لا زلت أذكر مقولة إحدى المذيعات في ذلك العام اليتيم الذى حظيت بلادنا فيه برئيس منتخب عن الأفلام المصرية القديمة أنها تمثل تراثنا الذي تربينا ونشأنا عليه، وكان ذلك إثر دعواها أن هناك من يتربص بهذا التراث شرًا، ويريد أن يقتص منه بعض المشاهد، ولم تكن تلك هي المقولة الوحيدة، فقد توالت مقولات مشابهة تعّرف بهوية بلادنا على أنها لون معين من الحياة صاغته الأفلام والمسلسلات، اللون الذي لا ترى فيه ممثلًا يقيم صلاته، إلا إذا كان درويشًا أو محتالًا، ولا ترى فيه امرأة صاحبة خلق وصاحبة حياء في الوقت ذاته، وغير ذلك مما تزخر به ذاكرة الأجيال.

كان هذا هو اللون الذى أريد لنا أن نصطبغ به ونحبه وندافع عنه بحياتنا، وندفع بالأمل في فوهة النار من أجله، فلقد كان مما جعل قسمًا كبيرًا من الناس تؤازر جنرالا يهدد بالقتل والخراب والجوع هو ظنهم الآثم أن هويتهم المزعومة ستنقلب رأسًا على عقب، وسيغدو هنالك لون جديد لا يمت لهم بصلة.

فهل يدرك الناس أنهم متوهمون، وأن تلك الهوية المزعومة قد صنعت لهم كي تكون بديلًا لما كانوا عليه؟

فالهوية ليست ما صرنا إليه في زمن التخلف وغياب الوعى وفقدان القيمة، بل ما رضيناه لأنفسنا وعشنا في ظله قرونا عديدة قبل أن يسطو على أرضنا وفكرنا وعقيدتنا من لا دين لهم ولا خلاق إلا الطمع واستلاب الثروات.

لقد جاء الإسلام إلى أمم الأرض فجعل لها صبغة خاصة وحولها إلى أمم مفكرة راقية معطاءة، وكان من عظمته أنه لا يسلب من أي أمة خصائصها التي تتمتع بها ما لم تخالف أصلًا من أصول العقيدة، ففي المدينة مثلا لم تتخل النساء عن طبعهن في الحركة والخروج، وإنما وضع لهم الحدود التي تجعل حركتهن وفق المنهج الذي أنزله الله. وقدر لهم حاجتهم للهو والترويح، فأبدل أيام لهو الجاهلية بعيدين مرتبطين بإتمام الشعائر يكون فيه الفرح وإظهار السرور وشيء من اللهو.

وفهم المسلمون الأوائل ماذا يمثل الإسلام لهم، وكيف يمكن أن يكون إليه المرجع والمرد، فراحوا يسألون رسول الله عن كل عاداتهم وثقافتهم، إذا كانت توافق ما جاء به، وإذا كانت مما يرضى عنه الله أم عليهم اجتنابها، فأجابهم القرآن ببيان ذلك، ووضح لهم أن ما لم يكن إثمًا، أو فيه تشبه بأهل الكفر والمعصية فلا حرج فيه.

لذلك حين دخل الإسلام البلدان المختلفة أضاف إليها ذلك اللون وتلك الصبغة الإيمانية التي تتداخل مع ما هو موجود في تلك البلاد، فيبقى لها ما يتناسق مع تلك الصبغة، ويزيل عنها ما لا يتفق معها، فصار لكل بلد من تلك البلد هويته الخاصة التى تتفق مع بيئة المكان وطبيعة أهله عدا أن النسيج نفسه أو اللون الأساسي لها هو شرعة الله ومنهجه، لذلك يكون لكل قوم لباسهم وطريقة تعبيرهم وفنهم وطعامهم وغير ذلك من الخصائص والميزات التي تجعل لهم لونًا وهوية خاصة بهم، لكنها تتفق مع سائر بلدان المسلمين في نسيجها.

فليقدم على بلاد المسلمين من شئت من ألوان الناس وأجناسهم، لكن تبقى روح الإسلام وقيمه هي الهوية الغالبة.

فإذا ما قيل أن هذه هوية دينية تفرق بين الناس في أوطانهم، قلنا إن الإسلام ليس كأي دين، إنه دين كما أسلفنا له مقومات صناعة الحضارة، له روح تسري في معتنقيه فتجعل لهم إطارًا واحدًا تبثق عنه أشكال وصور عدة، هذا الدين يصنع تاريخًا ويصنع أمة ويشكل هوية لا تستبعد من لا يدينون به، بل تشملهم ثقافته دون تشريعاته وتجعلهم جزءً له عطاءه الخاص وإسهاماته التي تقدر.

وإذا كان هناك من يتخذ هذا الدين تكئة لتحيز أو إبعاد أو إزهاق أرواح، فمشكلته هي نفسه الآثمة، وليست الهوية الجامعة، وإذا كان هناك من يتعصب للدين فإن التعصب للأوطان واستغلال الهوية الوطنية للقتل والتعذيب والنفي، وغير ذلك من أنواع الإيذاء لهو أشد بلاء، بل إنه هو الهم الثقيل الذي نحياه في اللحظة الراهنة! غير أن الفارق هنا هو أن ما تحتكم إليه الهوية الإسلامية هو كتاب إلهي يعرف حاجات البشر وما يصلحهم، بينما الهويات الأخرى ترجع إلى أهواء البشر وأفكارهم القاصرة!

وما قد يغفل عنه الذين يريدون الإسلام شأنًا خاصًا للفرد لا هوية أمة تميزها عن غيرها أن الفكر أو الثقافة أو المذهب أو حتى اختيار العبث واللامذهب الذى تعتنقه كل أمة هو دين يصنع هويتها، فالدين هو ما وضعه الفرد أو الأمة منطلقًا يرجع إليها ومصدرًا يستمد منه فكره وقيمه ومبادئه، فالوطنية دين والليبرالية والرأسمالية وغير ذلك من مذاهب ونظريات هي دين المرء ومرجعه، ومن خلاله تتكون الهوية وتقبل أو ترفض الأفكار.

فإذا قال البعض، لا أدين بهذه الأشياء جميعًا ولا أتخذها هوية، وأفعل ما يروق لى من جميع تلك المذاهب والمعتقدات، قلنا هذا هو ما يطلق عليه فقدان الهوية فدينك هو ما تهواه نفسك وترضاه، لا مرجع آخر لك يحكم على فكرك، وهذا هو الضياع الذى نخشاه، وهو ما أوصل أمم الإسلام وغيرها إلى ما وصلت إليه، إذ راحت تأخذ وتقبس من غيرها ما شاءت وشاء لها الهوى دون مرجع أو أصل، فأخذت الغث مع الثمين، ونقلت كل ما أعجبها دون تمييز بين ما يصلح وما لا يصلح؛ حتى صارت إلى وضعها الحالي تريد مزيدًا من الخلاص من دينها وهويتها الأصلية، حتى تشبهها، ولن تشبه أبدًا أممًا أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد