الخلافة الإسلامية العثمانية التي حملت لواء الجهاد والتوحيد والدعوة طيلة 600 عام، ودافعت ونافحت عن بلاد المسلمين وحياضهم، وأعلت بفضل ربها كلمتي الحق والدين، وكان خلفاؤها وسلاطينها خير من حمل الإسلام فكرًا وعقيدة ومنهاجًا ونظامًا شاملًا لكامل الحياة، وتعدت قوتهم وصبرهم على الجهاد والقتال أمدًا بعيدًا وتوالت فتوحاتهم وغزواتهم على أوروبا وما عداها، حتى اكتسبوا مهابة الدنيا كلها، وتكالبت عليهم كل ذئاب الأرض وكلابها، وتدخلت إنجلترا خاصةً وشريكتها فرنسا وكذلك الروس واليونان والطليان والبلغار،  اجتمعوا على هم واحد في الكيد والمكر بسلاطين آل عثمان، وأنفقوا الكثير لتجنيد العديد من الباشوات في قصور الخلفاء، حتي وصل بهم الأمر لدرجة إغتيال السلطان عبد العزيز بن محمود الثاني، رحمهما الله، والذي كان عمًّا لكل من السلطان مراد الخامس، والسلطان عبد الحميد الثاني، والسلطان محمد رشاد الخامس، وأخيه السلطان محمد وحيد الدين السادس.

وقد عقب السلطان عبد العزيز، رحمه الله، السلطان مراد الذي أشيع عنه أنه كان أول قامة فكرية إسلامية ذات سلطة ترأست المحفل الماسوني بالدولة العلية العثمانية، وقد كان موافقًا ضمنيًّا على خلع السلطان عبد العزيز والسير في ركب أوروبا وموالاتها، وكان من يملأ عقل السلطان بهذه الأفكار كل من مدحت باشا، الصدر الأعظم رئيس الوزراء، الذي قيل عنه إنه كان يهوديًّا ماجنًا يقيم الحفلات الصاخبة، ويشرب الخمر علنًا وأغلب ضيوفه ومحبيه ومريديه في حفلاته من السفراء الأجانب، وكان يتدثر بلباس الإسلام ولكن يبطن لغير دين الله الولاء.

كذلك كان حسين عوني باشا يشاركه الهم في الكيد للخلافة، وكان الاثنان يشغلان مناصب عظيمة بالدولة العثمانية، وهما اللذان اغتالا السلطان عبد العزيز، رحمه الله، الذي كان مهابًا شجاعًا حتى إن بنيته وهيئته الجسدية تدل على القوة، حيث كان طويل القامة، وقد تعدى طوله المترين، رحمه الله.

خافت إنجلترا من إصلاحاته التي يقوم بها لبعث الدولة العثمانية من جديد؛ إذ إنه سافر إلى مصر لتوطيد قاعدة دولة الخلافة بأفريقيا والشرق الإسلامي، وضرب مصالح إنجلترا عبر مصر التي تمثل طريق تجارة بريطانيا ومستعمراتها في الهند، إذا ما فكرت في العبث مع الدولة العثمانية، كما أن السلطان كان لديه سياحة أخرى لأوروبا، وكان لديه رغبة في نقل التقنيات العسكرية الحديثة إلى الجيش العثماني، وكان يسعى لإعادة مجد الأتراك ليكونوا أسياد البحار من جديد، فكان لديه رغبة عارمة لإنشاء أعظم أسطول بحري متقدم لبلاد الخلافة ينافس بها أساطيل أوروبا.

ولكن ولأول مرة تتدخل المخابرات البريطانية بصورة مباشرة وتغتال السلطان، رحمه الله، على الرغم من أن الذي سيتولى السلطة فيما بعد ابن أخيه مراد، والذي فقد عقله وجن جنونه بسبب هذه الفعلة الشنعاء، وإن كان قد وافق على خلع عمه السلطان فقط دون قتله.

ولم يكمل مراد على عرش السلطنة والخلافة ثلاثة أو خمسة أشهر على الأكثر، لما ألم به من المرض العقلي والجنون، ثم بويع أخوه السلطان عبد الحميد الثاني، رحمه الله، الذي كان صامتًا طيلة الوقت ولا يتكلم ويكتفي بمراقبة الأحداث، حتى ظن المسيطرون على مقاليد الخلافة أنه غبي، وأنه أداة طيعة سهلة بأياديهم، ولكن سرعان ما تمكن عبد الحميد ومكر بكل هؤلاء الذين أرادوا بدولة الخلافة السقوط والخضوع، وانتقم لعمه عبد العزيز؛ إذ أمر بمحاكمة المتهمين بعد خمسة أعوام من مقتله، وتشكلت محكمة يلدز في 27 يوليو (تموز) 1881م، وكان على رأسهم مدحت باشا، أما حسين عوني فقد اغتيل على يد شركس حسن، الأخ الأصغر لزوجة السلطان عبد العزيز، نسرين قادرين، التي كانت لديها معلومات أن كلًّا من حسين عوني باشا ومدحت باشا تعاونا مع المخابرات البريطانية لقتل السلطان، لأنه كان ينوي ترميم بيت الخلافة المتصدع وتقوية الدولة وإرجاعها إلى مجدها الأول؛ إذ كانت له مشروعات وأفكار خطيرة رأت فيها أوروبا أنها خطر عليها فمكرت بالسلطان وقتلته.

أما السلطان عبد الحميد الثاني، الذي دامت فترة حكمه ثلاثين عامًا انتهت بالانقلاب عليه وخلعه نتيجة المؤامرات التي حيكت عليه، لإنه حاول بكل السبل إنعاش دولة الخلافة والمحافظة عليها من المخاطر، وترميم البيت العثماني على قدر المستطاع، ورفض بيع فلسطين لليهود رغم المغريات التي عرضها تيودور هرتزل عليه.

وقد اشتهر عن السلطان عبد الحميد الثاني، رحمه الله، حبه للإسلام ولرسول الله، صل الله عليه وسلم، وكان دائمًا منكبًّا على قراءة صحيح البخاري، ومن تقديسه وحبه لذلك الكتاب الكريم لم يدخر نفقة على تحسين طباعة صحيح البخاري، وإلى الآن فإن أفضل نسخة مطبوعة هي نسخة السلطان عبد الحميد.

قال عنه المستشار الألماني بسمارك: «لو وزن عقل السلطان عبد الحميد الثاني بعقول أكبر أربعة سياسيين بأوروبا لرجحت كفة عبد الحميد».

وقال عنه أخوه السلطان وحيد الدين: «لو أن عبد الحميد قدر له أن يعيش في عصري السلطان سليمان القانوني أو السلطان سليم الأول، ما قل عنهما فكرًا وفطنةً وذكاءً».

وللأسف فإن السلطان عبد الحميد الثاني أخذ يحاول الإبقاء على شراع سفينة الدولة العثمانية مشدودةً ومرفوعة في وجه العواصف العاتية، ولكن عوامل السقوط قد تجمعت على خلافة آل عثمان، رحمه الله، وكانت أقوى من أن يواجهها أحد مهما بذل من جهد، وتعاونت ذئاب أوروبا لإسقاط خليفة المسلمين السلطان عبد الحميد، وكان لديها اليد الطولى بعد ما وصل تدخل أجهزة مخابراتها وجواسيسها وعملائها داخل القصر السلطاني حدًّا ليس له مثيل، وفعلًا وبعد أحداث 31 مارس (آذار) خُلع السلطان، رحمه الله، وتولى أخوه محمد رشاد الخامس، الذي كان مجرد واجهة أو صورة معبرة عن دولة الخلافة، وليس له رد فعل حقيقي حول الأحداث، وكان القرار السياسي بيد الثلاثي الشهير (جمال باشا-طلعت باشا- أنور باشا) أعضاء الاتحاد والترقي، والذين صدقت فيهم مقولة الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، «‏ليس بالضرورة أن تكون عميلًا لتخدم أعداء الوطن. يكفي أن تكون غبيًّا».

ولم يخض الباشوات الثلاثة حربًا إلا وخسروا فيها وأغرقوا البلاد بالديون، واحتل الحلفاء أغلب أراضي الدولة العثمانية، وحتى لما وقعت مصر تحت الاحتلال الإنجليزي، فشلت الحملة العثمانية التي جردها الاتحاديون للذهاب لتخليص مصر، ولما أدخلوا الدولة العثمانية الحرب العالمية الثانية، التي قيل عنها إنه لولا دخولها في الحرب لكان يمكن لخليفة ذي فكر أن يحافظ عليها، وأن يبقي عليها، ولكن قدر الله قد نفذ، وهكذا فإن أحوال الأمم والمجتمعات لا تسير على وتيرة واحدة، والبقاء دائمًا للأقوى والأعقل.

بعد خسارة الدولة العثمانية الحرب وهروب الباشوات الثلاث إلى حدود الدولة العثمانية ومشاركتهم في حرب الروس تكفيرًا عن تضييعهم للدولة، نهاية بقتل أغلب أعضاء جمعية الاتحاد والترقي على يد عصابات الأرمن، استلم السلطة كاملة بغير مشاركة من أي جماعة أو حزب أو معارضة، السلطان محمد وحيد الدين السادس، الذي آلت إليه الدولة مشتتة مقطعة مجندلة مثخنةً بالجراحات والعذابات التي ألمت بها على يد العسكر، في الوقت الذي شقت فيه سفن كلٍّ من انجلترا وفرنسا وإيطاليا بحار الدولة العثمانية لاحتلالها، ودخلت القرن الذهبي، وذلك لإجبار الخليفة على الخضوع والاستسلام.

الخليفة الذي بدوره أحضر الياور الخاص به، وهو مصطفى كمال الذي عرف بأتاتورك فيما بعد، وذلك بحضور آخر شيوخ الإسلام الشيخ مصطفى صبري، والذي لم يكن مجرد أكبر قامة إسلامية في السلطنة وحسب، بل كان سياسيًّا محنكًا وكاتم أسرار السلطان ورفيق دربه، ولقد خط مخطوطًا يسمى «بيان أنقرة»، هذا المخطوط مفقود، وقد أشار بعض المؤرخين إليه أنه تكلم عن اللقاء الذي جمع السلطان محمد وحيد الدين السادس بأتاتورك، والذي أورده أتاتورك نفسه في كتابه «الخطاب العظيم»، ولكنه أورد اللقاء مجتزأً لم يحمل الحقيقة.

أن السلطان اجتمع بأتاتورك وقال له إن البلاد تضيع يا باشا، وعليك إنقاذها ومواجهة العصابات التي ملأت الأناضول بعد الانفلات الأمني الذي ألم بالخلافة بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية.

وقد قيل إن السلطان أعطى أتاتورك فرمانًا سلطانيًّا يأمر فيه كل قادة الجيش حتى الأقدم منه مكانة وأكبر منه سنًّا والأعلى منه رتبةً بطاعة أتاتورك، وأعطاه أربعين ألف قطعة ذهبية لتكوين الجيش وتموينه بالعدة وبالعتاد وكل ما يلزم لمواجهة الحلفاء ويكون هذا الاتفاق سرًّا، وفي العلن يظهر للناس أن أتاتورك خارج على طاعة السلطان وضد رغبته، حتى لا يلزم الحلفاء السلطان بشروط أكثر قسوة على الدولة العثمانية، بعدما احتلت كلًّا من اليونان وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا ولاحقًا أمريكا كافة أراضي السلطنة.

وقد كانت الرسائل بين السلطان وحيد الدين وبين أتاتورك مليئة بالتبجيل والتفخيم للخليفة، الذي ظن أن الرجل محبًّا لدين الله فعلًا ويدين للخليفة بالطاعة، ولكنه كان يبطن غير ما يظهر؛ فقد كان أتاتورك يخطب في الجماهير ويذكرهم بغزوات وفتوحات ووعود النبي، صلى الله عليه وسلم، بالنصر للمسلمين، ويذكر صحبه الكرام رضوان الله عليهم، ثم لما وصل الأمر إلى أن أمسك بزمام الأمور انقلب كليةً بصورة فجة وخلع ربقة الإسلام من رقبته حتى قال المؤرخون جملتهم الشهيرة «أراد السلطان وحيد الدين المكر بأوروبا والحلفاء بأتاتورك فمكروا هم به».

وقيل إن السلطان وحيد الدين، رحمه الله، لم يغضب من أتاتورك لأنه خلعه وأخذ سلطانه بقدر ما آلمه ضياع خلافة المسلمين.

ومع تزامن ذبح الثوار البلشفيين في روسيا للقيصر وأسرته، وحتى الأطفال والخدم، خشي السلطان، رحمه الله، على نفسه وأسرته؛ فاستقل بارجة بريطانية وغادر الأناضول فنعته أتاتورك بالخائن مع أن الخليفة هو صاحب الفضل في نصر الخلافة على الحلفاء وطردهم.

وفيما بعد ولي السلطة السلطان عبد المجيد الثاني بن عبد العزيز، رحمهما الله، وسحب منه السلطة الزمنية وكان مجرد واجهة للسلطنة، ثم هدم أتاتورك الخلافة وأعلن الجمهورية وانقلب على الإسلام جملة وتفصيلًا، وكأن ما أشيع عنه وعن يهوديته صحيحًا، وأنه كان المسمار الأخير الذي دقته بريطانيا في نعش الخلافة الإسلامية، وقد قنن ذلك كله بمعاهدة لوزان 24 يوليو 1923م، التي على إثرها تخلت تركيا عن جميع أقطار الخلافة، وانتهى الأمر على ذلك، وخيم الحزن على المآذن واكتست الأرض بالسواد على ضياع ملك المسلمين.

وها نحن ننتظر بعثة وقيامة مرة أخرى من جديد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد