بكت الصلاة وتلك فتنة عابث = بالشرع عربيد القضاء وقاح
أفتى خزعبلة وقــــال ضلالة = وأتى بكفر في البلاد بــــواح

ببيتين من بكائية طويلة يصف أمير الشعراء شوقي ما حل بالأمة بسقوط الخلافة الإسلامية العثمانية على يد (كمال أتاتورك) – مؤسس الجمهورية التركية العلمانية – هكذا كان وقع الخبر على النخبة في زمن السقوط, والآن لا تجد واحدًا يذكر لك الحدث؛ اللهم إلا من اعتقد بفرضية إقامتها أو صدق موعود الرسول بعودتها راشدة كما بدأت.

لم تشهد الأمة حدثًا أشد مصيبةً مما حدث في (السابع من شهر رجب عام 1342هـ، الموافق للثالث من مارس لسنة1924م)، سقوط الخلافة الإسلامية الذي يمر على ذكراه تسعون عامًا، ولعل ما نحياه لا يعدو توابع متتالية لهذا الزلزال المدمر والذي لم يكن (أتاتورك) قادرًا على تنفيذه لولا أن مُهد له بأحداث وعوامل كثيرة تحققت في الأمة الإسلامية.

سعد كثيرون بالحراك السياسي التركي، وتعاطي الدبلوماسية التركية الأخير مع الأحداث الأخيرة، وترديد (أردوغان) كونه لم ينس عثمانية تركيا، وكونه أحد أحفاد العثمانيين، جعل ذلك المتابع يستحضر ما أُلقي عن عمد في الآذان – ببعض مناهج التعليم – عن الاستعمار العثماني، هذا ما يمكن أن يستحضره الفرد العادي عن علاقتنا بتركيا، اللهم إلا من سمعوا كما سمعنا – في المنشأ – أن أسمى الأهداف هو إقامة خلافة راشدة على منهاج النبوة، وهو أمر ديني تعبدنا الله به، ووعد نبوي بأن تعود راشدة تحكم الدنيا بالدين فضلاً عن كونها أملاً للخلاص.

تمر الأمم عمومًا بمراحل عديدة قبل فنائها، وللتاريخ فلسفته، فما بين الفتية والازدهار حتى الشيخوخة والفناء، لابد من عوامل كثيرة تحققها الدولة لتحافظ على شبابها وتماسكها.
كان سيناريو إسقاط الخلافة العثمانية طويلاً يتناسب مع ما حققه من نتائج على الأمة والدين، فسعوا لإضعاف الدولة العثمانية وتهيئتها للسقوط حتى أسموها الرجل المريض، بدءًا بحملات الحروب الصليبية؛ أيام كانت الحروب تعتمد على البعد الجيوسياسي إلى أن ظهرت الحروب الأيديولوجية المستترة في صورة الغزو الفكري.

سعى اللاعبون لتقطيع الإطار الخارجي للدولة المسلمة، وولدت (سايكس بيكو)، فظهرت الدويلات والتشرذم حتى وصلنا إلى تماهي الدولة المسلمة بأكملها من على الخارطة بإسقاط الخلافة الإسلامية. وبدأ الترويج للبديل القومي كجامع للشعوب، فظهرت الدعوة للقومية العربية والكردية والآرية والفارسية والأردية.
واعتمدوا تفريغ الهيكل الداخلي للدولة المسلمة، بعمليات الغزو الفكري ونشر الثقافات الغريبة عن المجتمعات، وتسميتها بغير مسمياتها؛ فالخلافة غزو عثماني، ذلك إن تحدثنا عن عنصر من عناصر إطار الدولة، والحجاب رجعية وتخلف، والتمسك بالدين أصولية مقيتة وتطرف، وهذا إن نظرنا إلى ما تبقى من هيكل الدولة المسلمة.

سقطت الخلافة العثمانية، وكان السقوط مدويًا يهز أبدان وآذان النائمين، ولكن لم يمتْ الدين, فتكالب الأعداء من كل حدب وصوب، ونُحيت الشريعة في معظم البلدان الإسلامية، وحكمت القوانين الوضعية، وأَطلت الفتن برؤوسها، وأظهر المنافقون ما في صدورهم من حقد على الإسلام في هجوم صارخ يؤلبون عليه وعلى دعاته.

استيقظت الأمة، وصحا الصادقون والخيرون يجددون معالم الطريق والعودة إلى الله, ويبذلون أرواحهم وأنفسهم رخيصة في سبيل إقامة الدين، وتحكيم الشريعة، فأقبلوا على الدين من كل فج عميق، فظهرت مظاهر الالتزام والرجوع والتوبة والإنابة، متمثلة في صحوة إسلامية مباركة هي معلم لبقاء هذا الدين.

لم تغب الخلافة يومًا عن مفردات وأدبيات الحركة الإسلامية الشرعية والفكرية، ولم يخفَ التباين الواضح في النظرة لها من قبل تلك الحركات؛ فمنهم من يراها وسيلة، آخرون يرونها هدفًا، البعض يطلبها كيانًا متكاملاً، آخرون يرون صورة من الاتحاد الكونفدرالي للعالم الإسلامي تؤدي الغرض، ولم يكن الخلاف على التوصيف والشكل محل حديث فلم تظهر على الساحة إشكالية كالتي أحدثتها (داعش) من إعلانها قيام الخلافة.

حاول البعض توصيف الصراع بين العالم والإسلام كونه صراعًا كلاسيكيًا من نوعية الصراعات الجيوسياسية وليست الأيديولوجية، وصورت الحركة الإسلامية عدوًا للحداثة على الرغم من تعاطيها الاحترافي مع كل مفردات الحداثة المادية، ووضعت الأمور في غير سياقها، واشتعلت خريطة العالم الإسلامي بحروب في كل البقاع, وغيبت القضية الفلسطينية وتماهى مقاوموها بعد (أوسلو) وبقيت حماس والجهاد الإسلامي وحيديْن في المواجهة.

ظهرت على السطح ممارسات عديدة ينبغي وضعها في سياقها، فتسريبات عن صور وفيديوهات لممارسات وانتهاكات وحشية داخل (سجن أبوغريب) بالعراق من قبل أفراد من المارينز الأمريكي، تعقبها تسريبات لمشاهد تعذيب في أحكم المعتقلات الأمريكية (جوانتانامو)، القاسم المشترك بينهم هو أن الجاني أمريكي والمجني عليه معتقل من أبناء الحركة الإسلامية.

كل ذلك تزامن مع ظهور وتنامي ممارسات تتعمد إهانة رموز معتقدية لدى المسلمين, فظهرت الكاريكاتيرات المسيئة للرسول، واشتدت عمليات الشحن الإعلامي في الغرب ضد الإسلام والمسلمين، وظهرت حالة من الاضطهاد المعنوي والفعلي لرمزيات إسلامية.
ومن ناحية أخرى غضت العيونُ الغربية الطرفَ – في العلن وساعدت في الخفاء – عن ممارسات حكومات عربية لانتهاكات شديدة لأدنى حقوق الإنسان ضد الحركة الإسلامية, وسربت أخبارًا عن نقل معتقلين إسلاميين من أمريكا والغرب ليُمارس ضدهم التعذيب البشع في مصر وغيرها أثناء التحقيقات، وتمادت بأن أججت النزاعات الطائفية بين السنة والشيعة، وسمحت لبشار أن يبيد شعبًا بأكمله وتنتشر فيديوهات وصور لبشاعة القتل في صفوف السنة, في محاولة للترسيخ أن الاضطهاد ومعاونة فاعليه موجهة ضد السنة فحسب.

لم تكن هذه حوادث عبثية بل بدت طريقة لزراعة الكُره في نفوس جيل بأكمله، ومحاولة لاستنساخ جيل من الحركة الإسلامية يمتلك المبرر الأخلاقي ليُمارس تجاوزات تُحسب على الإسلام.

 

كانت الحاضنة التي ظهرت فيها أول دعوات للتكفير بين أبناء الحركة الإسلامية هي السجون الحربية لعبد الناصر التي مُورِس فيها التعذيب المُتَفنن في إهدار الكرامة الإنسانية والاستهزاء بالمقدسات، فظهر (شكري مصطفى) ودعوته في هذه الظروف، ولم تكن أمريكا والغرب – الذين يدرسون كل شيء بتفنن – بغائب عنهم مثل ذلك، ولم يكن خافيًا عليهم – إن لم يكن ذاك هدفهم مما فعلوا – أن مثل هذه الممارسات ستنتج شبابًا يجد المبرر الأخلاقي ليتجاوز في ردود فعله.

في التاسع والعشرين من يونيو2014م، أَعلنت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) قيام الخلافة الإسلامية وأعلنت الرقة مقرًا للخليفة الجديد (أبي بكر البغدادي)، ودعت المسلمين لمبايعته؛ بل وأعلنت حل جميع الحركات والجماعات الإسلامية في العالم وطالبتهم بالانضواء تحت كيان دولتهم.

 

اعترض معظم علماء العصر على إعلان (داعش)، منهم من اعترض ملتزمًا الصمت، آخرون أعلنوا صراحة كالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أعلن أن الخلافة من الناحية الشرعية والفقهية تعني الإنابة، وكون الخليفة نائبًا عن الأمة الإسلامية، ووكيلًا عنها من خلال البيعة التي منحتها للخليفة، وهذه النيابة لا تَثبُت شرعًا وعقلاً وعرفًا إلا بأن تقوم الأمة جميعها بمنحها للخليفة، أو من خلال ممثليها الذين سُموا في السابق بأهل الحل والعقد وأولي الأمر، من العلماء والأكفاء والمسؤولين وأصحاب القرار، والجماعات الإسلامية، وأن مجرد أمر إعلان جماعة للخلافة ليس كافيًا لإقامة الخليفة، وهو أمر مخالف لهذه الحقيقة الشرعية.

بدأت (داعش) تظهر بعض الممارسات التي رفضها كثير من أبناء الحركة الإسلامية بما فيهم القاعدة التي لم تتردد في إدانة تصرفاتها وممارساتها على الأرض، وأحدثت هذه التصرفات نوعًا من الصدمة لدى جموع المسلمين، فإفراط في الدماء وتَفنن في تصدير صور أنواع من القتل بشعة تأباها الإنسانية السليمة، وصور الممارسات المبالغ فيها والتي لم تخدم قط قضيتهم ولا قضايا المسلمين.

الظروف الغامضة التي ظهرت فيها (داعش) والتنامي السريع لكيانها، والقدرات التسليحية العالية لقواتها، جعل البعض يشكك في كون أفرادها عملاء أمريكيين زُرعوا, غير أن الإنصاف يقتضي أن نقرر أن أفرادها العاديين يظنون أنهم يخدمون الدين، وهم أناس نشؤوا في واقع اضطهادي وَلّدَ كبتًا وجههم لأن يمتلكوا المبرر الأخلاقي لتجاوزات الممارسة فيما هو صورة من صور دفع الصائل، وهو الواقع الذي دفعت إليه السياسات والممارسات الأمريكية والغربية المتعمدة في المنطقة، ليخرج جيل يحمل الكره فيُمارس مشروعا بتجاوزٍ؛ فيسيء للفكرة.

لم يكن الحل العسكري يومًا حلاً لمواجهة الخلل الفكري؛ خاصة إن كان مُمَارسه عايش اضطهادًا متعمدًا دفعه إلى اعتناق ما يراه حقًا, بل العلاج يقتضي التعامل مع السبب لا العرض.

ظهر جليًا الحاجة الجيوسياسية لظهور كيان جامع رشيد يجمع العالم الإسلامي بعد فشل الجوامع القومية في مواجهة الحملات الشرسة، فضلاً عن فشلها الذريع في مواجهة وحل القضية الفلسطينية على مدار قرن من الزمان.

لقد كان (شوقي) صادقًا متفهمًا لواقع دينه حينما رثى الخلافة في بكائيته:

ضجت عليــك مآذن ومنابر = وبكت عليك ممــالك ونـــواح
الهنــــد والهة ومصـر حزينة = تبــكي عليــك بمدمع ســحاح
والشام تسأل والعراق وفارس = أمحا من الأرض الخلافة ماح

لقد ظنوا واهمين أنهم بإلغاء الخلافة قد ألغوا الإسلام، فأصبح العدو الجديد – كما قال (بوش الأب) – هو تلك الأصولية فتكالبوا على الحركة الإسلامية وكالوا لها التهم، وحاولوا إطفاء نور الله – وأنَّى لهم هذا – ووقفوا بين الأمة ودينها حتى لا تتحول إلى شمس تشرق على الأرض لتضيئها من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد