من دواعي التفاؤل والإدراك محاولة لخدش الحياء في أذهان أدمغة البسطاء، وقطاعات الأمة المغلوبة على أمرها والمغيبة أصلًا من أبجديات الفكر والتفكير، والمنسية في دهاليز الحياة، والمشطوبة روحانيًّا، والمستهلكة عقليًّا من الوعي والشعور؛ باستغلالها جسدًا هامدًا لإشعالها وقودًا بمراحل التلاعب بأعصاب النفوس، والتسلي على الجراح باستمرار أهل الحكم بالمنصب والجاه، تلبية لإشباع الغرائز والرغبات لتحقيق مصلحة الذات، بالمتاجرة بمقدرات الأمة باستغفالها، واستنزاف طاقاتها في زمن التردي والضياع.

مرورًا بهوامش التجارب بالقهر والمعاناة بفرض سياسات التجهيل والحرمان، وما يليها من سياسات الاستباحة بالتعهير والتطويع بالخضوع والإذلال، واستباحة حرمة آدمية الإنسان بزرع بذور التخلف بالتكهين والطغيان على مدار السنين، بترويض القطيع بحكم راعي الذئاب.

فدوام الحال من المحال كما يقال بنزع القناع عن القناع، وكشف زيف المبادئ بغرس التناقضات وتضارب المصالح بين الأقطاب باختلال المعايير بأولويات أصحاب المخططات ببروز المفاجآت في بيئة الاستسلام، وذلك ما أفرز بمنحنيات نضوج بوادر الوعي، وتحسس الإدراك بإخراج قاطرة الخيانة بانحراف مسارها عن سكة خط المؤامرات.

ليس بغريب عن البحث في جذور وجوهر الحركات والأحزاب، وأصول ما يطلق عليه بطبقات النبلاء من جاه العائلات ونفوذها بمطلع القرن العشرين، عبر عقود العشرينات والثلاثيناث وما تلاها من عقود، بتزعم الحركة الوطنية بالتقابل مع سلطات الانتداب، والتسليم للاستعمار والاحتلال في بدايات المشوار.

فنموذج الماضي عدوى تتوارثه أجيال الزعامات بتنصيب رموزها كافة، وشعاراتها الزائفة باستعطافها أعداء الأمة والتاريخ، بالتودد لكسب رضاها وتتويجها الصدارة بحكمها للشعب وقيادته؛ لتنفيذ إملاءاتها للحفاظ على مكاسبها السياسية من منصب وجاه، وتحقيق ما يمكن تحقيقه عبر مسار التوازنات بين ربط جدلية مصالحها الذاتية وبين تخدير حكم الشعب وتسكينه في وهم الحل السياسي، ورسم كيانه المزيف بفتات اللئام، ورفع إشهار وعود الأمنيات الكاذبة كشعارات استعراضية خالية من شعلة الوقود يكتنفها الشبهات كما يرى الظمآن السراب مياهًا، وكما يتحسس وهج الرمضاء كالنيران.

فمسيرة التحرير طويلة، وأعداء الأمة سرطان استيطان وأحزاب. وحركات الأوطان ألوان وأطياف لكل منها بضاعته برأس مال لرفع المزاد، فحركات الأوطان تراجعت بسقوط أجندات الولاءات بإعلان إشهار الإفلاس، ومن رحم البؤس والفقر والشقاء خرجت علينا حركات وأحزاب الخلاص، بترتيل ديانة السماء برفع شعار تطهير الأرض والأوطان من رجس الأنجاس، فكرس نفسه الوريث بنهج الاعتقاد باستمالة العواطف والوجدان بألوان التسييس، بصبغ الواقع الحياتي المرير بمرآته العاكسة من جني ترسيخ ثقافته في بيئة الفقر والجوع والشقاء، كوقود بخلق قطاعات واسعة مشردة بالوطن والفكر والدين؛ لتكون أداة طيعة تستجيب لمن يعتلي خشبة المسرح السياسي، ويعرض بضاعته لترسيتها بالمزاد.

فمن يكون مزاده أعلى بالدعم والتأييد أغدق بثمن الولاء بسخاء، مشحونًا بالوهم والوعود بشعارات رنانة فارغة من الشعلة والوقود. فتشتيت الأفكار وتضليل نفوس البسطاء وكل يدعي الدين والأخلاق، وينهل ويشرب من نهر الوهم والسراب، ناهيك التستر بجدار الفضيحة، والمصافحة والمبايعة، عبر سياج الخضوع، والخنوع، والرذيلة.

فلماذا المكابرة والتعالي على جراح الشعب المكلوم، الذي يباع ويشترى عند كل محطة ومنعطف تاريخي، والتلاعب على أوتار رزق العباد والتغني بنشر الفضيلة، والعمل على سير الحماية والأمان، وإفشاء سياسة التعجيل بادعاء بقدر الله في الأرض، وقرب القضاء وأمره نافذ على العباد والبلاد.

وافتعال المحن والمطالبة بالصبر والوعد الإلهي، والأخذ بالأسباب واتباع سياسة التجويع للشعب بتخفيف الوزن للعوام، مع عدم الهمس واللمز لتكرش الوزراء والنواب واتباع سياسة التدويخ، بصون نعمة السلطان بقوة الإرهاب، وأمام أئمة التهريج برفع درجات المتخلفين والسفهاء من الجهلاء والفارغين من كل احتواء، فالرأس خاو، والدماغ ماسح من كل تفكير وصنيع، فهل ما زال هناك جاهل تافه يترنح في بيئة الوعي والعقلاء!

فالأمور واضحة لا لبس فيها في ظل انقشاع الضباب، علة الشعب تكمن برموزه الحاكمة، سواء من أهل الدنيا أو من أهل السماحة، الذين يروجون أفيون التصوف بالوطنية والوسطية بالدين، ويرفعون شعارات الإنسانية والادعاء على المحافظة على ثوابت الأوطان والتلون حسب رواج نكهات الشعارات، بالتنافس لكسب الدرجات بلباس الجاه والوقار، بمواكب من الخدم والحشم والرفاهية، بالرغد المبين والنفاق.

ألم يأن الأوان بأن يصحى الشعب من غفلته ويخلع قناع الجبن، ويستبدل الذل بالعزة ويترفع عن فضلات موائد اللئام ويأكل من فتات عزته بخيام المخيمات؟! ألم يكف للشعب أن يجرب المجرب في حقل تجارب المتخاذلين، والأخذ بموقف حاسم باختيار ممثلين أصحاء ومتواضعين خاليين من أمراض الكبر، وأوبئة الجشع وانحطاط الضمير؟!

فأعداء الأمة لا يحاربونها بجهلها، فلهم من يقوم مقامهم لعل أعداء الأمة يخافون من انتقال عدوى الجهالة بين صفوفهم، بل من يزرع الجهالة في صفوف أمته ويحاربها هو من يرفع راياتها، ويمثل رمزيتها ويقطع أشواط في سياسة تجهيلها وتظليلها في زمن الانحطاط، فهم مكلفون برسم أدوار أسيادهم وليس لهم أدنى تفكير بما يقومون بتنفيذ أفعالهم، وثمن ذلك هو بقاؤهم في سلطان سلطاتهم.

فالشعب لا يرحم من يتاجر بقضايا الدم والدين والتكرش على حساب تضحيات المساكين والمسحوقين؛ بامتلاك المركبات الفارهة والسمسرة بالأراضي والعقارات، والاختباء خلف اليافطات والشاخصات، فحتمية الانحطاط آيلة للسقوط تأكيدًا لمقولة سقط القناع عن القناع.

فالشعب هو ميزان الأرصدة والموازنات لقياس الذبذبات فمن خفت موازينه فليس له وزن وجاذبية في البقاء!

إلى أين المفر في زمن الهروب؟ وإلى أين المساق يوم تلتف الساق بالساق؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد