كانت أكذوبة ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 هي الأكذوبة التي وَلدت كل الأكاذيب التي أتت بعدها، والتي صنعت سلالة من أكاذيب «حكم العسكر» في مصر وسوريا والعراق والسودان وليبيا، وهي الأكذوبة التي أخذت في التضخم منذ ولدت في «مهرجان يوليو الأول» وحتى الآن. لقد تم باستخدام الدعاية ومنذ 17 أبريل (نيسان) 1954 بعد تعيين جمال عبد الناصر رئيسًا للوزراء والتخلص من اللواء محمد نجيب رئيس الوزراء والإبقاء عليه في منصب رئيس الجمهورية الشرفي، حتى تم اعتقاله في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته، لقد تم باستخدام أساليب الدعاية والتلاعب بالوعي: التأكيد على أن ما حدث في مصر ومنذ يوليو (تموز) 1952 كان ثورة وليس «حركة مباركة» وليس «ثورة الجيش»، بل كانت هي ثورة المصريين التي انتظروها منذ فشل ثورتهم بقيادة الأميرلاي أحمد عرابي قائد الجيش المصري في عهد الخديوي محمد توفيق وقد مضت الدعاية إلى أن قائد الثورة الجديدة هو جمال عبد الناصر والذي شرعت آلة الدعاية تستكمل صورته: كزعيم أسطورة ومحرر العرب ورائد القومية العربية.

وقد تم الربط بين كل هذه الصور والمفاهيم وبين شخص عبد الناصر وخاصة بعد انسحاب قوات الاحتلال الثلاثي لمصر في عام 1956 ولقد استمرت أكذوبة تحويل الانقلاب العسكري إلى ثورة شعبية، بفعل رعاية الجيش للأكذوبة وإبقائه عليها، في ظل وجود الشريك الثاني في صنع الانقلاب الضابط عبد الحكيم عامر قائدًا عامًا للجيش المصري منذ يونيو (حزيران) 1953 وحتى يونيو (حزيران) 1967. لقد استمر التاريخ المصنوع الذي أتى مع انقلاب يوليو الأول عبر إنفاق داخلي وخارجي غير مسبوق، شمل شراء مؤرخين أمريكيين وأوروبيين وشراء الصحف والمحطات الإعلامية في كافة أنحاء العالم، من أجل خلق صورة مغايرة للحقيقة الأولى الأساسية والتي كانت تكشف أن 23 يوليو (تموز) 1952 هو الجيل اﻷول من «الانقلابات اﻷمريكية» في مصر. وأنه كان هناك ثورة شعبية مصرية حقيقية أجهضها الانقلاب وتدخل التخطيط اﻷمريكي لتصفيتها وأن مفتاح اللغز في تحرك الضباط في 22 يوليو (تموز) 1952: هو تخطيط المخابرات المركزية الأمريكية في منع الثورة الشعبية من الحدوث في مصر ومنها إلى باقي المنطقة العربية وهي الثورة الشعبية التي بدأت فعلًا في عام 1951 بثورة الفلاحين في تفاتيش الملك الزراعية والتي استولى فيها الفلاحون على قرية الإقطاعي البدراوي عاشور والتي أججتها العاطفة الوطنية، بعد إلغاء مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء لمعاهدة الصداقة والتعاون المصرية البريطانية في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 1951 والتي بعدها خرجت الأوضاع عن السيطرة، حتى وقوع الانقلاب العسكري في يوليو (تموز) 1952.

لقد تحركت وزارة الإرشاد القومي وهي وزارة الدعاية التي اختلقها نظام يوليو، لتجعل من تحرك أقل من تسعين ضابطًا من بين ضباط الجيش المصري البالغ عددهم حوالي خمسة آلاف ضابط، مع أقل من ثلاثمائة جندي وصف ضابط، في مساء يوم الثلاثاء 22 يوليو (تموز) 1952 من بين قوات جيش قد بلغ تعداده حوالي 60 ألفًا من الضباط والجنود، لتجعل من هذا التحرك الانقلابي المحدود «ثورة» لإحداث تغيير في نظام الحكم القائم في مصر وقتها، وفي حين كان بعض من تحركوا من الضباط لا يعرفون الهدف النهائي من عملية التحرك.

كان أغلب الجيش المصري مواليًا للملك وكان الملك قد أغدق بشدة على ضباط الجيش في مناسبتين متتاليتين؛ الأولى عندما تزوج للمرة الثانية في 6 مايو (أيار) 1951، والثانية في يناير (كانون الثاني) 1952 مع إنجابه ولي العهد، بل إن التنظيم الذي أحدث الانقلاب كان هو تنظيم الملك في الجيش والذي استطاعت المخابرات الأمريكية استمالة بعض الضباط فيه النهمين للسلطة والثروة، في حين أن الأغلبية من ضباط الجيش كانوا بعيدين عن الانخراط في الصراعات السياسية وكان الجيش منعزلًا جغرافيًا عن حياة المدن المصرية، موزعة فرقه ووحداته على مجموعة من المناطق العسكرية في مصر وفي السودان، وكانت المناطق العسكرية داخل مصر تتوزع ما بين: سيناء، وكانت المحطات الرئيسية لقوات الجيش المصري في سيناء تتمركز في رفح وفي محطة العريش العسكرية وفي شرق القناة بالقرب من السويس، وكان انتشار الجيش في الإسكندرية محدودًا وقوته الرئيسية في سلاح البحرية الموالي تمامًا للملك، وكانت محطة أسيوط العسكرية بمنقباد منعزلة هي أيضًا لبعدها الجغرافي عن القاهرة وليس منها أدنى شك في ولائها التام للملك.

ولولا المساندة من المخابرات الأمريكية لقيادة الانقلاب ما تحرك هؤلاء الضباط ضد الملك فاروق أصلًا، ولولا تلاعب المخابرات الأمريكية بالمخابرات البريطانية وإخفاؤها تبعية ضباط الانقلاب لها ولولا تلاعب المخابرات الأمريكية بالحرس الملكي المصري واختراقهم النظام الأمني (الشرطي) ما نجح الانقلاب أبدًا.

لقد تحرك الضباط «المصريون» التسعون وكان التحرك معروفًا مسبقًا للمخابرات البريطانية التي كان تغلغلها داخل الجيش المصري كاشفًا لأدق أسرار حركة الضباط، ولكن تدخل المخابرات الأمريكية المخادع للإنجليز، منع الإنجليز من التدخل لإجهاض الانقلاب، باعتبار ما يحدث شأنًا داخليًا وأمرًا يتعلق بالجيش المصري ومطالب ضباطه، بل صورت المخابرات الأمريكية للبريطانيين أنه يمكن الاستفادة من الانقلاب بالحصول من حكم الضباط على ما لم يتمكن الإنجليز من الحصول عليه من الملك فاروق. وهكذا تحرك الضباط لإحداث «ثورتهم العسكرية» بمعاونة وتشجيع رجال من المخابرات الأمريكية في القاهرة وبمعرفة مساعد الملحق العسكري الأمريكي «ديفيد إيفانز» منذ يوم 14 يوليو (تموز ) 1952 وكان هذا اليوم هو التاريخ الحقيقي لليوم الذي صدر فيه قرار القائد العام للجيش الفريق محمد حيدر بحل مجلس إدارة نادي ضباط الجيش، وكان قرار حل مجلس إدارة نادي الضباط هو ما قصد به أن يكون محفزًا لحالة تذمر تحدث داخل الجيش ولصنع حالة فوضى تتحرك تحت ساترها مجموعة تنفيذ الانقلاب. وبعد حدوث الانقلاب فقد تكشفت لباقي ضباط الجيش حقيقة وقائع الانقلاب وأنه عندما تحرك الضباط التسعون، كان بعضهم قد أعد لنفسه في حالة فشل الانقلاب خطة هروب بطائرة تحملهم إلى سوريا حيث يستضيفهم رئيس الانقلاب السوري الحاكم اللواء أديب الشيشيكلي، وأن تحرك ضباط الانقلاب في يوليو 1952 قد حصل على المباركة الأمريكية قبل الانقلاب بأربعة شهور عندما تقابل مندوب عن مجموعة الانقلاب مع كيرمت روزفلت مسئول عمليات المخابرات الأمريكية في الشرق الأوسط في شهر مارس (آذار) 1952 وأن تحرك ضباط الانقلاب في نهار ويوم الثلاثاء 22 يوليو – يوم تنفيذ الانقلاب المؤجل.

كان معلومًا لرجال في القصر الملكي، وللعميل المزدوج وزير الداخلية أحمد مرتضى مصطفى المراغي، ابن شيخ الأزهر الراحل والـذي كان هو رجل المخابرات الأمريكية الفاعل في الوزارة والقصر الملكي، وكان مرتضى المراغي في نفس الوقت هو الرئيس الفعلي للتنظيم الحديدي المسئول عن حماية الملك فاروق وكان هو الخائن الأول في تنفيذ العملية الأمريكية للإطاحة بالملك فاروق، كان تخطيط وزير داخلية الملك فاروق أن يكون هو البديل للنظام الحزبي، بحكومة عسكرية يشترك فيها بعض ضباط الانقلاب وعلى رأسهم اللواء محمد نجيب والذي كان من المرتب له أن يكون وزيرًا للحربية والبحرية لفترة محددة يتم تصفيته بعدها، ليتم تصعيد آخر من بين الطامحين من ضباط الجيش.

هذا هو بعض ما تكشف: من حقيقة التغيير الذي حدث في مصر في فترة نهاية عهد أسرة محمد علي والذي يمثل بعضًا من الرواية المحجوبة، فقد كان هناك دائمًا قصة أخرى وقد عمد المستفيدون أن يظل «يوليو الحقيقي» غائمًا مرويًا على غير حقيقته، وقد تم في الرواية «الانقلابية» صنع بطولة مبالغ فيها ومجد زائف لبعض الأشخاص في سلطة الانقلاب تم صناعته بجبروت السلطة، رغم أن أدوارهم الحقيقية كانت تتناقض مع الصورة الدعائية التي قدموا أنفسهم بها.

وعندما تكلم الضباط الذين شاركوا في انقلاب «يوليو الأول» عام 1952 فقد انطلق صوت الكذب والرواية المختلقة، ولم يكن فيهم أحد صادقًا: كل تكلم لمصلحته الشخصية وكل تكلم مبررًا أو مدافعًا عن جرائم أو أخطاء ارتكبت، ورغم كل هذه السنوات التي مضت على حدوث الانقلاب، ما زالت الأحداث الحقيقية لثورة بعض ضباط الجيش في 23 يوليو (تموز) 1952 لم ترو، وإنما ما طالعناه هو الرواية الدعائية الزائفة، الرواية التي صنعتها أجهزة الدعاية السلطوية العسكرية والتي استعانت بالخبرة الأمريكية لصنعها في السنوات الأولى لحركة الجيش «الانقلابية».

ولم تكن أجهزة الدعاية فقط في سنوات الانقلاب الأولى هي المتلقي الوحيد لخبرة أجهزة المخابرات الأمريكية ولنصائح الخارجية الأمريكية ولسفيرها في مصر جيفرسون كافري، بل غطت هذه النصائح كافة مظاهر الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية في مصر.

والآن بعد أن مضت خمسة وستون عامًا على انقلاب يوليو الأول يبقى السؤال مطروحًا: هل استفادت مصر حقيقة من تحرك ضباط في الجيش المصري، في مساء يوم الثلاثاء 22 يوليو (تموز) 1952؟!

فالحقيقة أن بعض الضباط من بين الضباط التسعين، كانت نواياهم مخلصة في التحرك، وكان يعنيهم منذ نهاية حرب 1948 مصير مصر وأن الحياة في مصر مختلة من ناحية العدالة الاجتماعية، ولكن كان من بين الضباط التسعين من كان الاستيلاء على السلطة بالنسبة لهم مغامرة مرغوبة، وهؤلاء هم من بقيت السلطة في أيديهم إلى نهاية جمهورية جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، بل إن بعضهم كمل العمل مع أنور السادات رغم انقلاب السادات الخاص به والذي بدأ في مايو (أيار) 1971، واستمر حتى اغتياله في 6 أكتوبر (تشرين أول) 1981 وعلى مدار فترة تحكم العسكريين في السلطة في مصر منذ يوليو (تموز) 1952 وحتى اﻵن والفاتورة الناتجة عن هذا التحكم باهظة التكاليف، وكان يمكن اختصار تكاليفها لو كانت طبيعة الحكم مختلفة أو كان ما حدث في يوليو (تموز) 1952 ثورة شعبية حقيقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد