الإمبراطورية الأمريكية، والتي يسميها البعض عن حق وبرهان «امبراطورية قطاع الطرق»، في طريقها للسقوط المفاجئ الذي سيغير مجرى التاريخ المعاصر والمستقبلي، وسيكون التغيير لصالح البشرية بلا ريب! ليس هذا من باب التمني، الموجود وبقوة في كل ضميرٍ حي ينبض بحب الإنسانية، فحسب، بل عن حقائق تتالت وبشرت بسقوط إمبراطوريات مستبدة على مر العصور. فإمبراطورية روما سقطت لأسباب نلاحظها بوضوح في سلوك إمبراطورية قطاع الطرق! بل إن إمبراطورية الشر الأمريكية تختزن أسبابًا أكثر، وأعراضًا أكثر وضوحًا للسقوط الذي بات قريبًا. وأذكّر بما قاله أمير الشعراء:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت      فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ولعل من أهم أسباب الانهيار وانعدام الأخلاق العدوان والظلم، فكما بلغ الظلم مداه في روما باحتلال الدول الأخرى لتوسعة نفوذهم ونهب ثروات الشعوب التي يستعمرونها لمضاعفة ثروات طبقة الأثرياء، وليس لخير شعبهم، فلم يستفيد الفلاحون وبقية الفقراء من نهب أباطرة الروم للبلاد الأخرى، وعليه لم يعودوا يكترثون بالحرب خارج حدودهم. وهذا ما يقوم به عتاة الاستبداد الأمريكان، حيث يفجرون في بلدانهم ويقتلون مواطنيهم، ويتهمون الأبرياء من أفراد وجماعات ودول، قيما يُسمى False Flag Attacks، وأفضل مثال عليها هو هجمات 11 سبتمبر (أيلول)2001، ليتسنى لهم استعمال فائض القوة الذي يملكونه لنهب خيرات الشعوب الأخرى، وتحطيم آمالهم في التحرر والرفاهية. وكمثال، ليس لدينا أقرب من قانون «جاستا» أو Justice Against Sponsors of Terrorism Act، ومن أهدافه الرئيسة نهب ثروات دول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية المقدرة بمئات المليارات، وربما عدة تريليونات من الدولارات، بزعم تورط عدد من مواطنيها في الهجمات الشهيرة.

(وأذكّر بأنني كتبت مقالًا هنا في 21/9 عنوانها «ستتكشف حقائق رهيبة و«جاستا» للدفاع»، وبينت فيه أن الهدف الأول من «جاستا» هو الدفاع عن أقطاب الشر، الذين فجروا البرجين وقتلوا نحو ثلاثة آلاف مواطن أمريكي؛ لأن حقيقة التفجيرات بدأت تتكشف للشعب الأمريكي، والهدف الثاني هو نهب أموال المملكة!)

وأعود هنا لأقول يريدون مصادرة أو تجميد الأموال التي خدمتهم لتستر بعضًا من عوراتهم أمام شعوبهم، يحاولون الانقضاض عليها بطريقة العصابات وقطاع الطرق! انحدار أخلاقي مهين مهما برروه بمقولة لا أخلاق في السياسة! وهذا من أعراض السقوط!

ليس هذا فحسب، بل قهروا الكثير من شعوب الأرض. وقد تجلى بعض من القهر والظلم في صورة بشعة، عندما سئلت «مادلين أولبرايت» وزيرة الخارجية في عهد «بيل كلنتون» عام 1996 عن موت 500 ألف طفل عراقي بسبب الحصار والحرب، هل يستحقون ذلك؟ فأجابت« A hard choice, but the price, we think the price is worth it»، «إنه خيار صعب، ولكن الثمن، نعتقد أنه يستحق ذلك»!

وقد حصلت أولبرايت على الميدالية الرئاسية للحرية من باراك أوباما! وعلق أحدهم يومها قائلًا: «مجرمة حرب وإبادة جماعية تفوز بمدالية رئاسية وهي تستدعي ذكريات هولوكوست». وتتداول اليوم وكالات الأنباء خبرًا عن صرف الإدارة الأمريكية لمبلغ طائل (540) مليون دولار لعمل أفلام عن (القاعدة) في العراق، ونشرها بهدف تعقب من يشاهدها! ربما أبرياء كثيرون يشاهدون هذه الأفلام بقصد أو بغير قصد، فتذهب «الدرونز»، الطائرات بلا طيار، لقتلهم، وكم من الأبرياء والأطفال قتلت الدرونز هذه في كل من العراق وأفغانستان وباكستان واليمن. رأينا أشلاءهم تتطاير كأوراق الخريف في عاصفة من قوة التفجير! طغيان يندر مثيله وسقوط أخلاقي نادر في عصر «حقوق الإنسان». إلا أن اشتداد الظلم والقهر أشبه بازدياد حلكة الليل قبل الفجر! إنه بشرى، بالرغم من القسوة، باقتراب انهيار إمبراطورية الظلم والاستبداد!

ومن الأسباب المزلزلة للإمبراطوريات والدول الفساد المالي. فقد ذكرت الـ CNN نقلًا عن رويترز Reuters في 23 أغسطس (آب) 2016، أي قبل أسابيع، أن «الجيش الأمريكي» عمل «تريليونات الدولارات من أخطاء المحاسبة، ولم يكن لديه الإيصالات والفواتير اللازمة لدعم الأرقام في ميزانيته، حسب تقرير لاذع من البنتاغون». كما أن الجيش، وحسب مدقق الحسابات الذي عينه مكتب قسم الدفاع التابع للمفتش العام، عمل $2.8 تريليون دولار من الأخطاء في الحسابات في الربع الثالث من عام 2015، ووصل مبلغ الخطأ في الحسابات إلى $6.5 تريليون دولار في العام ككل، المقصود عام 2015! وذكر التقرير الصادر عن البنتاغون في شهر يونيو (حزيران) هذا العام أنه استُخدمت معلومات «لا يُعتمد عليها» لتحضير القوائم المالية؛ مما أدى إلى إمكانية أن تشوب موارد الجيش المالية أخطاء جسيمة! وقال مدقق الحسابات أيضًا إن المدراء الماليين من البنتاغون والجيش «لا يستطيعون الاعتماد على المعلومات الموجودة في أنظمتهم المحاسبية عند إصدار قرارات الموارد والإدارة». وأضاف أن 16,000 ملف اختفت من نظام الكومبيوتر التابع لخدمة المحاسبة ومالية الدفاع؛ بسبب عطل في «سوفتوير الكومبيوتر»! أهذه دولة عظمى أم دولة من العالم الثالث؟

ولنحذر من سبتمبر (أيلول) العام القادم، حيث سن الكونجرس قانونًا يعاقب البنتاغون إذا فشل في أن يكون مستعدًا للتدقيق الكامل قبل سبتمبر (أيلول) 2017! ماذا سيفعلون لإخفاء الاختلاسات الرهيبة، هل سيفجرون «الكابيتول هيل»، مبنى الكونجرس، هذه المرة ليهاجموا الأبرياء للتغطية على جرائم الاختلاس، كما فعلوا في 11 سبتمبر (أيلول) 2001؟ فساد أكبر بكثير مما كنا نتصوره عن الفساد!  ولم يذكر التاريخ أبدًا أن أحدًا قام بغزو روما، ولكنها سقطت بفعل الفساد الداخلي كأحد أسباب الانهيار السياسي والعسكري. حيث كان همّ القائمين على الإمبراطورية زيادة ثروتهم الخاصة وتوسيع نفوذهم، كما يفعل قادة الإمبراطورية الأمريكية اليوم، فمعظم أو ربما كل صفقات البترول الخارجية، بعد احتلال الدول أو تهديدها بالغزو، تكون لشركات يملكونها أو لهم نصيب الأسد من أسهمها. عَرَض آخر للسقوط القادم لا محالة.

وما أشبه الليلة بالأمس، فبعد خسارة الرومان لكثير من جنودهم في معارك البغي والعدوان واستعمار الأمم الأخرى، غضب الناس ولم يعودوا يكترثون بالحرب التي لا تجلب لهم المنافع، كما ذكرنا قبل قليل، مما دفع القيادة الرومانية إلى استئجار المرتزقة، وبناء الحاميات لهم في البلاد الأخرى ليقاتلوا من أجلهم (الرومان) مقابل حصولهم على الجنسية الرومانية. أليس هذا ما تقوم به إدارات البيت الأبيض تمامًا في السنوات الأخيرة؟! فبعد إلغاء التجنيد الإجباري، في عهد نيكسون، بعد الخسائر الكبيرة في حرب فيتنام، قرر صناع القرار في البيت الأبيض الاستعانة في كثير من الأحيان بالمرتزقة، وخاصة من أمريكا الجنوبية والوسطى، وبناء القواعد في البلاد الأخرى. وحصل هذا في حروبهم البربرية في أفغانستان والعراق! وهذه نذير آخر باقتراب النهاية!

لن تستمر جماعة أو دولة أو امبراطورية حتى إن بقيت قوية عسكرياً واقتصاديًا، إذا انهارت القيم الإنسانية فيها. لم يعد لأمريكا ما تباهت به في النصف الثاني من القرن الماضي، من ديموقراطية وحقوق انسان. أمريكا تراعي الديموقراطية، إن كانت هناك ديموقراطية، بقدر خدمة هذه الديموقراطية لأهدافها. آخر برهان، وليس الوحيد، موقفها من انقلاب تركيا بغض النظر عمن يختلف سياسيًا مع تركيا! ولنتذكر انتخابات عام 2000 بين الجمهوري «جورج بوش الابن» ونائب كلنتون «آل غور». فقد تأجل إعلان النتيجة النهائية عدة أسابيع؛ بسبب تقارب النتيجة الذي فرض إعادة عد الأصوات. ولكن الأمور وصلت في الدولة «الديموقراطية» إلى المحكمة العليا الأمريكية، والتي قررت فوز جورج بوش بنسبة 5 إلى 4 في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2000 أي بعد الانتخابات بـ 35 يومًا. في أمريكا، الرئيس يُختار ولا يُنتخب والديموقراطية مظهر وليس جوهر! وهناك الكثير من اللغط والتهكم على انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) القادم وأنها ستُزوّر! وما سجْنَيْ غوانتنامو وأبو غريب إلا وصمة عار أبدية، لا يمحوها التقادم في جبين هذه العصابة التي تحتل البيت الأبيض منذ عقود! ولكن لنثق أن القوي وذا الأخلاق لا يفعل ما فعلته هذه العصابة مصاصة الدماء، بل ما يفعله إلا العابرون، وسيمضون إلى مزبلة التاريخ قريبًا! إذن هذه بشرى أخرى أو عرَض من أعراض الانهيار!

كانت إمبراطورية روما تقدم القمح والسيرك لشعبها bread and circuses، كلما أحست بغضبهم من سياساتها لإلهائهم عن حقيقة أوضاع الشعب والدولة. وهذا ما تفعله إمبراطورية قطاع الطرق حيث يستطيع معظم الشعب شراء «المنومات وصادات رياح التفكير» كـ«الهامبرغر» و«الهوت دوغز» ومشاهدة المباريات الرياضية! كثير من مواطنيهم لا يعرفون ديانة ربيبتهم إسرائيل، ولا يعرفون من كم ولاية تتكون أمريكا!

ولكن، وبالرغم من كل هذا، فإن الشعب بدأ يستفيق، وكثير منهم عرف أن من فجر البرجين وقصف البنتاغون في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 هي حكومتهم بقيادة جورج بوش الابن! هناك آلاف الفيديوهات التي تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الحكومة الأمريكية هي المذنبة. وحسب «الديلي ميل» البريطانية الصادرة في 29 أغسطس (آب) 2011 فإن نسبة الأمريكان المقتنعين بأن حكومتهم متورطة في ترتيب الهجمات 15% ونسبة البريطانيين 14% وهذا في عام 2011، أي قبل خمس سنوات! وما «جاستا» إلا ذرًا للرماد في عيون الأمريكان خصوصًا، والغربيين عمومًا، ولكنه سيكون سببً في فضح أفعالهم الشنيعة كاملة، بما فيها فبركة الأمراض المعدية كـ«الإيدز» و«إبولا»ـ وغيرهما وسنثبت ذلك في مقال قادم بإذن الله! الانهيار في الطريق، فليثبت المتضررون من أمريكا وما أكثرهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد