافتراضي، وهو يكون في مواجهة صراعات الحياة المتوالية، والسقوط هو فيلم ألماني صدر عام 2004، وهو يصور الأيام الأخيرة في حياة هتلر على لسان سكرتيرته «تراودل يونغه» وهو يسلط الضوء أيضًا على قادة هتلر، وإيمانهم المطلق بأيديولوجيته، والتفاني في تحقيقها، حتى أدت إلى نهايتهم وسقوطهم. والسقوط الحر، وهي نظرية فيزيائية درسناها في الثانوية، وتفترض سقوط الجسم باتجاه مركز الأرض من دون التأثير فيه بقوة أخرى، غير تلك القوة المكتسبة من الجاذبية الأرضية.

وإذا نظرنا حولنا نجد أن حياتنا مبنية على هذا الأساس، بسبب عوامل كثيرة، قد تكون مرتبطة بنا أو بغيرنا.

الأرض الصلبة

نحن نرتكز على أرض صلبة، ونتصور أن وجودنا في المشهد، بسبب عوامل أخرى، فالإيمان والمعتقدات والعلم قد تكون هي القوة التي نستغلها لنواجه بها الآخرين، ونحن نتدافع في الحياة ونستعد لها كل يوم لأننا نخشى غدرها، والسقوط قد يكون لشيء لم يكتمل؛ فالجنين في بطن أمه قد يسقط قبل أن تبدأ حياته، وذلك لأن الأرض لم تكن ممهدة ليبقى. وحتى بعض النظريات والتي تدحضها أخرى.

وقد يكون السقوط بسبب تصدع الأركان والوهن، فسقوط الأمم يكون مرتبطًا بهذه العوامل، وكذلك الحضارات، وحتى المدن التي سقطت في يد الأعداء حين تنهار المقاومة في كل مداخلها، وقد يكون داخلنا حين يسقط الآخرون من نظرنا، ويصبح غريبًا كأنه لم يكن بسبب تصرفاته وأفعاله، وحتى في كرة القدم، عند الالتحامات والاندفاعات البدنية يحدث السقوط وربما الإصابات، وتقاس حينها قوة الفريق بالثبات في المواجهة، وبمن يمتازون بالروح والإصرار، ونجد حينها من قد يتعرض للكسر أو قد يصاب بجرح قطعي، لكنه يصر على الاستكمال.

وكما هو سقوط قد يكون العمل الشجاع أيضًا عملًا غير أخلاقي، كالسقوط في الغواية، أو السقوط في براثن الشيطان، هي دلالة على انحدار أفعال الإنسان فنستخدم معها فعلًا قاطعًا يعبر عن الفجاعة، وحتى هؤلاء المنتحرون قد فتشوا عن السقوط الأخير لفقدانهم الأمل في الاستمرار، كل هذه التفسيرات تفرض معاناة الإنسان، إنه شيء إلزامي، وقد يكون ليسمع الآخرون صوتنا، أو ليساعدونا حتى لا نكون بمفردنا، وحينها يكون سقوطًا مؤقتًا. هذه الاحتمالات التي نعيشها في مراحل متباينة تكون حقيقة مؤلمة حين تفرض علينا، وكوننا عرضة للتجريب كل يوم، فإننا نقيس شجاعتنا حينها بمقدار التحمل والصلابة.

في النهاية نحن نسقط كل يوم، وقد لا يشعر بنا أحد، نرمم أحلامنا المتهالكة، ونمسح بريقها الذي بهت، وقد نظل صامدين في المواجهة، حتى لا يشمت فينا الآخرون، وفي المعارك تظل الكلمة الشهيرة حين يشتد القتال «اصمدوا» وهي معناها المقاومة؛ لأن مضادها هو السقوط في المعركة والانهزام والموت، وهو سقوط أبدي حين تحاصرك براثن الموت، وقد ندافع عن الآخرين؛ لأن وجودهم يمثل وجودنا، فقائد المعركة يبعث الطمأنينة لرجاله، وسقوطه يصيب النفوس باليأس والإحباط، وحتى رجل البيت نحن قد ننتظره في آخر اليوم لنرفع رؤوسنا، حين يخبرنا أن كل شيء بخير، وأنه ما زال موجودًا، هي دلالة على أن الحياة أخفقت اليوم في سقوطه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة