كانتِ الأمة الإسلامية – إبان سقوط الخلافة – تعاني من ضَعْف الوعي السياسي، وقلة المحصول الثقافي، وتشرذم المسلمين، واحتلال الصليبيين، ولعل نموذجًا واحدًا من كتابات أحد رموز الأمة يبين لك كيف كان حالَ عوامِّها حينذاك:

كتب عبد الحميد بن باديس زعيم الحركة الإسلامية في الجزائر مقالًا بعنوان: «الفاجعة الكبرى أو جنايات الكماليين على الإسلام والمسلمين ومروقهم من الدين» نشرتْه جريدةُ النجاح عدد 152 بتاريخ 28 مارس (آذار) 1924م، بدأَه بقوله: إن الإسلامَ لا يقدسُ الرجالَ… فلئنْ وَالَينا الكماليين بالأمس ومدَحْنَاهم فلأَنهم يَذبون عن حمى الخلافةِ، وينتشلون أمةً إسلامية عظيمة من مخالب الظالمين، وقد سمعناهم يقولون في دستورهم: إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، ولئن تبرأنا منهم اليومَ وعاديناهم فلأنهم تبرؤوا من الدين وخلعوا خليفة المسلمين، فكانوا ممن عَمِلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى لم يبق بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فعَمِلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فكان من الخاسرين، وإنما الأمور بخواتمها والعاقبة للمتقين. أهـــــــ.

بعد هذا البلاغ المبين، إذ بالشيخ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا، في مقالٍ له نشر في غرة رمضان 1357هـ، نوفمبر (تشرين الثاني) 1938، تحت عنوان: مصطفى كمال رحمه الله، يقول: «في السابع عشر من رمضان المعظم خُتمت أنفاسُ أعظم رجلٍ عرفته البشرية في التاريخ الحديث، عبقري من أعظم عباقرة الشرق، الذين يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب فيحولون مجرى التاريخ ويخلقونه خلقًا جديدًا، ذلك هو مصطفى كمال. باعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى والعز والسمو. لقد ثار مصطفى كمال حقيقة ثورةً جامحة، ولكنه لم يَثُرْ على الإسلام وإنما على هؤلاء الذين يسمون بالمسلمين، فألغى الخلافة الزائفة، وقطع يد أولئك العلماء عن الحكم، فرفض مجلة الأحكام واقتلع شجرة زقوم الطرقية من جذورها، وقال للأمم الإسلامية عليكم أنفسكم، وعليّ نفسي، لا خير لي في الاتصال بكم ما دمتم على ما أنتم عليه، نعم إن مصطفى أتاتورك نزع عن الأتراك الأحكام الشرعية، وليس مسؤولًا في ذلك وحده، وفي إمكانهم أن يسترجعوها متى شاءوا وكيفما شاءوا، ولكنه أرجع لهم حريتهم واستقلالهم وسيادتهم وعظمتهم بين أمم الأرض، وذلك ما لا يسهل استرجاعه لو ضاع، وهو وحده كان مبعثه ومصدره، ثم إخوانه المخلصون». أهـــــــــ

وهذا يدلك على ضبابيةِ الرؤى، وتخبط الخُطى، وظلام المَنْسَم في تلك الأيام الحوالك، أَبعدَ كلِّ ما جَناه، واقترفتْ يداه، يُمدحُ بهذا من أحدِ علماء المسلمين؟!

مؤتمر الخلافة بالأزهر الشريف 1925

دعا الأزهر لعقد مؤتمر إسلامي عام لمناقشة مسألة الخلافة الإسلامية، وكان وراء هذه الدعوة الملك فؤاد الذي أبدى رغبته في أن يصبح خليفة. وعُقد المؤتمر في التاسع عشر من شعبان سنة 1343هـ الموافق 25 مارس 1924، أي بعد أيام من إعلان هدم الخلافة المشؤوم، وأرسلَ الخليفة العثماني من منفاه في سان ريمو بإيطاليا خطابًا شافيًا لشيخ الأزهر وللقائمين على المؤتمر، يعلنُ فيه أنه ما زال حيًا، ولم يتنازلْ عن السلطنة ولا الخلافة، وأنَ واجبَ الأمةِ أن تنصرَ خليفتَها، لا أن تبحثَ لها عن خليفةٍ غيره. ومع ذلك لم يلتفتْ أحدٌ إليه.

وانعقد المؤتمر ثم انفض ولم يصل إلى قرار سوى الدعوة إلى مؤتمرٍ آخر، موعده السنة القادمة، ومن العجيب الغريب النادر أن أهل المؤتمر وجهوا الشكر للأمم غير الإسلامية التي راعت ظروف المسلمين في هذا الظرف العصيب، فلم تتدخل في شؤونهم: (نعلن شكرنا للأمم التي تدين بأديان أخرى غير الدين الإسلامي، ولدول تلك الأمم على ما أظهروه إلى الآن من ابتعادهم عن التدخل في شؤون الخلافة الإسلامية، ونرجو منهم أن يلاحظوا أن مسألة الخلافة مسألة إسلامية محضة لا يجوز أن تتعدى دائرتها، ولا يهتم بها أحد من غير أهلها). وتناسى المؤتمرون والمتآمرون أن الغرب الصليبي هو من أسقطَ الخلافة بيدِ قَوْمٍ مِنْ جِلْدَتِنَا ويَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا!

وعندما حان وقت انعقاد المؤتمر الثاني 1925 المتمخَّض عن المؤتمر الأوّل 1924 طَفَتِ الخلافاتُ على السطح؛ فبإيعازٍ من بريطانيا طالب بالخلافة الملكُ فؤاد، وبإيعازٍ من بريطانيا طالب بها الشريفُ حسين، وبإيعازٍ من بريطانيا طالب بها الملكُ عبد العزيز بن سعود، بل دبّ الخلاف حول شكل الخلافة ومضمونها وهل تحتاج إلى تعديل أم لا. وتمخّض الجبلُ فولِدَ فأرًا، وتمّ تأجيل المؤتمر إلى السنة القادمة 1926 الذي فشل بدوره في معالجة المشكلة.

مواقف مشرفة

رغم حالة التّخبط التي شهدتها الأمة الإسلامية قبيل هدم الخلافة وبعدها، فقد كان فيها من الرجال من انبرى للدفاع عن الخلافة والانتصار لها بالقلم والسيف.

فمن هؤلاء الرجال الشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ مصطفى صبري آخر شيوخ الإسلام المفتين في الدولة العثمانية. والشيخ أحمد شاكر، والشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ رشيد رضا، فقد كان لكلٍّ منهم صولاتٌ وجولاتٌ في الدفاع عن منصب الخلافة وضرورة عودتها واسترجاعها.

إلا أنّ الرجل الذي يستحقّ كلّ التبجيل والتكريم، هو الرجل الذي حمل سيفه في وجه أتاتورك ومن لفّ لفّه، وقاتل من أجل إعادة الخلافة، ألا وهو الشيخ سعيد بيران رحمه الله تعالى.

ثورة الشيخ سعيد بيران

ولد الشيخُ سعيد بن الشيخ محمود بن الشيخ علي في قضاء (بالو) بولاية آلازغ الكردية سنة 1865م، وحين ألغى مصطفى كمال الخلافةَ الإسلامية، قرر الشيخ القيام بثورة مسلحة لاستعادة الخلافة، وفي نوفمبر 1924 سافر نجلُه علي رضا إلى حلب؛ للتنسيق بصورةٍ نهائية مع القادة الأكراد الآخرين؛ لتنظيم حركةِ مقاومةٍ مسلحة، وانعقد مؤتمرٌ شارك فيه عدد كبير من الشخصيات الكردية في تركيا والعراق وسورية. ولكن للأسف كان هذا خطأً استراتيجيًا شــنيعًا، حيث اقتصر التنسيقُ مع قيادات الأكراد، وقلةِ من الأتراك، فظهرت الثورة الإســلامية وقد كأنها ثورة كردية قومية.

ثم تم تحديد موعد الثورة المسلحة يوم العيد القومي للأكراد النيروز الموافق 21 مارس 1925. وكان هذا هو الخطأ الثاني؛ حيث مكّن لحكومةِ أنقرة أن تُصنف الثورة الإسـلامية كثورةٍ قومية وحركةٍ انفصالية كردية ضد الهيمنة التركية؛ لإثارة النعرة الطورانية عند القوميين الأتراك، ولعزل الثورة عن المسلمين في تركيا وبقية العالم الإسلامي. على الرغم من خطاب الثورة خطابًا إسلاميًا صرفًا، حيث أعلن الشيخُ حركتَه باسم الله واتخذ له رايةً خضراءَ هي رايةُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما حمل شعار «لتحيا الخلافةُ ولتسقط الجمهورية، وكان يتلقّب بخادم المجاهدين».

ومما يقطعُ أيضا بأن الثورةَ كانت ثورةً لأجل إعادة الخلافة وتطبيق الشريعة ما جاء في وثائق محاكمة الشيخ سعيد. فقد اتّهمه القاضي بأنّ دوافع تحركه قومية، فقال: يشهدُ اللَّه أن الثورةَ لم تكن من صنع السياسيين الكرد – يعني القوميين – ولا من تدخل الأجانب. وعندما سُئل: هل تريد أن تصبح خليفة؟ أجاب: إن وجود الخليفة ضمانة أساسية لتطبيق قواعد الدين وإن المسألة مطلوبة شرعًا.

حاولتِ الحكومةُ الكمالية تشويهَ قادةِ الثورة الإسـلامية، فاتهمتْهم بالتمويل الأجنبي، والدعم الخارجي، وهذا دأبُ الطغاةِ في كلِّ زمان، يرمون خصومَهم بشامةِ العار التي تُلطخ وجوههَم، وتعلو جباههم، مع أن الثابت أن الإنجليزَ والفرنسيين ساعدوا الحكومة الكمالية على قمع الثورة؛ فقد استعملتِ الحكومةُ الكمالية المدفعيةَ الإنجليزية في قصف مواقع الثوار، كما طلبتِ السلطاتُ التركية من الحكومة الفرنسية السماحَ لها بمرور أربعة قطاراتٍ يوميًا على الخط الحديدي في سوريا؛ لنقلِ الجنودِ والعتاد إلى ساحةِ العمليات، ورحبتْ بذلك فرنسا.

بدأ الشيخُ سعيد بالتحرك الميداني في 8 فبراير (شباط) 1925، فقام بزيارة الولايات الشرقية، ولكن فجأةً وفي أثناء جولته التفقدية في بيران، وصلت قوةٌ تركية بقيادة الملازم أول حسني أفندي؛ للقبض على عدد من الأكراد، فاحتجّ الشيخُ على اعتقالهم في وجوده، وطالبَ القوةَ العسكرية باحترامِ وجودِه وانتظارِ رحيلِه، فأبتِ القوةُ التركية ذلك، وهنا رفض أكرادُ بيران تسليمَهم، فوقع صدامٌ مسلح، كان نتيجته قتل عددٍ من الجنود الأتراك، وأسرِ بعض الضباط، ومنهم حسني أفندي، وأصبحت هذه الأحداث هي البداية الحقيقية لحركة الشيخ سعيد بيران وبها بدأت الانتفاضة، قبل الموعد الذي كان محددًا لها بحوالي 41 يومًا وكان هذا هو الخطأ الثالث.

سيطر الثوارُ في 14 فبراير 1925 على محافظة كينجو سيطرةً تامة، ووقع المحافظُ والموظفون الأتراك في الأسْـر، وجعلَ الشيخُ من كينجو عاصمةً مؤقتة لكردستان، وانتقلتِ السُّلطةُ الدينية والمدنية إلى الشيخ سعيد، وأُرسلتْ جميعُ الضرائب والأسرى إلى كينجو، مقر الثورة الإسلامية وعاصمتها المؤقتة.

وفي 22 فبراير 1925 عقد مجلس الوزراء التركي جلسة طارئة، وأفضى الاجتماع إلى إعلان حالة الطوارئ في منطقة الانتفاضة، ووضعها تحت الأحكام العرفية لمدة شهر كامل، حتى يستطيعَ الجيشُ التركي مقاومة الثورة الإسـلامية المسلحة.

تقدمت الانتفاضة بشكلٍ سريع على الأرض، والْتَف حولها آلافٌ من كل جانب، فاستولت على ليجة وخاني، وبلغ عدد الفصائل الكردية زهاء 20 ألفَ مقاتلٍ؛ مما أربك الحكومة التركية، وأثار الذعرَ بين قياداتها.

وفي11 مارس 1925 أمر الشيخ سعيد بشن هجوم على ديار بكر من جميع الجهات، لكن القوات التركية المتفوقة عددًا وعتادًا، سيطرتْ على الموقف، فأصدر الشيخُ أوامرَه بالانسحاب والتراجع نحو درخاني.

جمع أتاتورك أربعةَ آلافٍ من خونة الشعب الكردي واستدعاهم إلى أنقرة، ودفع إلى كلِّ واحدٍ منهم 20 ألف ليرة ذهبية رَشَادِية، وكان الثمن عرقلة ثورة الشيخ سعيد وإفشالها، ووعدهم بعد إخفاق الثورة أن يحضروا إلى أنقرة لاسـتلام جائزةٍ كبرى، وفعلًا لعب هؤلاء الخونة دورًا فعالًا في إخفاق الثورة وإفشالها.

استطاعت القوات الحكومية أواخر مارس 1925 شنَّ هجومٍ على منطقة الانتفاضة من الشمال والجنوب في آنٍ واحد، وقاد القوات التركية الجنرال كمال الدين سامي باشا، ولم يجد الثوار مفرًا سوى التراجع، وفي نفس الوقت أصدرتِ القواتُ التركية بيانًا، وعدت فيه بمكافأةٍ قدرُها ألف ليرةٍ ذهبية، لمن يُلقي القبضَ على الشيخ سعيد حيًا، و700 ليرة ذهبية، لمن يأتي بجثته ميتًا، وكان ذلك بداية تحول المعارك لمصلحة القوات التركية وبداية انهيار الثورة الإسلامية.

تمت محاصرة القوات الرئيسة للثورة في أبريل (نيسان) 1925، وتحطيمها في وادي كينجو، وتم إلقاء القبض على قادتها، وعلى رأسهم الشيخ سعيد بيران بعد حصارٍ شديد. وسيق الشيخ إلى المحكمة وكان الشيخ يضرب العساكر بيديه فأمسكوا بيديه فصار يركلُهم برجلِه ويضربُهم برأسه وهو يقول: «أجاهدُكم حتى عند النَّفَس الأخير».
وحُكم عليه بالإعدام شنقًا حتى الموت، وأمام حبلِ المشنقةٍ قال الشيخ: (إذا مِـتُّ فكلُّ كرديٍ سعيدُ، وسيُخلّصون كردستان ويخرجونها من عيونكم)، وقال: (إن الحياة الطبيعية تقترب من نهايتها ولم آسف قط عندما أضحي بنفسي في سبيل الله، إننا مسرورون لأن أحفادَنا سوف لا يخجلون منا أمام الأعداء. ثم شُــنقوا، وتُركوا معلقين على أعوادِ المشانق.

جزاء الخونة الأكراد

استدعى أتاتوركُ العملاءَ لاستلام جوائزهم الكبيرة، فجمعهم، وخاطبهم: بأنكم أيها العملاء أخسُّ وأرذلُ من وُجِد على وجه الأرض، حيث خنتم ثورتَكم، وبلادَكم، وشرفَكم، ودينَكم، وعزتَكم، وأمرَ بإعدامِهم جميعًا، ونجا ثلاثةُ أشخاص منهم كانوا جرحى، منهم الشيخ مهدي، الذي تحدث عن هذه الواقعة بعد أن بلغ عمره 110 سنوات، فطلبَ من الحاضرين من حوله أن يشتموه بأقسى النعوت، وأن يبصقَ كلٌ منهم في وجهه، قائلًا: هذا جزاءُ بعض ما اقترفته!

أسباب فشل ثورة الشيخ سعيد بيران

يمكن إجمالُ أسباب فشل الثورة الإسلامية 1925 في النقاط التالية:

1 – اقتصار التنسيق والعمل على المناطق الكردية حرمَ الثورة من العمق الإسلامي والحاضنة الشعبية، كما سـهّل على الحكومة الكمالية تشويه قادة الثورة ووصفهم بالمتمردين الأكراد. وكان الأولى أن تشـبَّ الثورة في كل بقاع تركيا، لتشتيت الحكومة الكمالية، وإجبارها على توزيع قواتها في جميع البلاد؛ مما يساعد في إرباكها واستنزافها والإجهاز عليها.

2 – تغيير الموعد المتفق عليه لبدء الثورة المسلحة، حيث بدأت قبل الموعد الذي كان محددًا لها بحوالي 41 يومًا، وذلك من أجلِ حادثٍ طارئٍ، وكان الأولى بالثوار أن يَضبطوا أعصابَهم، فلا يُحركون ساكنًا حتى يتمَّ الاستعدادُ والترتيب، فإن تعجيلَ الموعد وتغييرَه فجأة قد يُزعزعُ الثقةَ في قيادةِ الثورة، ويَصرفُ عنها الحاضنةَ الشعبية وهي ميزان النجاح والفشل لكل الثورات.

3 – تخاذل قادة العالم الإسـلامي في دعم الثورة، وعلى رأسهم العلماء الأتراك أمثال بديع الزمان سعيد النورسي، فعندما جاءه حسين باشا مندوبُ الشيخ سعيد يدعوه إلى المشاركة في الثورة لإعادة الخلافة وتطبيق الشريعة، قال له النورسي: ومن ستحارب؟ قال حسين باشا: سنحارب مصطفى كمال. قال النورسي: ومن هم جنود مصطفى كمال؟ قال حسين باشا: إنهم جنود! قال سعيد النورسي: إن جنودَه أبناءُ هذا الوطن، هم أقرباؤك وأقربائي، فمن نقتل؟ ومن سيقتلون؟ فكر.. وافهم. إنك تريد أن يقتل الأخ أخاه.

ثم أرسل النورسي رسالة إلي الشيخ بيران جاء فيها: «إن ما تقومون به من ثورة تدفع الأخ لقتل أخيه ولا تحقق أية نتيجة، فالأمة التركية قد رفعت راية الإسلام، وضحت في سبيل دينها مئات الألوف، بل الملايين من الشهداء، فضلًا عن تربيتها ملايين الأولياء، لذا لا يُستل السيف على أحفاد الأمة البطلة المضحية للإسلام، الأمة التركية، وأنا أيضًا لا أستلُه عليهم».

ولستُ أدري كيف فات الشيخ النورسي أن الثورة قامت لإعادة أمجاد الأمة البطلة المضحية للإسلام! وَيْكَأَنَّ الثوار يقاتلون مرادَ الأول أو محمدًا الفاتح، ولا يقاتلون ربيبَ الإنجليز ورضيعَ اليهود مصطفى كمال!

4 – خيانة بعض القادة الأكراد، وانضمامهم للحكومة الكمالية لقاءَ 20 ألف ليرة ذهبية رَشَادِية، فأفشلوا الثورة، وتآمروا عليها، يَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، ونَسُوا أنَّ الله عِندَه مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ.

5 – الدعم الكبير والمساندة الفعالة التي قدمها الغرب لحكومة مصطفى كمال، فقد رأينا كيف تركت له بريطانيا مدافعها لقصف الثوار، وكيف قدمتْ له فرنسا دعمًا لوجستيًا في الإمداد والتموين ونقل الجنود والعتاد.

6 – قامت الثورة في المناطق الكردية، في وقتٍ كانت بريطانيا تحتل العراق، وكانت فرنسا تحتل سوريا؛ مما حرم الثوار من خطوط الإمدادات الخلفية لإخوانهم المسلمين في العراق والشام، حيث قامت بريطانيا وفرنسا بإغلاق الحدود، وإحكام الحصار، مما عجل بانهيار الثورة وإخمادِها. وسَحقِها، وخُبُوِّ جَذوتُها، وذهابِ قوتِها.

7 – الضَّعفُ العام الذي أصابَ الأمة الإسلامية، حيث تكالبت عليها الأمم، وتتَدَاعَتْ عَلَيْها كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، وبنظرةٍ إلى خريطة العالم الإسلامي حينذاك، تجد العراقَ والأردن وفلسطين ودول الخليج العربي ومصر والسودان تحت الاحتلال البريطاني، وتجد سوريا ولبنان وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والسنغال تحت الاحتلال الفرنسي، وحين وَجَدَ الشيخُ سعيد جسدًا إسلاميًا يرقدُ على فراشِ الموت، وَجَدَ مصطفى كمال الإمبراطوريةَ البريطانية والجمهوريةَ الفرنسية تمدان له يدَ العونِ والمساعدةِ، بالسلاحِ والذخيرةِ والمؤنِ والعتاد.

وبأجسادٍ معلقةٍ على أعوادِ المشانق، وبأشـلاءٍ مدفونةٍ في أقبيةِ المقابر، وبأســرى قابعةٍ في غياهبِ السجون، وبأيتامٍ وأراملَ، وبجرحى ومصابين ومطاردين أُسدل الستارُ على ثورة الشيخ سعيد بيران، وتمتْ فصولُ مأساتِها، لتستقرَ الأمورُ في يدِ الكماليين ولكن إلى حِينٍ، إلى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.

المصادر والمراجع:

1 – سلاطين الدولة العثمانية، صالح كَولَن

2 – أسباب سقوط الدولة العثمانية، د. تركماني.

3 – الرجل الصنم، ضابط تركي سابق مجهول.

4 –  التاريخ السري للإمبراطورية العثمانية، مصطفى أرمغان.

5 –  الأسرار الخفية وراء إلغاء الخلافة العثمانية، د. مصطفى حلمي.

6 – إسقاط الدولة العثمانية بين الأسباب الداخلية والخارجية، محمد غــل.

7 – الدولة العثمانية في التاريخ الإســلامي الحديث، د. إسماعيل أحمد ياغي.

8 – تاريخ العثمانيين من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة، د. محمد سهيل طقوش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد